الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » هل للقاعدة وجود فعلي في الثورة السورية ؟

هل للقاعدة وجود فعلي في الثورة السورية ؟

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة تنظيم القاعدة ولجماعات ما بات يعرف بـ الإسلام الجهادي “المتشددة” داخل الأراضي السورية، ووجودها الفعلي في حراك الثورة السورية ضد نظام الأسد، خصوصاً بعد سلسلة من التفجيرات التي ضربت منطقة الجمارك وكفرسوسة والقصاع والقزاز، وتحدثت المصادر الإعلامية عن وقوف جماعة تطلق على نفسها “جبهة النصرة” والتي بدورها أعلنت مسؤوليتها عن هذه التفجيرات وتبنيها.

وتعتقد تقارير استخبارية بأنّ “جبهة النصرة” ترتبط بتنظيم القاعدة في العراق وبأنّ أصل انطلاقتها ونشأتها كانت في مدينة حمص وسط سوريا، وقد صرح نائب وزير الداخلية العراقي عدنان الأسدي في وقت سابق بأنّ عناصر مقاتلة تتسلل من العراق عبر سوريا، وأنّ هناك أسلحة يجري تهريبها إلى مناوئي نظام الرئيس السوري.

وتعد جبهة النصرة من الجماعات السلفية الجهادية التي أسست أواخر عام 2011م في غمرة الانتفاضة الشعبية في سوريا، وأصدر الملقب بـ الفاتح أبو محمد الجولاني البيان الأول للجبهة في 24 يناير 2012م، أعلن فيه عن تشكيل جبهة لنصرة أهل الشام من مجاهدي الشام، مؤكداً على أنّ الهدف من إنشاء الجبهة هو السعي من مؤسسيها على “إعادة سلطانِ اللهِ إلى أرضِه وأن نثأر للعرضِ المنتهك والدمِ النازِف ونردَّ البسمة للأطفال الرضَّع والنساء الرُّمل”.

وتعتبر مؤسسة “المنارة البيضاء” الإعلامية الذراع الإعلامي لجبهة النصرة والتي بدورها تقوم بإصدار مجموعة من البيانات ومقاطع فيديو والتي تُنشر بصورة منتظمة على مواقع ومنتديات جهادية مختلفة عبر الشبكة العنكبوتية.

السؤال الأهم الذي يثيره المحللين والمراقبون لأحداث الثورة السورية، من يقف وراء هذه الجبهة، وما هو حجمها وتأثيرها على الحراك الثوري في سوريا، وهل لوجدها خطر على مسار ومستقبل الثورة والواقع في سوريا؟، خصوصاً وأن تحركها لا يكون إلاّ من خلال خلايا متخفية وعمليات تفجير متقطعة لا يحسب زمانها ولا مكانها.

اختلاف في مصداقية وجودها

وعن مثل هذا الجانب ينفي عضو الهيئة العامة للعلماء المسلمين في سورية أ.جمعة محمد لهيب، في تصريحات خاصة لـ”آخر خبر” وجود القاعدة حتى هذه اللحظة في الحراك الثوري سواء السلمي منه أو المسلح, قائلاً: “لم نشهد كتائب تابعة للقاعدة وتنظيمها , كما لم نشهد تنسيقيات تابعة لها”، مشيراً إلى أنّ ما يسمى بـ”جبهة النصرة” فهي من عمل النظام ليس إلاّ, وما تصدره لا يعدو كونه فبركة إعلامية مخابراتية بامتياز، مؤكداً على أنّ التفجيرات الأخيرة التي حدثت بدمشق راح ضحيتها المدنيون السنيون بل والمعارضون, وعلق بعض الساخرين من الثوار قائلاً:  “لو كانت من تنظيم القاعدة لفجرت بالقرداحة !”، مشدداً على أنّ تنظيم القاعدة مخترق في سورية منذ عهد ما يسمى بفتح الإسلام الذي عمل على تفجير كبير في منطقة السيدة زينب بدمشق أمام فرع فلسطين الأمني منذ أربع سنوات تقريبا.

ويرى لهيب بأنّ هناك صراعاً خفياً سابقاً بين سورية وتركيا حول ضابط مخابرات سوري كان مسئولاً عن تفجيرات بتركيا وهو قيادي بتنظيم القاعدة في سورية, نشر خفايا هذا الصراع قنوات إخبارية كثيرة كمفكرة الإسلام وغيرها، منوهاً على عدم وجود أي مصلحة من وجود جبهة النصرة أو غيرها إلا من قبل النظام فقط, لتخويف الغرب من البديل عنه, ومن سيطرة الفكر الجهادي القاعدي على السوريين مما سيشكل خطراً كبيراً على إسرائيل.

