الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » جهاديو سوريا بين الحقيقة والمبالغة

جهاديو سوريا بين الحقيقة والمبالغة

“ربما تكون دمشق مبالغة في قوة جماعة «جبهة النصرة» الجهادية السورية.”

في فيديو نُشر بتاريخ 12 أيار/ مايو على “يوتيوب” زعم أنه صادر من قبل الفرع الفلسطيني لجماعة «جبهة النصرة» الجهادية السورية أعلنت هذه الجماعة مسؤوليتها عن التفجير المزدوج الذي وقع في 9 أيار/ مايو قرب مجمع أمني في دمشق وأسفر عن مقتل أكثر من خمسة وخمسين شخصاً وجرح مئات آخرين. وبينما يبدو أن «جبهة النصرة» هي جماعة متطرفة حقيقية إلا أنه ليس واضحاً ما إذا كانت [بالفعل] مسؤولة عن الهجوم أو نشر الفيديو أم لا. فشريط الفيديو نفسه يثير تساؤلات مقلقة عن الاستغلال المحتمل من قبل نظام الأسد للجهاديين بناء على علاقاته السابقة مع هذه الجماعات.

«جبهة النصرة»

كانت أول بداية إرهابية أعلنت فيها «جبهة النصرة» عن وجودها هي في 24 كانون الثاني/ يناير 2012 عندما نشرت فيديو عبر منفذها الإعلامي [المعروف باسم] مؤسسة “المنارة البيضاء”. على أن النشر مباشرة لمنتديات جهادية عالمية على شبكة الإنترنت قد أكد أنها كانت جماعة فعلية وهو ما تأكد لاحقاً عندما أيد بضعة من كبار العقائديين الجهاديين أنشطة «جبهة النصرة». ومنذ كانون الثاني/ يناير أعلنت «جبهة النصرة» مسؤوليتها عن الهجمات التالية:

·10 شباط/ فبراير 2012، حلب: تفجيرين انتحاريين مزدوجين عن طريق السيارات في مباني تابعة لقوات الأمن السورية أسفرا عن مقتل ثمانية وعشرين شخصاً، أربعة منهم مدنيون.

· 17 آذار/ مارس 2012، دمشق: هجوم انتحاري ضد مبنى تابع للشرطة ومقرات استخبارات القوات الجوية السورية.

·20 نيسان/ أبريل 2012، ريف حماه: (بين مدينتي معردس وطيبة الإمام): سيارة مفخخة استهدفت وحدة عسكرية سورية في مطعم “قطر الندى” كان يُزعم أنها مسؤولة عن مجزرة ارتكبتها في مدينة اللطامنة.

·24 نيسان/ أبريل 2012، دمشق: تفجير “المركز الثقافي الإيراني” في ساحة المرجة.

·27 نيسان/ أبريل 2012، دمشق: هجوم انتحاري خلال صلاة الجمعة في حي الميدان.

·20 نيسان/ أبريل – 5 أيار/ مايو 2012، دمشق: عبوات ناسفة لاصقة زرعت في سيارات في سلسلة من محاولات اغتيال مسؤولين سوريين.

·5 أيار/ مايو، دمشق: عبوتان ناسفتان تحت شاحنتين في مقر المؤسسة العسكرية السورية في شارع الثورة.

ورغم أنه فور وقوع التفجير المزدوج في 9 أيار/ مايو توقع كثيرون أن «جبهة النصرة» كانت هي المسؤولة عنهما، إلا أن شريط الفيديو من 12 أيار/ مايو قد اختلف على نحو كبير عن بيانات «جبهة النصرة» السابقة لأن:

1-الفيديو كان قد نُشر لأول مرة على “يوتيوب” وعلى منتديات جهادية عبر المنفذ الإعلامي لـ «جبهة النصرة».

2-فيديو الـ “يوتيوب” زعم أنه صادر من مَنفذ “ابن تيمية” الإعلامي، وهو وسيلة إعلامية أخرى يديرها جهاديون مستقلون في الأراضي الفلسطينية (وفي وقت لاحق نشروا هم أيضاً بياناً ينكرون فيه نشرهم شريط فيديو على “يوتيوب”، لأنهم أيضاً نشروا محتواه أولاً على المنتديات).

3-الفيديو قد أكد أنه كان يمثل البيان الرابع لـ «جبهة النصرة»، غير أنه في اليوم نفسه نشرت «جبهة النصرة» بيانها السابع إلى المنتديات. بيد، تم نشر بيانها الرابع في الواقع قبل أسبوع من ذلك أي في 5 أيار/ مايو تحت عنوان مختلف.

4- الهجوم قد تم تبنيه من قبل “الفرع الفلسطيني” لـ «جبهة النصرة» – الذي لم يتم ذكره سابقاً في بيانات «جبهة النصرة».

كل ذلك يشير إلى أن شخصاً ما ربما يحاول استخدام الجهاديين ككبش فداء للتفجير الذي وقع في 9 أيار/ مايو. والظاهر هنا أن نظام الأسد هو المشتبه به لكن لا توجد أدلة حتى الآن تؤكد تورطه. فقد ادعى النظام مراراً أن عصب المعارضة إنما يتشكل من جهاديين إرهابيين أجانب. وربما أنه ينسق هذه التفجيرات لزيادة تطرف المعارضة ووصمها بأنها مجموعة من البلطجية الإرهابيين. وثمة احتمالية أخرى هي أن عناصر داخل النظام – مثل المخابرات السورية التي هي على علم بعدد المقاتلين الأجانب الذين دخلوا سوريا – تتنكر كجهاديين لكي تجند مقاتلين أجانب يتم إرسالهم بعد ذلك في مهام تستهدف مدنيين. إن ذلك ليس من شأنه فقط أن يجعل الإرهاب الذي يمارسه النظام قانونياً، بل يوفر تبريراً لإصراره على أن لا يزوّد الغرب – ومعه الحكومات العربية وتركيا – أسلحة للمتمردين.

