السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » تنظيم القاعدة .. تحالفات مشبوهة تعادي المملكة

تنظيم القاعدة .. تحالفات مشبوهة تعادي المملكة

مع كل مناسبة يعود فيها الحديث عن تنظيم القاعدة واستراتيجياته في العمل تتكشف المزيد من الدلائل التي تشير إلى تحالفاتها المشبوهة واختراقها من قبل بعض الدول التي تسعى إلى توظيف هذا التنظيم الإرهابي لخدمة أهدافها السياسية التي لا تخفى على كل ذي لب، وقد جاءت اعترافات محمد بن عتيق العوفي (المعتقل السابق في غوانتنامو والعائد حديثا من اليمن) التي بثها التلفزيون السعودي مساء الجمعة 30/3/1430هـ لتؤكد أن هذا التنظيم أصبح أداة من أدوات الصراع السياسي في المنطقة. ونظرا إلى أهمية ما جاء في تلك الاعترافات مما يستحق النظر والتحليل نورد فيما يلي بعض الوقفات الموجزة حول ما تضمنته من معلومات وإشارات:

الوقفة الأولى: ضحالة العلم الشرعي وتدني المستوى الفكري لدى معظم أفراد هذا التنظيم، الذين لا يوجد لديهم الحد الأدنى من الحصافة أو العلم الشرعي الذي يميزون به بين الحق والباطل؛ وهو ما جعلهم أدوات في أيدي الغير، وأصبحوا سهلي الانقياد لدعاة التكفير والتفجير وعملاء المخابرات، وهكذا ظهر العوفي في اعترافاته متسما بقلة العلم الشرعي وسطحية التفكير، وسهولة الاستجابة لما يملى عليه، وإذا كانت هذه مواصفات وقدرات من قدموه على أنه قائد ميداني للتنظيم فما بالك بالأتباع؟! وبتحليل اعترافاته يتضح هذا الجانب بصورة لا تخطئها العين، ومما يؤكد ذلك وصفه لبعض رفاقه في معتقل غوانتنامو بأنهم مؤصلون علميا في التكفير! وبالتالي قبوله بعض ما يقولون على علاته، وتأثره بهم ليصبح تكفيريا من معايشته لهم، وتبنيه بعض آرائهم ومعتقداتهم دون دليل أو مستند شرعي، ومن ذلك اقتناعه بقولهم بكفر الدولة السعودية، واقتناعه بوجوب العمل ضدها من خلال الحجج الواهية التي قدمت لهم، وكذلك وصفه لبعض رفاقه بأنه يكفر نفسه ثم يعود للنطق بالشاهدة في نفس الليلة كمن يدخل الإسلام من جديد، وقوله إنه لا يوجد ضابط شرعي لما يقومون به، ولا يوجد من يقودهم بناء على الكتاب والسنة، وهذا أكبر دليل على اضطرابهم الفكري.

الوقفة الثانية: استهداف المملكة العربية السعودية بصورة رئيسية؛ فمن خلال ما ورد في اعترافات العوفي، وربطها بغيرها من الأحداث وبيانات وزارة الداخلية المتعاقبة، وتسمية دول بعينها وأحزاب وجماعات؛ يتأكد لنا أن المملكة مستهدفة دون غيرها من دول المنطقة وذلك يتضح من أمور عدة؛ الأول: تأكيده أن غلاة التكفير يركزون على تكفير

 الدولة السعودية وبالتالي ضرورة العمل ضدها، إذ يقول: “طلبة العلم يحللون ويستنتجون تكفير الدولة أكثر وأكثر وتشويه السمعة، ويركزون على الإخوة السعوديين، يقولون أنتم عملكم الآن واجب وفرض عين”. والثاني: تنصيبه قائدا ميدانيا للتنظيم في شبه جزيرة العرب بحكم أنه ينتمي للسعودية تحديدا رغم ضحالة مستواه العلمي والفكري والعسكري، وقد ورد في حديثه: “يقولون أنتم القيادة العسكرية لازم تخرجون حتى يتبين للمسلمين أن هناك قيادتين عسكريتين، واحدة من اليمن وواحدة من بلاد الحرمين… حتى يأتي الدعم من كل مكان” وفي هذا محاولة لتجنيد أكبر عدد من السعوديين للتنظيم الذي يقوده سعودي، وبالتالي دعمه ماليا ولوجستيا. والثالث: دعوتهم الشباب السعودي لتحرير جزيرة العرب من الكفار باعتبارها الأساس وهي الدولة الإسلامية التي يجب البدء بها قبل الفروع! والرابع: الإشارة إلى مدى الإمعان في التركيز على المملكة العربية السعودية مما أدى إلى تساؤله عن الدول الأخرى بقوله “ما تجيب سيرة الحاكم فلان ولا فلان ولا فلان؛ ما عندكم شغلة إلا فلان…”. والخامس: الحديث صراحة عن استهداف المصالح السعودية، وضرب المنشآت النفطية، ومهاجمة الأجهزة الأمنية، والقيام بالاغتيالات والاختطافات وغيرها، وهنا يلاحظ التغيير الواضح في الأهداف التي كانت في البدايات تركز على مصالح الدول الأجنبية ورعاياها، ثم انتقلت إلى ضرب المؤسسات والمصالح الوطنية، واستهداف المواطنين والمقيمين على حد سواء. والسادس: إن مما يدل على توجيه العمل ضد المملكة دون غيرها اختيار هذا التنظيم لليمن ليكون منطلقا لأعماله ضدها لأسباب سيتم الحديث عنها فيما بعد، وذلك كله يؤكد أن أسباب الإرهاب ودوافعه وأهدافه في المقام الأول سياسية, وليست نصرة الدين كما يزعمون.