من جانبه يؤكدّ الناطق الرسمي للمنظمة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان الملقب بـ “أبو الحسن الحموي”، أنّه لا وجود لهذه الجماعات في سوريا كمسمى يصح تسميته بالجماعة، بل هناك خلايا شكلها النظام بشكل مباشر أو ساعد على تشكلها بسبب شدة القمع المفرط، معتبراً بأنّ جبهة النصرة هو تنظيم مغمور وقد نفى علاقته بالتفجيرات التي كانت في دمشق وغيرها مما لا يمكن أن يقدم على فعله مسلم، وقد كشفت بالأدلة والبراهين، مشيراً إلى أنّ جثث الشهداء المخطوفة من قبل الأمن من مناطق ثانية هي الأداة التي تضعها تلك العصابة في السيارات المفخخة، حيث كشفت عدة فيديوهات قيام أفراد من المخابرات بالهروب من موقع التفجيرالمحاط بالمخابرات قبل عملية التفجير بدقائق، مشدداً في تصريحاته الخاصة لـ”آخر خبر” على أنّ الشعب السوري لديه من الوعي ما يكفي لكشف ألاعيب تلك العصابة وخططها الفاشلة وبأنّ أدوات هدم دولة الظلم هي غباء الظالمين واستخفافهم بأمة الشام التي دعا لها النبي عليه الصلاة والسلام.

من جهته يوضح الداعية والمعارض السوري المستقل بمحافظة أدلب، الدكتور أيمن هاروش، في تصريحات خاصة لـ”آخر خبر”  أنّه لم يرى في سوريا تنظيمات أو جماعات تنتمي للقاعدة، وما يسمى بجبهة النصرة فهو تيار سمع به من خلال وسائل الإعلام ولم يره على الأرض، منوهاً على أنّه ع على دراية وإطلاع بمعظم التيارات المقاتلة، مؤكداّ في الوقت نفسه على أنّ المناخ مهيأ لوجود القاعدة في ظل الانفلات الأمني وسهولة الدخول والخروج من سوريا حيث يمكن لهذا التنظيم أن يدخل سوريا من الدول المجاورة إن كان موجوداً فيها.

ويشير هاروش إلى وجود جماعات تحمل خلفية وأفكاراً لتيارات إسلامية كالسلفية مثلاً، فهناك كثير من الكتائب تتبنى الفكر السلفي وهو المنهج الذي لا يراه هاروش بأنّه متشدد كما يحاول البعض تسميته بل هو منهج على وسطية الإسلام، كما أنّ هناك كتائب تحمل منهج الإخوان المسلمين، مشدداً على أنّه إذا إن كان المقصود وجود تيارات تكفّر من يخالفها من المسلمين وتحمل السلاح على مخالفيها في المذهب أو الدين فهذه جماعات يجزم بعدم وجودها.

للأجانب دور في سوريا

وكان  معهد واشنطن قد كشف في تقرير سابق له بأنّ المسلمين الأجانب باتوا يلعبون دوراً في القتال الدائر ضد الجيش السوري ولو أنّه دور صغير حتى الآن، مشيراً بأنّ القلق الأكبر هو من اتخاذ الثورة الطابع الديني مع بدء الإسلاميين الذين يتبنون خيار العنف بالدعوة إلى الجهاد في سوريا.

السبب القوي الذي يجعل ما يعرف بـ”الجهاديين” يتوغلون في سوريا يعود على ما يبدو إلى غضّ النظام السوري عن المقاتلين الأجانب الذين كانوا يتخذون البلاد بوابة للعبور نحو العراق للانضمام إلى العمليات المسلحة التي كانت تنفذها القاعدة والفصائل المقاومة ضد قوات التحالف والقوات العراقية بين عامي2004-2007م، لكن على ما يبدو أنّ عقارب الساعة دارت بالعكس ليتحول هؤلاء المقاتلين من العراق نحو سوريا باعتبارها الأولى في الوقت الحالي، إذ أنّهم لم يبدوا من نقطة الصفر فهم يسعون حالياً لكسب تعاطف السوريين وإتباع سياسية رد المعروف والإحسان بعد أن سهلوا لهم العبور نحو العراق فهم يسعون إلى جلب المزيد من المقاتلين من العراق نحو سوريا عبر المغرب العربي وأوروبا. 

