الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » الثورات نشّطت الجماعات المسلحة

الثورات نشّطت الجماعات المسلحة

“تفريغ السجون من السجناء في البلدان التي تأثرت بـ “الربيع العربي” غالباً ما كان أمراً جيداً في مضمونه، ولكن للأسف كان للجهاديين نصيباً من هذه الموجة من الإفراجات.”

التحقيق في الهجوم المدمر الذي وقع على القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي في ليبيا في 11 أيلول/سبتمبر الذي أسفر عن مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز – وهو تحقيق محدود نتيجة للمخاوف الأمنية التي تعوق وصول وكلاء “مكتب التحقيقات الفيدرالي” الأمريكي إلى مسرح الجريمة – قد بدأ بتوجيه أصابع الاتهام نحو المصري محمد جمال (الملقب أبو أحمد المصري) الذي يتخذ من ليبيا مقراً له. ويوضح تقرير مفصل لصحيفة “وول ستريت جورنال” بأن جمال يُعرف ليس فقط بتزعمه مقاتلين ينصاعون لأوامره وتشغيله معسكرات لتدريب المتشددين في الصحراء الليبية، ولكن أيضاً بمغادرته السجن في مصر مؤخراً.

وتجعل هذه الحقيقة الأخيرة من جمال طرفاً في الاتجاه الذي فرض نفسه على الساحة العامة دون أن يلتفت إليه أحد منذ بداية ثورات “الربيع العربي”: فقد تم تفريغ السجون في البلدان التي تأثرت بالثورات، كما تفرق السجناء بعد إطلاق سراحهم أو هروبهم من السجون. إلا أن حصول السجناء على حريتهم كان أمراً “جيداً” في حالات عديدة: فالدكتاتوريات العربية مشهورة بسمعتها السيئة التي اكتسبتها جراء سجنها سياسيين ظلماً وإذاقتهم شتى أنواع العذاب داخل السجون. لكن الجهاديين كان لهم نصيبهم هم أيضاً في هذه الموجة، وها نحن على مشارف رؤية تأثير ذلك التجمع من الجهاديين العائدين إلى ممارسة نشاطاتهم مرة أخرى.

وقد أشار العديد من المعلقين إلى أن الحركات الجهادية قد أظهرت زيادة في قوتها في الآونة الأخيرة – بما في ذلك أولئك منهم المنتسبين إلى “تنظيم «القاعدة» في شمال افريقيا” ومختلف الجماعات من أنصار الشريعة التي ظهرت في عدة بلدان – إلا أن إطلاق سراح السجناء قد شكل جزءاً هاماً من هذه الحقيقة وهو الذي أغفل عنه المحللون بشكل عام.

ويعود استرداد السجناء لحريتهم إلى أسباب مختلفة. إذ استخدمت حكومة معمر القذافي تلك العملية كتكتيك هجومي في وقت مبكر بعد الانتفاضة، وذلك عبر إطلاق سراح السجناء في مناطق المتمردين من أجل إشعال تلك المناطق بالصراعات. ومع استمرار الانتفاضة، قرر عدد من مديري السجون لأسباب خاصة بهم (ربما كوسيلة لانشقاقهم) إفراغ السجون التي كانت حراستها واقعة ضمن مسؤوليتهم. وأدت الفوضى إلى هروب البعض، بينما فر الحراس من مواقعهم خشية الأعمال الانتقامية. كما كانت هناك حالات أخرى هاجم فيها مسلحون السجون من أجل الإفراج عن ذويهم وغيرهم من السجناء. وحتى الأنظمة التي شهدت تحولات أقل فوضوية، بما في ذلك تونس ومصر بصورة خاصة، ترددت فيما يخص الإبقاء على جميع من سجنوا في عهد الأنظمة البائدة، بمن فيهم الإسلاميين الذين مارسوا العنف وتلطخت أيديهم بالدماء.

لقد كان الخطر واضحاً وضوح الشمس في وقت مبكر جداً من أحداث “الربيع العربي”. ففي كانون الثاني/يناير 2011، وحتى قبل الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، أفادت التقارير وعلى نطاق واسع بأن آلاف السجناء قد فروا من السجون المصرية، ومن بينهم مقاتلين مسلحين. ثم سرعان ما ظهر على “شبكة أنصار المجاهدين” – وهي منتدى جهادي على شبكة الإنترنت – تقرير مطول مصحوب بمعتقدات دينية يروي كيف فر المجاهدون من سجن “أبو زعبل”.

وبعد سقوط مبارك، أُطلق سراح العديد ممن سجنوا من قِبل النظام البائد ليعودوا مرة أخرى إلى الشوارع. وقد نشر هاني السباعي – أحد الشخصيات التي تتمتع بعلاقات قوية مع الحركة الجهادية والذي يدير “مركز المقريزي للدراسات التاريخية” ومقره في لندن – عدة قوائم بأسماء الشخصيات المتشددة التي أُفرج عنها، بدءاً من شباط/فبراير 2011.  وفي 27 شباط/فبراير كتب السباعي بأن “عملية إطلاق سراح السجناء تُعد إحدى النتائج الإيجابية لهذه الثورة المصرية الشعبية التي نأمل في أن تُختتم بتطبيق الشريعة الإسلامية.”