الوقفة الثالثة: التحالفات المشبوهة لتنظيم القاعدة وعلاقاتها بتجارة المخدرات وغسل الأموال والجريمة المنظمة لتمويل أعمالها، واختراقها من قبل بعض الدول الإقليمية التي توظفها لتحقيق أهدافها السياسية، حيث ورد في اعترافات العوفي بمنتهى الصراحة ودون مواربة أن هناك أجهزة استخبارات إقليمية تقود هذا العمل وتموله، بل إن لديها استعدادا لتقديم الملايين للعمل ضد السعودية، حيث يقول: “هناك دول تقود هذا الأمر، دول استخبارية تقود هؤلاء الأفراد باسم المجاهدين” وسمى دولتين مؤكدا أن المال يأتي عن طريق استخباراتهما، وأنهما تكثفان العمل ضد السعودية انطلاقا من اليمن، بالإضافة إلى ذكره للحوثيين الذين تواصلوا معه مبدين رغبتهم في دعمه بالملايين، والأمر لا يحتاج إلى كثير عناء للتعرف على من قام باختراق هذا التنظيم وتوظيفه لخدمة أجندته الخاصة، وتحقيق طموحاته في السيطرة ومد نفوذه وتصدير ثورته ومعتقداته ونشرها في المنطقة العربية بالكامل، لا سيما إذا عرفنا أن معظم قيادات تنظيم القاعدة يحظون بالرعاية والإقامة في تلك الدولة. وبالنظر إلى بعض ما ورد في البيانات السابقة لوزارة الداخلية حول المضبوطات لدى أفراد الفئة الضالة من الأموال الطائلة، والأسلحة المتنوعة والمتطورة، ووسائل الاتصالات الحديثة، والمتفجرات ومواد صنعها التي تقدر بالأطنان، وتسهيل تنقلات أعضاء التنظيم من دولة إلى أخرى، ومنحهم الملاذات الآمنة، وغيرها؛ يؤكد أن ذلك كله لم يكن محصلة لجهود فردية، أو نتيجة لتبرعات متفرقة من هنا أو هناك، وإنما يقف خلفه دول وأجهزة استخبارات بكل ما تملكه من أموال ونفوذ واتصالات.

