الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » تلاميذ المقدسي في ليبيا وتونس

تلاميذ المقدسي في ليبيا وتونس

منذ وقوع الهجمات على القنصلية الأمريكية في بنغازي والسفارة الأمريكية في تونس في أيلول/سبتمبر تم تسليط الأضواء بصورة كبيرة على الجماعتين الإسلاميتين اللتين يُنظر إليهما على أنهما المتهمتان الرئيسيتان وهما “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و “أنصار الشريعة في تونس”. وفي حين أن جُل التركيز – الذي يمكن فهمه – قد انصب على أعمال العنف التي قام بها أفراد في هذه المنظمات، إلا أن الكثير من نطاق أنشطتهم يكمن خارج دائرة العنف. 

ويتمثل جزءاً كبيراً من الأنشطة التي تقوم بها هاتان المجموعتان في توفير الخدمات الاجتماعية المحلية عن طريق مكاتب “الدعوة” الخاصة بكل منهما. ولهذه الصورة الأوسع أهمية كبيرة للتوصل إلى فهم أفضل للاتجاهات الناشئة في المجتمعات التي تتحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديمقراطي.

يمكن على نطاق واسع اعتبار “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و”أنصار الشريعة في تونس” منظمتان جهاديتان على أساس نظرتهما الأيديولوجية. لكن هاذان التنظيمان الجهاديان يختلفان عقائدياً عما كانا عليهما في الماضي. فلدى الجهاديين سجل حافل في القتال وسجل أقل من ذلك في إدارة الخدمات الاجتماعية أو توفيرها. 

وقد حدث المثال الوحيد للحوكمة الجهادية عندما سيطر تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» الذي مقره في اليمن و “حركة الشباب المجاهدين” التي مقرها في الصومال على أراضي وأداروها عملياً. لكن ما يميز “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و”أنصار الشريعة في تونس” هو أنهما توفران المساعدات للمجتمعات المحلية بصفتهما منظمتين فاعلتين من غير الدول، وهو ما لم يُسمع به من قبل.

وفي حين ينظر العديد من المحللين إلى الجهادية فقط من خلال منظور تنظيم «القاعدة»، إلا أن نظرتهم تفتقد إلى تأثير علماء الدين الجهاديين المستقلين. ومنذ تجاوزات أبو مصعب الزرقاوي و تنظيم «القاعدة في العراق» خلال العقد الماضي، حاول “منبر التوحيد والجهاد” – وهي مكتبة من المواد الجهادية الرئيسية أسسها الشيخ أبو محمد المقدسي، المسجون حالياً في الأردن – توجيه المجتمع الجهادي إلى الجهاد الأكثر “نقاءً”. 

وللقيام بذلك أنشأ المقدسي في عام 2009 لجنة شريعة مكونة من علماء دين أصحاب تفكير متشابه تابعة لـ “منبر التوحيد والجهاد” حيث يوفر أعضاؤها فتاوى تجيب على أسئلة ترتبط بمجموعة من المواضيع الدنيوية مروراً بالسياسية وحتى الجهاد. وقد وثّق ذلك بصورة جيدة الباحث الهولندي جوآز ويجميكرز.

ومن بين الانتقادات الرئيسية التي يقدمها المقدسي على أمل تصحيح المسار داخل الحركة الجهادية هو تفريقه بين فكرة “قتال النكاية” (القتال لايذاء العدو أو إلحاق الضرر به) و “قتال التمكين”(القتال لتوطيد سلطة شخص معيّن) الذي يشرحه في كتابه “وقفات مع ثمرة الجهاد” الذي صدر عام 2004. ويقول المقدسي إن “قتال النكاية” يوفر فقط انتصارات تكتيكية قصيرة الأجل لا تضيف الكثير على المدى الطويل بينما يوفر “قتال التمكين” إطاراً لتعزيز الدولة الإسلامية. 

وبهذه الطريقة، يبرز المقدسي أهمية أنشطة التخطيط والتنظيم والتعليم فضلاً عن “الدعوة”. وكما أشار ويجميكرز، فقد كان هدف إنشاء لجنة الشريعة التابعة لـ “منبر التوحيد والجهاد” هو عرض وجهات النظر هذه من أجل “حماية” الجهاد والدفع بصورة أفضل بوتيرة السعي وراء إقامة دولة إسلامية حقيقية قائمة على قدسية “توحيد” الله.

ويُرجح أن يكون تشكيل جماعتي “أنصار الشريعة” في بنغازي وتونس نهاية منطقية وتنفيذاً لأفكار المقدسي، مع تغيير التركيز وتوجيهه نحو أفعال الجماعتين. وقد كانت برامج الخدمات الاجتماعية من بين الوسائل الرئيسية لتعزيز أفكار “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و “أنصار الشريعة في تونس”. ويوفر ذلك منفذاً لتعزيز أواصر الدولة الإسلامية المستقبلية التي تكسب الأنصار – على نطاق أوسع – من المنظمات ذات التوجهات الأكثر طليعية التي اشتركت في أعمال جهادية على نطاقات محلية وإقليمية وعالمية على مدى السنوات الثلاثين الماضية.

ونظراً لأن الجماعتين قد تأسستا عقب الانتفاضة في كلا البلدين، فقد نشرتا مئات الصور وعشرات مقاطع الفيديو المتعلقة بخدماتهما الاجتماعية المختلفة وبفعالياتهما الخيرية، وذلك من على صفحاتهما الرسمية على موقع الفيسبوك. 