ويقدر معهد واشنطن من خلال دراسة استقصائية للتقارير الإخبارية باللغات الإنكليزية والعربية والفرنسية، أنّ عدد المقاتلين الأجانب بما بين 700 و1400 دخلوا أو حاولوا دخول البلاد هذا العام فقط، حيث يشكل الثوار في سوريا ما يقدر بحوالي 18 ألف مقاتل، يشكل الأجانب من بينهم نسبة لا بأس بها تصل إلى 4.7 %.

إضافة إلى ذلك فإنّ الكاتبان الأمريكيان هارون ي زيلين و أندرو جيه. تابلر، من معهد واشنطن، يؤكدان في تقريرهما الصادر بعنوان “جهاديو سوريا بين الحقيقة والمبالغة”، بأنّ النظام السوري شكلّ علاقات مشابهة وأكثر ضبابية مع “فتح الإسلام” وهي فرع إسلامي متطرف من منظمة “فتح الانتفاضة” وجماعة فلسطينية مدعومة بشكل كبير من دمشق. ورغم عدم وجود روابط رسمية بين دمشق وهذه المنظمة إلا أنّه ما تزال هناك أسئلة كبرى حول السبب الحقيقي لإفراج السلطات السورية عن زعيم الجماعة شاكر العبسي من السجن في عام 2006م، قبل أن تنفصل الجماعة عن “فتح الانتفاضة”، والذي كان قد سجن في سوريا بتهمة اغتيال الدبلوماسي الأمريكي لورانس فولي في عام 2002م.

كل هذه المؤشرات تخلق علامات استفهام كبيرة عن حقيقية دعم النظام السوري للقاعدة فكلاهما يتغذى على الآخر، ويستفيد من الآخر، فالقاعدة تريد إيجاد موطأ قم لها في سوريا حتى تقترب أكثر من حدود التماس مع الكيان الصهيوني لتحقق حلمها بالاشتباك معه كما كانت تخطط منذ زمن بعيد، والنظام السوري يريد أن يعطي لنفسه المصداقية أمام العالم بأهمية وجوده حتى يقنع العالم بأنّ هذه الثورة يقوم بها المتطرفون وبالتالي لا مبرر لدعمها ولابدّ من كبح جماحها مادام يقوم بها المتشددون، والإبقاء على النظام السوري الذي يمنع تمدد الأصولية في المنطقة.   

وتشير صحيفة “دايلي تلغراف” البريطانية في وقت  سابق بأنّ تنظيم “القاعدة” دخل إلى سوريا ويعمل حالياً على ترسيخ مناطق نفوذ في المحافظات الشمالية التي تشهد صدامات واشتباكات مع قوات الأسد.

وتدعي الصحيفة بأنّ الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة أو المتعاطفة معها تنتشر بسرعة في سوريا، لكن نفوذها لا يزال محدوداً، مشيرةً إلى أنّ أعلام القاعدة ترفرف علناً في بعض مناطق محافظتي إدلب وحلب القريبتين من حدود تركيا، وبأنّ الجماعات المتشددة، مثل: جماعة “أحرار الشام” تنمو بالحجم والتأثير، وأصبحت قوة قتالية هائلة منذ تشكيلها في إدلب، ولها قواعد قيادية في معظم المراكز السكانية في المحافظة.

ونسبت الصحيفة في نفس الوقت إلى مقاتل من جماعة “أحرار الشام” مقرها الرئيسي في مدينة سراقب، قوله: بأنّ أشقاءنا المجاهدين من العراق وأفغانستان علمونا طريقة صنع العبوات الناسفة، ونستطيع الآن تزويد منظمة حلف شمال الأطلسي بها إن كانت بحاجة إليها”.

ويبدي مراقبون للشأن السوري مخاوف كبيرة حول ماذا إذا كان لهذا التنظيم وجود حقيقي على أرض الواقع، ومن ضمن هذه المخاوف تأثيره على مسار ومستقبل الثورة والواقع في سوريا، حيث يعرب لهيب عن خشيته من انتشار مثل هذه التنظيمات بسبب عاملين: الأول هو أنّ تطول الأزمة بسورية أكثر، والثاني عدم تمويل قيادة واحدة للثوار المسلحين كالجيش الحر، منبهاً على أنّ هذان العاملان يسببان الفوضى التي قد تخلق عناصر سلفية جهادية تابعة للقاعدة أو لغيرها, أو لربما تنشئ لنفسها تنظيما جديداً.

