الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » القاعدة وأخواتها

القاعدة وأخواتها

كثيرة هي الدراسات والكتب التي نشرت عن الحركات الإسلامية، لاسيما التي اتخذت العنف وسيلة لتحقيق أهدافها. فمنها ما تناولتها من منظور سياسي أو اجتماعي، ومنها ما قدمت مقاربات فقهية دينية وأخرى فلسفية أو تاريخية.
وكانت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 المفجِّر لسيل دافق من الكتابات عن “القاعدة” وأخواتها وما تناسل عنها من تنظيمات جهادية؛ غير أن معظم هذه الكتابات كُتب على عجالةٍ من غير ما قاعدة معرفية وتبصر بالخلفية التاريخية لهذه الحركات وتطوراتها.
-الكتاب: القاعدة وأخواتها
-المؤلف: كميل الطويل
-عدد الصفحات: 412
-الناشر: دار الساقي، بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2007
أما الكتاب الذي بين أيدينا فهو لكاتب وصحفي متخصص في تاريخ الحركات الإسلامية، قدم في 1998 كتابا عن “الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر، من الإنقاذ إلى الجماعة”؛ أما كتابه هذا فهو رواية موثَّقة باللقاءات الشخصية وسجلات المحاكمات والتحقيقات والاعترافات الشخصية وغيرها.
وهي رواية غنية بمادة قابلة للتحليل من منظورات ومقاربات مختلفة، لتاريخ القاعدة من خلال صلتها بثلاث حركات إسلامية أساسية ساهمت في تكوين القاعدة في صورتها الحالية؛ وهي: “جماعة الجهاد” في مصر، و”الجماعة الإسلامية المسلحة” في الجزائر، و”الجماعة الإسلامية المقاتلة” في ليبيا.
يُرجع المؤلف اختياره لهذه الحركات خصوصا إلى سببين أساسيين: أولهما أنها جميعا نشأت فعلياً وأعيد تشكيلها في بيئة الأفغان العرب في وقت متزامن: نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، في نفس الوقت الذي نشأ فيه تنظيم القاعدة على يد أسامة بن لادن في 1988.
والسبب الثاني أنها الجماعات الجهادية الوحيدة في العالم العربي التي خاضت حربا حقيقية في تسعينيات القرن الماضي لإسقاط نظم الحكم في بلدانها لاعتبارات دينية، أي لاعتبارها النظام “مرتدا”.
في البدء كانت أفغانستان
بدأ الجهاد في أفغانستان بعد الغزو الروسي في ديسمبر/كانون الأول 1979 بطيئا ضعيفا، حتى شرع الأميركيون وبعض الدول الخليجية في السنوات الأولى من الثمانينيات في دعمه ماديا بالمال والسلاح وبالمتطوعين العرب؛ خشيةً المد الشيوعي على منابع النفط.
ففي نهاية 1984 أسس الشيخ عبد الله عزام الأب الروحي للأفغان العرب وأسامة بن لادن وآخرون “مكتب خدمات المجاهدين” للإشراف على تنظيم التحاق العرب الراغبين في الجهاد بالفصائل الأفغانية.
وفي نهاية 1986 أسس ابن لادن “بيت الأنصار” وهو مركز ضيافة في بيشاور مواز لمكتب الخدمات، أسسه بعد أن بدأ يتأثر بفكر الجماعات الجهادية ويبتعد عن الإخوان المسلمين ممثلين بالشيخ عبد الله عزام.
وبعدما لاحظ تزايد حركة المجاهدين قدوما وذهابا والتحاقا بالجبهات، وكثرة الإصابات والشهداء قرر أن ينشئ سجلا خاصا يضم تفاصيل كاملة عن كل من وصل إلى أفغانستان بترتيب منه، وتدريباتهم والتحاقهم بالجبهات وغيرها، وأطلق عليه في 1988 سجل “القاعدة”.
ويورد المؤلف روايات متعددة لناشطين في القاعدة عن طبيعة نشأتها وأهدافها: فالبعض رأى أن القاعدة نشأت لأهداف جهادية في أفغانستان وخارجها، لاسيما قتال الحكومة الشيوعية في اليمن الجنوبي.