علاقات سوريا المتنامية مع الجماعات السنية المتطرفة

على النقيض من الروايات في العديد من وسائل الإعلام التي تقول إن دولة سوريا العلمانية هي على خلاف مع الجماعات السنية المتطرفة نجد أن بشار الأسد قد بنى في الواقع علاقات وطيدة – وإن كانت غير مباشرة – مع مثل هذه الجماعات. فقبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وبعده، سمح نظام الأسد لــ “متطوعين” سوريين أن يتجمعوا أمام السفارة الأمريكية في دمشق للانتقال بحافلات إلى العراق لـ “يشنوا جهاداً” ضد القوات الأمريكية. وعندما استبان بسرعة أن المتطرفين الأكثر تنظيماً والأفضل تمرساً سيكونون ضروريين بدأ نظام الأسد في السماح لمقاتلين جهاديين أجانب بدخول سوريا والعبور إلى العراق. على أن أفضل رواية عن تدفق المقاتلين الأجانب يمكن العثور عليها في “وثائق سنجار” – وهي قاعدة البيانات لـ «تنظيم القاعدة في العراق» التي استولت عليها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في مدينة سنجار العراقية قرب الحدود السورية. وتُدرج قاعدة البيانات تفاصيل عن المئات من المقاتلين الجهاديين من ليبيا والمملكة العربية السعودية والجزائر (بين بلدان أخرى)، الذين كانوا قادرين على الذهاب والمجيء من العراق عبر سوريا. وقد كان حوالي 8 بالمائة من المقاتلين – الواردة أسماؤهم في قاعدة بيانات سنجار – سوريين. كما أن التحكم الصارم في كل نقاط الدخول من قبل أجهزة المخابرات السورية وكذلك تحكم الاستخبارات العسكرية السورية في شرق سوريا التي تم إعداد “خطوط التهريب” الجهادية فيها إنما يُظهر أن نظام الأسد كان على علم، بل إنه على أحسن تقدير تغافل – إن لم يكن قد تعاون – مع هذه الجماعات.

وقد شكل النظام السوري علاقات مشابهة وأكثر ضبابية مع “فتح الإسلام” وهي فرع إسلامي متطرف من منظمة “فتح الانتفاضة” وهي جماعة فلسطينية مدعومة بشكل كبير من قبل دمشق. ورغم أنه لا توجد روابط رسمية بين دمشق وهذه المنظمة إلا أنه ما تزال هناك أسئلة كبرى حول سبب إفراج السلطات السورية عن زعيم الجماعة شاكر العبسي من السجن في عام 2006 قبل أن تنفصل الجماعة عن “فتح الانتفاضة”. وكان العبسي قد سجن في سوريا بتهمة اغتيال الدبلوماسي الأمريكي لورانس فولي في عام 2002.

وبمعنى أكثر عمومية فقد شجع نظام الأسد الإسلاميين المتطرفين السنة قدر ما كان ذلك ملائماً له. على سبيل المثال تسامح النظام مع “الشغب التلقائي” من قبل المتعصبين السنة – خارج السفارة الدنماركية في دمشق في عام 2006 – الذين احتجوا على نشر صحيفة دنماركية لرسوم كارتونية مسيئة للنبي محمد اعتبروها إهانة للإسلام. وتُظهر روايات شهود عيان أن المظاهرات التي أدت إلى احتراق المبنى قد جرت بمعرفة تامة من السلطات السورية.

الخلاصة

حتى الآن نجد أن الهجمات الإرهابية قد شكلت جزءاً صغيراً جداً من التكتيكات المستخدمة في هذا التمرد رغم أن هجمات 9 أيار/ مايو تشير إلى أن الهجمات الإرهابية في سوريا تتصاعد من حيث العدد والحجم. غير أن التناقضات والتباينات في شريط الفيديو من 12 أيار/ مايو تبرز احتمالية حقيقية بأن نظام الأسد يمكن أن يستغل الهجمات لصالحه على النطاق المحلي والدولي. وبالتالي ينبغي تقييم تبني المسؤولية عن الهجمات في المستقبل في ضوء المكان الذي نُشر من خلاله الفيديو أو التصريح (المنتديات الجهادية أو “يوتيوب”) وتناسق الحقائق التي يحتويها.

ينبغي على واشنطن أن تؤكد على الاختلاف بين الجماعات المتطرفة والمعارضة المدنية والمسلحة داخل سوريا. والواقع أن الجماعات الجهادية نشطة في سوريا إلا أنها جزءاً صغيراً من الجماعات المعارضة لنظام الأسد. ولكن الأهم من ذلك هو أن المسؤولية عن الأنشطة الجهادية في سوريا تقع على عاتق النظام السوري، ذلك أن قدرة تلك الجماعات على العمل في سوريا كانت تتعزز بعلاقات النظام القديمة مع الجماعات السنية المتطرفة. إن القمع الوحشي من جانب الأسد، جنباً إلى جنب مع المساعدة الضئيلة من الغرب للمعارضة، قد منح الرواية الجهادية تعزيزاً أكبر.

هارون ي. زيلين هو زميل ريتشارد بورو في برنامج ستاين للإستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن. أندرو جيه. تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في المعهد ومؤلف كتاب “في عرين الأسد: رواية شاهد عيان لمعركة واشنطن مع سوريا.”

-- هارون ي. زيلين و أندرو جيه. تابلر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*