لكنّه في نفس السياق يعبّر عن طمأنته من عدم إمكانية وصول سوريا إلى هذه المرحلة بسبب وعي الشعب أولاً, ونفور الناس من لفظة تنظيم القاعدة ثانياً, مضيفاً: “لكن لا أحد يضمن ما في رحم المستقبل، فلو فرضنا وجود مثل هكذا تنظيم لكان سبب حرجاً كبيراً لدعاة المدنية والمواطنة إن كان الإسلاميين منهم أو العلمانيين أو اليساريين”، مشدداً على أنّ وجود خطر كبير على مستقبل سورية الديمقراطي الذي ينشده الجميع، ولكن بحسب ما يتبين من تركيبة الثورة بأنّ انخراط تنظيم تابع للقاعدة أمر مستحيل بحسب رؤية لهيب, مقراً بوجد أفراد فكرهم قريب من تنظيم القاعدة, وليس كتنظيم كبير، الذي يعتبر من المستحيلات لأنّ أول من سيحاربه هم الثوار.

أما أبو الحسن الحموي فإنّه يحذر من استمرار القمع الغير مسبوق والذي لم يشهد التاريخ له مثيل، مؤكداً أنّه إن لم يتوقف بإزالة هذا النظام ومساعدة السوريين على إزالته فسيؤدي بلا ريب إلى تنام التطرف في سوريا كردة فعل طبيعية على تلك الجرائم ، مطالباً الأمة العربية والإسلامية بنصرة السوريين تلبية لأمر الله تعالى: (وإن استنصروكم فعليكم النصر)، مشيراً إلى وجود إرهاب إقليمي ممنهج في سورية وداعم ذلك التنظيم هو الحكومة الإيرانية، إضافة إلى تواجد قوات “الباسيج” الإيرانية التي تأتي إلى سورية بشكل يومي وأسبوعي بطائرات جامبو مدنية، وهناك عدة تقارير أكدّت أيضاً وجود مليشيات مقتدى الصدر وحزب الله اللبناني المصنف أصلاً عالمياً بأنّه حزب وتنظيم إرهابي ومحظور دولياً، مشدداً على أنّ الشعب السوري يقتل كل يوم وسوف يدعم الجيش الحر بكل ما يملك من أموال ولن يتراجع حتى لو تخلى العالم كله عن الشعب السوري.

من جانبه يعتقد هاروش بأنّ تنظيم القاعدة لو وجد هو أو غيره من الجماعات المقربة له تحت أي مسمى فقد يكون يداً أخرى تضرب النظام فهو يقدّم خدمة للثورة من ناحية مقاومته للنظام، مؤكداً بأنّه وبعد الثورة لن يجد له مكاناً في سوريا لأسباب عديدة منها بأنّ أي تيار جهادي لا بد له من قاعدة شعبية تحتضنه وتحميه وتضفي عليه مشروعية، فلولا الثورة لما كان للجيش الحر حاضنة، فكيف بما دونه من تيارات تكفيرية ونحوها، موضحاً بأنّه وبعد سقوط النظام فالقاعدة الشعبية الثائرة اليوم ستكون في صف من يبني الدولة على أسس الديمقراطية والحرية، ولن تحتضن أي تيار يبقى حاملاً لسلاحه لأنّه سينعدم المبرر والدافع لحمل السلام.

ويضيف هاروش: “طبيعة الشعب في سوريا وعقليته تميل إلى منهج التعايش السلمي والتسامح الديني وهو ما كان ظاهراً وبارزاً في تاريخها قبل مجيء البعث للحكم وهو ما ستعود إليه بعد رحيله، كما أنّ التكفير وقتل المخالف لا يجد له مبرراً شرعياً حتى في الفكر السلفي الذي هو ظلم بنسبه إليهم، وبالتالي لن يجد هذا التيار حاضنة علمية له أيضاً”، مؤكداً بأنّه يسمع من الثائرين والمنتسبين إلى التيارات الإسلامية ومنها السلفية رفضاً لوجود تيار يبرز شعارات التكفير ويحذر من منهجه وفكره بغض النظر عن وجوده ضمن تنظيم أم لا، فكيف هو الحال بعد الثورة.

إمكانيات التحول لعراق جديدة

ويثير البعض مخاوف أخرى من إمكانية تحوّل سوريا إلى عراق جديدة في ظل وجود مثل هذه التنظيمات، لكن آخرون يؤكدون على أنّ وجود هذه الجماعات أمر طبيعي في سوريا والوضع في سوريا يختلف تماماً عن العراق، وبأنّ كثير من التيارات السورية ترفض هذه الجماعات فهي إن تحركت ستتحرك بشكل خلايا متخفية وعمليات تفجير محدودة وبالتالي فإنّ أثرها ضعيف ولا يكاد يذكر.