بينما يرى آخرون أنها نشأت بهدف قلب الأنظمة العربية وإقامة “خلافة”؛ وأن أميرها الأول كان أبو أيوب العراقي وليس بن لادن.
في ساحة الجهاد الأفغاني التقت أطياف واسعة من الجهاديين والإخوان والسلفية وغيرهم، فحصلت بينهم حرب استقطاب حددت نتيجتُها مفهومَ “الجهاد” الذي سيعتمده الأفغان العرب في مرحلة ما بعد أفغانستان
على أي حال، فإن وقود هذا التنظيم الجديد والعناصر المؤسسة له لم تكن من أولئك المجاهدين الأوائل الذين أتوا أفغانستان من غير أن تكون لهم خلفيات تنظيمية سابقة؛ وإنما كان من أعضاء التنظيمات الجهادية التي قُمعت في مصر وسوريا والجزائر وليبيا وغيرها، هؤلاء الذين شعروا بعد ظهور ملامح انهيار الشيوعيين في أفغانستان بأن لهم فرصة سانحة في أفغانستان لإعداد مقاتلين وتدريبهم وإعادتهم إلى بلدانهم تمهيداً لبدء مشروع جهادي جديد.
كثير من هؤلاء انتقلوا إلى أفغانستان بدعم من حكومات بلدانهم التي غضت الطرف عن مغادرتهم، أملا في أن تكون بغير رجعة.
ولكن ما كاد “الجهاديون العرب” يصلون إلى أفغانستان حتى وجدوا أن الجهاد الذي جاؤوا لأجله قد شارف على الانتهاء، وأرغموا بعد انسحاب الروس في شباط 1989 على التفكير في ما “بعد أفغانستان”.
في ساحة الجهاد الأفغاني التقت أطياف واسعة من الجهاديين والإخوان والسلفية وغيرهم، فحصلت بينهم حرب استقطاب حددت نتيجتُها مفهومَ “الجهاد” الذي سيعتمده الأفغان العرب في مرحلة ما بعد أفغانستان.
وكان النصر في هذه الحرب حليف “جماعة الجهاد” المصرية التي قامت على أفكار عبد السلام فرج، ثم سيد إمام شريف وأيمن الظواهري وعمر عبد الحكيم (أبو مصعب السوري)، وخلاصتها تبرير الجهاد ضد الحكومات التي لا تطبق الشريعة ولا تحكم بما أنزل الله، ونزع الشرعية عن التيارات الإسلامية التي لم تتفق وفكر جماعات الجهاد لاسيما حركة الإخوان المسلمين.
ولم يمض عامان على تأسيس القاعدة حتى بدأت الغرسة التي زرعها الجهاديون في مضافات بيشاور ومعسكرات تدريب الأفغان العرب تؤتي أكلها جماعات جهادية تنبت في مصر والجزائر وليبيا وغيرها.
ففي مصر بدأ الجهاديون الذين خرجوا من السجون في منتصف الثمانينيات وأعادوا تشكيل صفوفهم في أفغانستان بالعودة إلى بلادهم، من غير أن يكون لديهم تصور واضح لما ينبغي عليهم القيام به.
فاكتشفت السلطات جزءا كبيرا من العائدين، وخضعوا لما عرف بمحاكمات “طلائع الفتح” في أواخر 1992؛ ولكن مجموعات كثيرة أخرى لم تنكشف بل خاضت مع قوات الأمن معارك واغتيالات وهجمات على السياح طوال النصف الأول من التسعينيات.
وفي الجزائر أسس جهاديو معسكرات القاعدة في 1991جماعة أطلق عليها “الجماعة الإسلامية المسلحة” رفضت الانضواء تحت لواء “لجبهة الإسلامية للإنقاذ” في العملية السياسية وفضَّلت العمل المسلح والاصطدام المباشر والحاد بالسلطة.