ومنذ هجمات أيلول/سبتمبر تم عدة مرات شطب صفحاتهما على الفيسبوك. ونتيجة لذلك، فإنهما لا يقومان بإعادة رفع المحتوى القديم عند إنشائهما صفحة جديدة، لكني احتفظتُ بجميع ذلك المحتوى في أرشيفي.

وفي ليبيا أقامت “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي”، التي أُنشئت رسمياً في شباط/فبراير 2012، فعاليات علنية تضمنت على الأقل – وفقاً لصفحتها الخاصة على الفيسبوك – خمس دعوات في بنغازي وضواحيها. 

وكان أول نشاط لها في حزيران/يونيو 2012 عندما قام أعضاء من “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” بزيارة المرضى في إحدى مستشفيات بنغازي. وبعد بضعة أشهر تم استدعاء هذه “الكتيبة” لكي توفر الأمن في ذلك المستشفى حيث كان ناشطوها أول من عملوا على استتباب الأمن هناك.

وفي مناسبتين، في تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر، ساعد أعضاء من “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” على تنظيف وإصلاح الطرق وجمع القمامة في بعض المناطق في بنغازي. 

وبالإضافة إلى ذلك، وفي إطار الاستعداد لعطلة عيد الأضحى للمسلمين، قام أعضاء من “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” بجمع المال من السكان المحليين لشراء الخرفان لذبحها للمحتاجين لكي يستطيع الجميع أداء الشعائر الدينية. 

وبالنسبة لأولئك خارج بنغازي، في القرى الأصغر بما في ذلك دريانة والتلمسة وبارساس والمرج، قام أعضاء “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” بتوفير خدمات توصيل الخرفان إلى البيوت. ومؤخراً، أعلنت “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” أنها سوف تفتح قريباً عيادة طبية للنساء والأطفال ستقوم أيضاً بمعالجة الأسنان وستخضع حصراً لإدارة طبيبات.

أما بالنسبة لتونس فقد كانت “أنصار الشريعة في تونس” أكثر فعالية ونشاطاً، كما أن أنشطتها موزعة جغرافياً في جميع أنحاء البلاد. وإجمالاً، نشرت “أنصار الشريعة في تونس” معلومات حول 20 فعالية. بل وكانت الأولى منها قبل إنشاء المنظمة رسمياً في نيسان/أبريل 2011 – على الرغم من أن فكرة “أنصار الشريعة في تونس” قد نشأت أثناء سجن العديد من أعضائها في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

 وفي آذار/مارس 2011، قدم أفرادها مساعدات وأقاموا أيضاً خيام ومأوى للاجئين الليبيين على الحدود الليبية التونسية بعد اندلاع الثورة ضد معمر القذافي.

وكان من بين جهود الخدمات الاجتماعية الأكبر لـ “أنصار الشريعة في تونس” توصيل المعونات الغذائية وتوفير الخدمات الطبية إلى المدن أو القرى الصغيرة في المناطق الريفية. 

وقد قامت “أنصار الشريعة في تونس” بتلك الأعمال الخيرية في هيدرا وجندوبا وسجنان والمكناسي والقيروان والكيف وسيدي بوزيد وتونس. كما أنشأت خياماً لتوفير المياه في الأسواق المحلية أثناء أيام الحر الشديد. بل إن “أنصار الشريعة في تونس” ساعدت في إحدى فعاليات كرة القدم للفتيان في مطر.

وعلى غرار “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي”، قام أعضاء “أنصار الشريعة في تونس” أيضاً بتقديم المساعدات إلى المحتاجين خلال عطل الأعياد. فخلال عيد الفطر، قامت “أنصار الشريعة في تونس” بتوفير المواد الغذائية فضلاً عن توزيعها هدايا للأطفال وهو تقليد متبع في نهاية شهر رمضان.

وفي حين ينبغي ألا يخفي ذلك جوانب العنف في كلا الحركتين، إلا أنه يظهر التحديات المحتملة التي قد تواجهها الولايات المتحدة أو بلدان أخرى أو الحكومات المحلية في محاولتها احتواء نمو هاتين الحركتين. 

فمن خلال توفير الأعمال الخيرية والرعاية والمساعدات، تتصرف “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و “أنصار الشريعة في تونس” في عملياتهما على غرار ما تقوم به جماعة «الإخوان المسلمين» و حركة «حماس» و «حزب الله» (على الرغم من أنه يجب عدم خلط الأمور بالاعتقاد أنهما حليفتان لهذه المنظمات أو أن هناك روابط أيديولوجية بينهم). 

إن توفير الخدمات الاجتماعية قد وفر النفوذ لهاتان المجموعتان لكسب شعبية ودعم أوسع في المجتمع المحلي لكل منهما.

لقد كانت الروابط مع المجتمع المحلي واضحة في أعقاب طرد “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” من قاعدتها في بنغازي بعد 10 أيام من الهجوم على القنصلية. فقد التمس الأطباء والممرضات في المستشفى الذي كانت تحرسه “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” من أجل عودة رجال “الكتيبة” لتوفير الأمن الضروري في المستشفى. 

وهذا الفراغ الخدمي الذي بدأت تملؤه “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و “أنصار الشريعة في تونس” في مناطق لا تكاد تصل إليها خدمات الحكومة ستكون له تبعات كبيرة على مستقبل هذين البلدين اللذين يمران بمرحلة انتقالية. 

إن “كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي” و “أنصار الشريعة في تونس” غير مقتنعتين بالعملية الديمقراطية ورغم ذلك تحاول كل منهما توطيد أواصر دولتها الإسلامية المستقبلية عن طريق القيام بأعمال خيرية صغيرة الواحد تلو الآخر.

————————–

(معهد واشنطن 14 نوفمبر 2012)

-- هارون ي. زيلين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*