وعن مثل هذا الأمر يؤكدّ لهيب بأنّ لا مصلحة لأي طرف بوجود تنظيم القاعدة في سورية أبداً إلاّّ النظام السوري, بل ولا حاجة للكتائب الثورية لها, فلدى الجيش الحر والكتائب الثورية ما يكفي من العدد لمحاربة النظام بالسلاح, منوهاً على أنّ لعبة النظام هذه سخيفة جداً, لأنّ الجميع يعلم أنّ القاعدة صنيعة المخابرات, وشماعة تلعب بها بعض الدول، مؤكداً على وجود فرق بين الحراك السلفي من جهة والذي يحاول أن يجد له مكاناً بصفوف الكوادر المسلحة وله تأثير كبير كـ”شهداء الشام”, وبين تنظيم القاعدة, فالأول صاحب رؤية عقدية سلفية غيرها عن الثانية.

ويعتبر لهيب بأنّ المثال العراقي بعيد عن سورية لأنّها أغلبية سنية ليست مثلها بالعراق ذات الإثنيات والطوائف المتقاربة بالكم, إذ أنّ أغلب الكتائب تابعة للمجلس الوطني أو الجيش الحر أو لمجالس ثورية عسكرية بقيادة ضباط سورين لا يحملون أي أيدلوجيا سوى إسقاط النظام، منوهاً على أنّ الجيش الحر والكتائب الثورية تسبب لدى الأهالي نوعا من الطمأنينة حيث الحماية والرعاية وتصريف الشؤون الحيايتة، كما أنّ العقل الجمعي لدى السوريين رفض أي تحرك سيئ باتجاه أي شخص بسبب طائفته ودينه .

وفي سياق متصل يصف أبو الحسن الحموي كل مؤامرات العصابة الإرهابية المغتصبة لحكومة سورية منذ أربعين عاما وأكثر هي مؤامرات فاشلة فمن يدعم التفجيرات وقتل أكثر من 35 ألف تركي مدني بريء في تركيا هو المقبور حافظ وابنه، منوهاً على أنّ النظام السوري يدعم كذلك حزب العمال الكردستاني الذي أيضاً يقاتل مع قوات بشار، مشددًا على أنّ الذي كان يرسل عناصر من القاعدة ويدربهم في سورية هو بشار وتقدم العراق بأكثر من شكوى في هذا الخصوص، مشيراً بأنّ الثوار السوريين كانوا ولا يزالوا يرددوا لا للطائفية فهذه الثورة أساسها العدل والمساواة التي حرم منها الشعب السوري طيلة العقود الأربعة، مستبعداً أنّ يكون هناك تنظيمات إرهابية متطرفة فإن وجدت فهذه لا تمثل الثورة الشعبية المعتدلة التي تحاول أن تدعو لطائفية فهذه الثورة غير موجهة إلاّ ضد الظلم مهما كان دين الظالم سواء كان مسلماً أو غير مسلم، ملمحاً بأنّ هذه الثورة ليست بثورة ضد الأديان فهي ضد الظلم والاستبداد فنحن نريد أن نحيا كبشر وليس كعبيد.

أما هاروش فهو يرى بأنّ سياسة النظام التي حفظها صغارنا قبل كبارنا هي تشويه التيارات الإسلامية لم يغيرها حتى الآن، منوهاً إلى أنّ النظام في الثمانينات افتعل التفجير وقتل الأبرياء ولصقها بالإخوان المسلمين ثم راح يظهر الجماعة على خلاف ما هي عليه في معتقدها ومنهجها حتى يسئ لها ويشوه صورتها في الداخل والخارج وربما نجح في ذلك لكنّه لن ينجح اليوم لانكشاف ألاعيبه، مشدداً على أنّه ومنذ أول انطلاقة الثورة بدأت الاتهامات بأنّ هذه أفعال الإخوان المسلمين وأحيانا يقول السلفية، حتى ينفر منهما قائلاً: “لكنه لا يعلم أن الشعب لا يرى الإخوان والسلفية كما صورهم كما أنّهم ليسوا من فعل الحراك الثوري”، مشدداً على أنّ النظام راح يقول بوجود القاعدة وقد أخبر بعض العناصر المنشقين أن أوامر كانت تأتيهم بإطالة اللحى ولبس الزي الأسود ووضع شارة على يمينه فيها شعار القاعدة ليوهم العالم بوجودها.