ولم يكن التأثير الناتج عن الفرار من السجون وإطلاق سراح السجناء مقتصراً على مصر فحسب. بل ساعد كلاهما في تغيير شكل الحركات الجهادية والتيارات الإسلامية الأكثر اعتدالاً على حد سواء، وذلك في تونس وليبيا وفي اليمن أيضاً. وقد تأكد ذلك في مقالة نشرت في أيلول/سبتمبر كتبها المفكر الجهادي أبو سعد العاملي ووجهها إلى أعضاء مجموعة في اليمن تدور في فلك تنظيم «القاعدة» مجّد فيها فضائل السجن: “السجن قد يكون فترة يمكن استغلالها في التعليم أو تقوية [عقيدة] السجين. وأضاف “الله سبحانه وتعالى يُعِد السجين لأحداث كبيرة ومسؤوليات ثقيلة ربما لم يكن بمقدوره تحملها قبل دخوله السجن أو إذا ظل خارجه حراً طليقاً.”

وبالانتقال إلى قضايا أخرى غير القضية البارزة المتعلقة بجمال، سيمكننا فهم الكيفية التي أدت إلى عودة شخصيات أخرى من الحركة الجهادية في مصر إلى الظهور. والأكثر شهرة بينها هو محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم «القاعدة» الحالي وعضو سابق في “حركة الجهاد الإسلامي” المصرية. وقد لعب الظواهري دوراً بارزاً في تشجيع الجهاديين على الاشتراك في الهجمات الأخيرة على السفارة الأمريكية في القاهرة. وقال مسؤولون أمريكيون لصحيفة “وول ستريت جورنال” أنه ساعد أيضاً محمد جمال الآنف الذكر على التواصل مع شقيق محمد الظواهري، زعيم تنظيم «القاعدة» [أيمن الظواهري].

ويبدو أن العديد من السجناء المصريين الآخرين المطلق سراحهم عادوا ثانية إلى أدوارهم التنفيذية وإلى نشاطاتهم في وسائل الإعلام، ومن بينهم مرجان سالم الذي يعمل على توجيه الجهاديين نحو معسكرات التدريب في ليبيا. كما أن شخصيات أخرى مثل الشيخ جلال الدين أبو الفتوح والشيخ أحمد عشوش من بين آخرين، قد ساعدوا على إعادة تنظيم الشبكات من جديد وبحرية تامة عن طريق وسيلتي الإعلام “البيان” و “الفاروق”.

وفي تونس، يمكن للمرء أن يرى ازدياد اليقظة واستشراء العنف المنظم في البلاد. فبينما لا يمكن ربط جميع أعمال العنف بـ “أنصار الشريعة في تونس” (AST)، إلا أنها المسؤولة عن العديد من حالات إظهار القوة الكبرى: فقد ساعدت على التحريض على القيام بهجمات احتجاجاً على عرض فيلم “برسبوليس” المثير للجدل الذي لا مبرر له بالإضافة إلى أعمال شغب في مدينة المرسى بتونس، والهجوم على السفارة الأمريكية في تلك البلاد.

أما زعيم “أنصار الشريعة في تونس” سيف الله بن حسين  (المعروف باسم أبو عياض التونسي) فقد سجن لفترة منذ عام 2003 لتورطه في أعمال إرهابية في الخارج، قبل أن يطلق سراحه في العفو العام الذي صدر في آذار/مارس 2011. وأبو عياض – الذي قال في حزيران/يونيو 2003 في مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” العربية اليومية التي تصدر في لندن بأنه “فخور” بأن يسمي نفسه إرهابي – هو معروف بصورة أكثر بأنه ساعد على تسهيل عملية اغتيال زعيم “التحالف الشمالي” في أفغانستان أحمد شاه مسعود قبل يومين من هجمات 11 أيلول/سبتمبر. وفي الواقع ادعى أعضاء بارزون في “أنصار الشريعة في تونس” بأن المنظمة قد ولدت خلال فترات السجن حيث “كانت أوقات صلاة الجماعة بمثابة اجتماع للنقاش وتنقية الأفكار التي سيتم وضعها في حيز التنفيذ فور الإفراج عنهم.”