وقد توسعت الجماعة المسلحة بسرعة كبيرة بفعل خلو الساحة الإسلامية، وبفعل وجود مناصري جبهة الإنقاذ في السجون وغياب المرجعية لمن نجح من الإنقاذيين في تفادي الاعتقال والالتحاق بالجبال، وأصبحت القوة الأبرز في ساحة العمل المسلح، لاسيما بعد أن انضم إليها تيار محمد السعيد في جبهة الإنقاذ وتيار السعيد مخلوفي في “حركة الدولة الإسلامية”.
أما الليبيون فقد أسسوا “الجماعة الإسلامية المقاتلة” سراً في 1989، وبعد عودتهم إلى بلادهم لم ينخرطوا في مواجهات مع قوات الأمن شأن المصريين والجزائريين؛ بل كانوا مقتنعين بأن الوقت لم يحن بعد، فشكلوا خلاياهم داخل البلاد وعينوا أمراء على المناطق.
ولم يخرجوا إلى العلن إلا في 1995 عندما اكتشف الأمن الليبي عددا من خلاياهم فاضطروا إلى الإعلان عن أنفسهم؛ حتى لا تستغل جماعات معارضة أخرى عملياتهم إعلاميا وتنسبها إلى نفسها.
أما قبل ذلك فقد كان الليبيون من المقاتلة يتوجهون صوب الجزائر لـ”نصرة الجهاد” منذ 1993؛ وكان طبيعيا أن يلتحقوا بإخوانهم من “الأفغان الجزائريين” لاسيما من الجماعة المسلحة.
ولكن لم تمض فترة طويلة على التحاقهم بهم حتى بدأت الشكوك تساورهم حول سلامة منهج الجماعة المسلحة خصوصا بعد تولي جمال زيتوني لإمارتها، وقد انتهى الأمر بأن خسرت “المقاتلة” حياة عدد من خيرة عناصرها اغتالتهم “الجماعة المسلحة”.
محطات الجهاديين: السودان ولندنستان
لعبت السودان وبريطانيا في السنوات الأولى من التسعينيات دورا محوريا للجماعات الإسلامية العربية المعارضة لأنظمة الحكم في بلدانها. فسياسة الأبواب المفتوحة للإسلاميين التي اعتمدها نظام البشير جعلت من الخرطوم خلية نحل تشبه ما كانت عليه بيشاور الباكستانية بالنسبة للأفغان العرب.
لم تتردد تنظيمات “الأفغان العرب” في قبول العرض المغري من السودان باستضافتها، بل استغلت هذه الاستضافة في التحضير لمعاركها المقبلة مع أنظمتها
ولم تتردد تنظيمات “الأفغان العرب” التي شهدت سقوط كابول في أيدي المجاهدين 1992 ثم الصراع المحتدم بين فصائل المجاهدين الأفغان في قبول هذا العرض المغري من السودان باستضافتها، بل استغلت هذه الاستضافة في التحضير لمعاركها المقبلة مع أنظمتها.
فتح البعض مضافات للمناصرين الفارين من بلادهم، وأسست جماعات أخرى شركات حقيقية وأخرى وهمية، كما فتحت جماعات أخرى معسكرات تدريب لعناصرها في مزارع شاسعة اشترتها، كالمعسكرات التي أنشأها أيمن الظواهري استعدادا لتنفيذ انقلاب على نظام الحكم المصري.
ولكن الظواهري فشل في استغلال المحطة السودانية على رغم قربها من مصر، فقد استطاع الأمن المصري اختراقه وأوشك أن يقبض عليه لولا تحذير الاستخبارات السودانية له مما اضطره لمغادرة السودان.
أما محطة لندنستان فقد كانت ساحة تحالفات وانقسامات وصراعات حادة بين الجماعات الإسلامية المسلحة التي نشط أعضاؤها، وقد سعى “جهاديو لندنستان” إلى نشر أفكارهم من خلال نشرات خاصة كانوا يوزعونها في المساجد وقاعات الصلاة التي يرتادونها.