ويوضح هاروش بأنّ العالم لن يكون بهذه السذاجة التي تجعله يصدق ما يقول النظام ولذا لن يؤثر فيه كلامه، حيث أنّ تأخير التدخل الخارجي لحسم الأمر لحسابات مصلحية فقط وليس تأثراً بكلام النظام، موجهاً برسالة للعالم الخارجي يقول فيها: “إن تأخركم في التدخل ومنح النظام المهل لقتل الشعب سيشكل مناخاً خصباً لوجود هذه التيارات إن لم يكن تنظيماً ففكراً”، معتبراً بأنّ الانفلات الأمني الذي تعاني منه البلد وتسليح النظام وتجنيده لأبناء طائفة معينة لتقتل المتظاهرين، سيساعد ويسمح للتنظيمات المتشددة بالدخول لسوريا، لذا فعليهم بالإسراع في إسقاطه إن أرادوا لمثل هذه الأفكار أن لا توجد في الداخل السوري، مؤكداً على أنّه وبعد الثورة حتى وإن وجدت لن يكون لها وجود لانتفاء الدواعي والأسباب لوجودها، ملمحاً بأنّه وعلى فرض بقائها على شكل خلايا متخفية فإنّه شخصياً لا يتخوف من وجودها لأنّه هاروش يعلم تماماً مدى الوعي السوري وبرامج القوى السياسية والقتالية على الأرض التي تريد بناء دولة المؤسسات ومحاربة أي جهة تبقى مسلحة بعيدة عن سلطة الدولة، فهذا رأي كل التيارات ولن ينمو أي فكر يحاول تدمير النسيج السوري وفرض رأيه بالقوة.

مثل هذه التطمينات التي بعثها قيادات ونشطاء الثورة السورية لن تجد قبولاً أو مصداقية لدى معهد “ستراتفور” الأميركي للدراسات الاستخباراتية الذي أكدّ بدوره على أنّ هدف القاعدة الأساسي في سوريا هو إيجاد حرب طائفية تمتد إلى لبنان، فانهيار الدولة السورية من شأنه أن يتيح للعناصر الجهادية مساحة واسعة للعمل تمتد من لبنان وحتى العراق، وعلى مسافة قريبة جداً من الأردن وفلسطين، وهو ما قد يؤدى مع صعود الإسلاميين في مصر وليبيا وتونس إلى تغيير كبير في وجه المنطقة بالكامل.

وكان زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري قد حث المقاتلين في سوريا عبر شريط مصور قبل عدة أشهر إلى مقاتلة نظام الأسد الذي أكدّ بأنّ أمريكا التي تعاونت مع بشار الأسد طوال عهده، تزعم اليوم بأنّها تقف مع الثوار بعد أن نكبت في تونس ومصر وفقدت اثنين من عملائها على حد تعبير الظواهري، منوهاً على أنّ واشنطن تسعى إلى أن تستبدل نظام الأسد الذي حرس حدود الكيان الصهيوني بإخلاص بنظام آخر يبدد الثورة السورية في حكم يتبع أمريكا ويرعى مصالح إسرائيل ويمنح الأمة بعض من الحريات على حد قوله، مشدداً على أنّ الغضبة والانتفاضة المباركة لن تهدأ حتى ترفع رايات الجهاد المنتصرة فوق جبل المبكر في القدس الحبيبة السلبية في إشارة منه إلى أحد مساعي القاعدة الإستراتيجية وهو الاشتباك مع الكيان الصهيوني بشكل مباشر وفتح جبهة على الحدود السورية الإسرائيلية بعد أن يحدث تحول وضعف أمريكي في دعمها لإسرائيل وتكون الأنظمة الحاكمة بحسب إستراتيجية القاعدة المعلنة قد فقدت أهليتها ومقدرتها في الدفاع عن نفسها مع ارتفاع الغطاء الأمريكي الغربي عنها، فكل هذه الأمور مجتمعة، سوف يؤهل تيار القاعدة والجهاديين إلى الانتقال إلى هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ القاعدة والتي تسعى إليها منذ سنوات مروراً بأفغانستان والعراق وليس أخيراً بالأراضي السورية.

*صحفي فلسطيني وباحث في شؤون الأحزاب والجماعات الإسلامية

—————

المصدر: موقع صحيفة آخر خبر 

-- * مصطفى أبو عمشة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*