وفي ليبيا، قرر العديد من السجناء السابقين – منهم بعض قادة “الجماعة المقاتلة الإسلامية الليبية” – التخلي عن الكفاح المسلح والانضمام بدلاً من ذلك إلى العملية السياسية. إلا أن بعض السجناء الآخرين المفرج عنهم عادوا مرة أخرى إلى ممارسة العنف الجهادي. فقد قضى اثنين من كبار قادة تنظيم “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” عدة أعوام في سجن “أبو سليم” المشهور بسوء سمعته إبان حكم القذافي، والإثنان هما محمد الزهاوي والشيخ ناصر الطرشاني – اللذين تورطا في الهجوم على القنصلية الأمريكية في 11 أيلول/سبتمبر. ومنذ انطلاق الثورة الليبية وأبو سفيان بن قومو – الذي كان معتقلاً سابقاً في كل من سجن “خليج غوانتانامو” و”أبو سليم” – يقود “جماعة أنصار الشريعة في درنة” التي تتصف بالغموض. وقد جنَّد أبو سفيان أفراداً لدعم قضيته.

وفي حين لم نرى حملات منظمة من قبل المتمردين، إلا أن الانفتاح الذي تعيشه المجتمعات التي تمر بالمرحلة الانتقالية (والتي من المتوقع أن يكون لها ناتج إيجابي على المدى البعيد) قد أتاحت للجهاديين الفرصة لإعادة تجميع صفوفهم وتجنيد المزيد [من المقاتلين] ونشر رسالتهم.  وفي النهاية، فإن إطلاق سراح السجناء يعد أحد الأسباب التي لم يتم التعرض لها والتي تقف وراء صحوة الجهاديين الأخيرة، كما أننا لم نشهد بعد التأثير النهائي لذلك الأمر. وتجدر الإشارة إلى أن فرع تنظيم «القاعدة» في اليمن – الذي أعيد تشكيله بعد الهروب من السجون في شباط/فبراير 2006 – لم يظهر لنا قوته وقدراته في الخارج إلا بعد مرور ثلاث سنوات، وذلك في عام 2009.

أما الولايات المتحدة، فللأسف لا تملك المزيد من الحلول المباشرة للتعامل مع هذه الظاهرة. فقد تبدو بعض الآليات المعتادة – كتطوير برامج بمساهمات أمريكية تركز على الإصلاح القضائي أو إعادة إدماج السجناء عن طريق “المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب” – على أنها آليات إصلاحية جيدة للوهلة الأولى، إلا أنه لا تزال هناك بعض المشاكل الخاصة. أولها هو أنه طالما لم يرتكب الجهاديون أية جريمة فلن يتم اعتقالهم، كما لا ينبغي أن تدفع الولايات المتحدة الحكومات نحو القبض على أناس لم يرتكبوا (في الظاهر) أية أخطاء حيث ستكون تلك إشارة جلية الوضوح تعيد إلى الأذهان الأنظمة السابقة. ثانياً، الإرادة السياسية قضية لها ثقلها: فالحكومة المصرية الجديدة تتردد حيال الإبقاء على أي فرد من المقاتلين في السجون حتى أولئك الذين تقطر الدماء من أيديهم، كما لا يبدو أن الإصلاحات القضائية سوف تعمل على حل المشكلة المتمثلة في الإرادة السياسية. ثالثاً، لطالما كان لقضية إعادة إدماج السجناء سلبياتها وإيجابياتها فضلاً عن اعتمادها بصورة كبيرة على طريقة تنفيذ الحكومة لها. فالمملكة العربية السعودية ناجحة (نسبياً) في هذا الشأن لأنها تغدق الأموال على السجناء محفزة إياهم على عدم العودة ثانية إلى الجهاد. أما مصر وتونس وليبيا واليمن فربما تفتقر إلى الموارد اللازمة لنسخ هذا النموذج. (بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لبرامج إعادة الإدماج أن تتعامل مع السجناء المفرج عنهم بالفعل والذين لا يمكن إجبارهم على الالتحاق بهذه البرامج بعد منحهم حريتهم.)

وقد يكون الخيار الأمثل الآن أمام الولايات المتحدة هو السعي وراء التأكد من أن لديها شركاء إقليميين أقوياء لمحاربة الإرهاب، وعلى وجه الخصوص شركاء يلتزمون بمستوى أعلى من معايير حقوق الإنسان من تلك التي اتبعتها الدكتاتوريات القديمة. إلا أن محاولة الحصول على مثل هذا التعاون من دول المنطقة لن يكون سهلاً وغير مؤكد. بإمكانك اعتبار هذه النقطة إحدى الجوانب المظلمة في الثورات العربية: يحق لنا أن نشعر بالحماسة بسبب تلك التحولات الديمقراطية التي أحدثتها الاحتجاجات، إلا أن الأطراف السياسية الفاعلة التي أكتسبت القوة من تلك التغييرات لا تتسم جميعها بالاعتدال. فخطر التهديد لا يزال محدقاً بالفعل.

————

*هارون ي. زيلين هو زميل ريتشارد بورو في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. ديفيد غارتنستين- روس هو مؤلف “تراث بن لادن”، وزميل أقدم في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”.

—–

المصدر:معهد واشنطن

-- *ديفيد غارتنستين- روس و هارون ي. زيلين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*