الوقفة الرابعة: أن النجاحات المتوالية لأجهزة الأمن السعودية أدت إلى تغيير استراتيجية عمل القاعدة، حيث تؤكد اعترافات العوفي أن تنظيم القاعدة أدخل تعديلات جوهرية على أسلوب عمله في المملكة، وذلك يتضح من أمور عدة؛ الأول: أن التنظيم بدأ بإعادة ترتيب صفوفه وبناء خلاياه، وتنصيب أمير ونائب، ومسؤول عسكري وآخر إعلامي، وتعيين مجلس شورى وغير ذلك من الترتيبات التي أشار إليها، ولكن أين؟! لقد تم اختيار اليمن ليكون مرتكزا ومنطلقا للعمل ضد المملكة، ولم يكن اختيار اليمن بصورة عفوية أو بمحض الصدفة، بل تم اختياره بعناية لأسباب متعددة منها جواره للمملكة، واتساع حدوده معها، وصعوبة السيطرة على عمليات التهريب والتنقل بين الدولتين، بالإضافة إلى طبيعته الجغرافية والديموغرافية، وغير ذلك. والأمر الثاني: تغيير التكتيكات المتبعة في العمل الميداني، حيث يؤكد العوفي أن ضرب المصالح السعودية سيتم من قبل سرايا تنطلق من اليمن لتنفيذ عملياتها بعد أن يتم الرصد والتصوير وعرضه على القيادات المزعومة في اليمن لوضع الخطط التنفيذية، وأن هذه السرايا ستتبع أسلوب (اضرب واهرب) بمعنى تنفيذ عملياتها ومن ثم العودة إلى اليمن لتدخل مع السلطات السعودية في حرب استنزاف، بحيث تبذل السلطات الأمنية فيها جهودا كبيرة دون أن تعثر على المنفذين، وفي هذا إظهار للسلطات السعودية بأنها عاجزة عن تحقيق السيطرة الأمنية أو اعتقال الخلايا الإرهابية بما لذلك من تأثير في سمعة المملكة ومكانتها. والأمر الثالث: أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على الانتشار في جميع أنحاء المملكة وعدم التركيز على مدينة الرياض، مع وضع مجموعة (من ثلاثين إلى أربعين عنصرا) في جبال الجنوب للاستفادة منهم في تنفيذ بعض المهام، بالإضافة إلى الاستعداد لحرب العصابات. والأمر الرابع: إشارته إلى أن التكتيكات الجديدة للتنظيم تتلافى ما يرونه أخطاء للقادة المزعومين السابقين (عبد العزيز المقرن وصالح العوفي) المتمثلة في تجميع العناصر في الرياض؛ وهو ما سهل القضاء عليها من قبل قوات الأمن السعودية. ومن ذلك كله يتضح مدى الإصرار على إلحاق الأذى بالمملكة وضرب مصالحها واقتصادها وأمنها واستقرارها، كما تتضح البصمات التخطيطية والتكتيكية لأجهزة الاستخبارات التي تستثمر هذا التنظيم لتحقيق أهدافها للنيل من المملكة لحساب قوى إقليمية مختلفة.

الوقفة الخامسة: الأساليب القذرة لإعلام القاعدة، حيث يتضح من اعترافات العوفي وما قاله حول التحضير للشريط الذي نشر عبر الإنترنت مدى تركيز هذا التنظيم على الإعلام واستغلاله لنشر الفكر الضال وإرساله الرسائل المختلفة في كل الاتجاهات، وتعويله كثيرا على الأسلوب الدعائي لإثبات وجوده على الساحة واستقطاب المزيد من الأتباع والمتعاطفين، وبكل أسف أن مختلف أجهزة الإعلام تقدم خدمات مجانية للتنظيمات الإرهابية ببثها تلك الأشرطة والتسجيلات وتكرار بثها في صدر نشرات الأخبار واستضافة المحللين ومدعي الخبرات للحديث حولها وإضفاء هالة إعلامية لا تستحقها أبدا، وهذا ما تريده تلك التنظيمات، وقد حققت في ذلك نجاحات كبيرة لدى بعض القنوات التي تسعى إلى تحقيق سبق صحفي مزعوم على حساب الحقيقة والمصداقية والأمن والاستقرار في المنطقة.

وبالعودة للحديث عن الأسلوب الإعلامي لتنظيم القاعدة ومن في حكمه يلاحظ أنه يتسم بكثير من التدليس والكذب والخداع والتضليل، ويقوم بتوظيف التقنيات الفنية لتزوير المشاهد والصور، وإدخال المؤثرات الصوتية وغيرها للتأثير في الشباب بصورة خاصة. ولعل ما ورد في اعترافات العوفي يؤكد ذلك؛ فما جاء على لسانه في الشريط الدعائي الذي تم بثه عبر الإنترنت لم يكن أسلوبه ولا حديثه ولا أفكاره، ولم تكن للثلاثة الآخرين الذين ظهروا معه، بل كتبت لهم البيانات وأجبروا على تلاوتها دون تغيير كلمة واحدة. ويلاحظ هنا تركيزهم على تنوع الأشخاص وانتماءاتهم الأصلية، ومراعاة الشكل الذي يظهرون به من حيث الملابس وحمل السلاح لإعطاء مدلولات ورسائل معينة. وقد قاموا بتقديم العوفي ورفاقه في الشريط الدعائي للتنظيم على أنهم قادة وزعماء يتحدثون بلغة وألفاظ معينة فيها الكثير من الحماس والشحن العاطفي المزيف جملة وتفصيلا، وقد تكشفت أبعاد ذلك التزييف والتزوير من خلال ظهور المعالم الحقيقية لشخصية العوفي في حديثه للتلفزيون السعودي الذي بدا فيه إنسانا بسيطا جدا يتحدث بلغة عامية غير مترابطة أحيانا، وبألفاظ مختلفة تماما عما حاولوا إظهاره من خلال إعلامهم الكاذب ومن يتبناه ويسهِم في نشره وتعزيزه.

 

-- د. عبد الحفيظ بن عبد الله المالكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*