السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » القاعدة في ديار الفيسبوك

القاعدة في ديار الفيسبوك

في العام 2002، كتب زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن رسالة إلى رئيس طالبان الملا عمر يقول فيها: «بات جلياً أنّ الحرب الإعلامية في هذا القرن تفرض نفسها كواحدة من أقوى الحروب. وربما تشكّل 90 في المئة من نسبة الإعداد التام للمعارك». كانت تلك إحدى الرسائل التي عثر عليها في أبوت آباد بعد مقتل بن لادن، لتصير بمثابة وثيقة، تؤكد انخراط الحركة الجهادية في عالم التواصل الاجتماعي.

خلال أكثر من عقد على دخول «القاعدة» ساحة «الجهاد الالكتروني»، بقيت الدراسات حول علاقة الجماعات المتطرفة بالشبكة العنكبوتية شبه غائبة.. لكنّ ما شهده العالم العربي في العامين الماضيين فرض مقاربة أخرى للوقائع.

حجز تنظيم «القاعدة»، بمختلف فروعه واشتقاقاته وأشباهه، مكاناً له في العالم الافتراضي. اعتماده على الشبكة العنكبوتية ليس جديداً، بل يعود إلى سنوات طويلة مضت. لكنّ الجديد هو الهجرة «القاعدية» من المنتديات الإلكترونية وغرف الدردشة التي اعتمد التنظيم عليها في عمليات الاستقطاب والتجنيد، نحو «فايسبوك» و«تويتر» وغيرهما من وسائل التواصل. فهل تعني تلك الصرعة، انحسار عهد المنتديات كمنصات حصريّة لنشر الرسالة وتجنيد المناصرين؟ كيف سيكون تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العقيدة الجهادية؟ هل ستجد لها ساحة أوسع للانتشار واستقطاب أكبر عدد من الجنود المحتملين أم أنها ستتشرذم في عالم افتراضي غير مضبوط يفتقد لصدقية و«نخبوية» المنتديات؟ وماذا عن الجهات التي تكافح الجهاديين، فهل سيسهّل انتشار «القاعدة» على الشبكة عمليّات التعقّب عليها أم أنّه سيزيدها تعقيداً؟

لم تتضح معالم علاقة الجهاديين بالشبكة العنكبوتية حتى الآن. وفي وقت يشهد العالم تشكُّل جيل جديد من الجهاديين، بعقليّة وأداء مختلفين، ربما سيكون على كّل تلك الأسئلة أن تنتظر إجابة، بعد رصد نشاط الجماعات المتطرفة الالكتروني.

حاول المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية آرون زيلين أن يقوم بتلك المهمّة، في دراسة مطوّلة صدرت عن «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، تتبّع فيها مسار الحركات الجهادية، في ما أسماه «دولة الجهاد الإلكتروني». لكن يصعب فهم نتائج تلك الدراسة، من دون عودة تاريخية إلى جذور الحرب الإعلامية التي انتهجتها «القاعدة» وأخواتها.

من «الخطبة» إلى «فايسبوك»

مرّ مسار الجهاد الإعلامي في أربع مراحل، بدأ أوّلها في العام 1984، حين كانت السياسة الإعلاميّة تقوم على «الخطبة» والنشرات المطبوعة، فضلاً عن التسجيلات المصوّرة للخطب أو العمليات. ومن تلك التسجيلات جولة عبد الله عزام على المساجد في أوروبا والولايات المتحدة، ومجموعة تسجيلات أخرى انتشرت بين أفغانستان والبوسنة والشيشان، إلى جانب مجلة «الجهاد».

بدأت المرحلة في منتصف التسعينيات، مع فورة المواقع الإلكترونية. وكانت إدارة الخطّة الإعلاميّة في ذلك الحين مركزية بالكامل، ومرتبطة بالمنظمات الجهادية التي تسيطر بشكل تام على ما ينبغي نشره. وفي المرحلة الثالثة التي بدأت منتصف الألفية الثانية، ظهرت المنتديات التفاعلية، ومنها «الإخلاص» و«الفلوجة» و«أنصار» و«الشموخ». وتولّى مسؤولو المواقع تسهيل نشر المعلومات الخاصة بالمنظمات الجهادية، من دون أن يكونوا مرتبطين بها بشكل مباشر.

بدأت المرحلة الرابعة أواخر الألفية الثانية، مع وصول الجهاديين إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتحكّم المستخدم بمحتوى صفحته بشكل منفرد، ويمكن له تحميل الموضوعات الجديدة على «فايسبوك» و«تويتر»، أو التسجيلات المصوّرة على «يوتيوب»، أو كتابة رأي على مدوّنته الخاصة.

المنتديات في مواجهة الميديا البديلة

أدى تصاعد المنتديات التفاعليّة في منتصف الألفية الــثانية، بالتزامن مع صعود نجم أبو مصعب الزرقاوي كأبرز جهاديي العصر، إلى تراجع الطبيعة النخبوية للتواصل الجهادي. في فترة سابقة، كان المسؤولون عن المنتديات غير التفاعلية، يمتلكون نفوذاً حصرياً على المواد المحمّلة.

وفي مرحلة الانتقال إلى منصات التواصل الاجتماعي، انخرط المستخدمون من الدرجة الثانية (أو غير الجهاديين) في المحادثات الافتراضية حول قضايا الجهاد، الأمر لم يكن مألوفاً من قبل. بقيت المنتديات مراكز رئيسية تجمع مناصري «القاعدة» الحصريين الذين يحظون بالثقة، في حين شكلت منصات التواصل الاجتماعي مساحةً يبيع فيها الجهاديون أفكارهم لأيّ كان. وبفضل ما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي من انتشار على نطاق واسع، عاشت التنظيمات الجهادية، عبر الوكلاء (المستخدمين) الشخصيين العصر الذهبي لحركة الدعوة الإلكترونية.

خلاصات وتساؤلات

في خلاصة الدراسة، توصّل زيلين إلى أنّ المنتديات لن تختفي، بل ستبقى الغرف الأكثر «أمناً» للعــمليات الخاصة. من هنا، دعا زيلين المــسؤولين عن مكافحة الجهاديين إلى استخدام المنتديات للاستخبارات فقط، وتجنب شن الهجمات عليها. برأيه، فإنّ الحفاظ على نشاط الجهاديين في المنتديات مرتفعاً، يجعل المحققين على بينة من هوية الأعضاء المشاركين ومخططاتهم.

ومع تزايد الانضمام الفردي إلى منصات التواصل الاجتماعي، تطرح إشكاليّة ما إذا كان هذا الانتشار سيساعد الجهاديين على نشر رسالتهم، أم أنه سيجعلها أكثر اعتدالاً، من خلال تشجيع فكرة المناصرة من المنزل عوضاً عن القتال، خصوصاً بالنسبة للمناصرين في الغرب.

في الخلاصة، يبقى العالم الافتراضي مساحة مفتوحة للجميع، استغلتها المنظمات الجهادية بذكاء. وبعيداً عن التهويل الغربي، الذي يصنّف جميع الإسلاميين في خانة الخطر، ينبغي إيلاء تلك المسألة مزيداً من الاهتمام، لرصد نمط توسّع الجهاديين الافتراضي، وكيفيّة انعكاسه على أدائهم على الأرض.

———-

المصدر:السفير

-- هيفاء زعيتر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*