وقد كشفت هذه المرحلة عن تمايز صفوف السلفيين عن الجهاديين، وانتهت في منتصف عام 1996 بسحب الغطاء الخارجي عن قيادة الجماعة المسلحة الجزائرية التي تسببت تصرفاتها ومنهجها بالغ التطرف وعملياتها في فرنسا في ضيق البريطانيين بالجماعات الجهادية، وحينها أوشك الذئب البريطاني على إغلاق فمه.
أفغانستان.. الهجرة الثانية وغزو العالم
كان عام 1997 عام انهيار مشاريع الجهاديين في الجزائر وليبيا ومصر، فلم يسقط الجهاديون “جماهيرية العقيد” ولا “الطغمة في الجزائر” ولا “فرعون مصر”.
وكان على التنظيمات المسلحة في هذه البلدان أن تراجع نفسها، وتعيد النظر في مستقبلها، فاتخذوا في ذلك طرقا مختلفة، إذ أعاد جزائريو الجماعة المسلحة بناء أنفسهم داخل بلادهم، وأسسوا جماعة على أنقاض جماعتهم “الجماعة السلفية للدعوة والقتال”، بينما حاول الليبيون إعادة بناء أنفسهم في بلاد الأفغان حيث نشؤوا أول مرة.
وانقسم المصريون تيارين: جماعة الجهاد التي انتقلت إلى أفغانستان تلملم جراحها مصممة على مواصلة طريق الجهاد، و”الجماعة الإسلامية” التي أعلنت وقفا شاملا لعملياتها بعد “مراجعات” لأفكارها، خلصت فيها إلى أنها أخطأت بحملها السلاح ضد نظام الحكم في مصر.
مع انهيار الجهاد وإغلاق بريطانيا والسودان محطتي الجهاديين على أراضيهما، لم يجد هؤلاء مأوى جديدا يستضيفهم إلا أفغانستان.
وكان أسامة بن لادن أول العائدين إليها بعد حزمه حقائبه في الخرطوم مع رفيقه أيمن الظواهري عام 1996، بينما اضطلع أبو مصعب السوري الرفيق السابق لبن لادن بمهمة الترويج لمشروعية القتال إلى جانب طالبان في حربها ضد بقية الفصائل الأفغانية بين الأفغان العرب.
القاعدة اليوم مركز استقطاب لجميع الجهاديين في العالم، وحققت أميركا بحربها عليها لبن لادن ما لم يستطع تحقيقه على مدى سنوات في أفغانستان: توحيدَ الجهاديين تحت لواء القاعدة
خلال الفترة اللاحقة حصل تحول أساسي في فكر القاعدة، إذ خلص بن لادن والمحيطين به وعلى رأسهم الظواهري بناء على مراجعاتهم لأسباب فشل مشاريع الجهاديين إلى أن هزيمة الأنظمة العربية غير ممكنة ما دامت تحظى بدعم الولايات المتحدة، وبناء عليه انتهوا إلى أن المطلوب هو جرُّ الولايات المتحدة إلى معركة مع الإسلاميين تضطر الحكومات العربية إلى الدفاع عن الأميركيين فتسقط شرعيتها في نظر مواطنيها.
وقد بلور بن لادن مشروعه القاضي بنقل المعركة من “العدو القريب” إلى “العدو البعيد” بتشكيله “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين” في 23 فبراير/شباط 1998، وترجمه على الأرض بعد شهور بتفجيره سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000 بتفجير المدمرة الأميركية كول في ميناء عدن، ثم في “غزوتي” نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر/أيلول 2001.
لقد استطاع بن لادن خلال هذه السنوات الثلاث أن يوطد تحالفاته في أفغانستان، فضم إلى صفوفه جهاديين آخرين كانوا يعملون بشكل مستقل، وعلى رأسهم عبد الرحيم الناشري مهندس تفجير المدمرة كول، وخالد شيخ محمد صاحب فكرة مهاجمة الولايات المتحدة بطائرات مخطوفة، كما أدمج قاعدته بجماعة الجهاد المصرية بقيادة أيمن الظواهري، فصار تنظيمه يعرف باسم “قاعدة الجهاد”.
ومع ذلك أصرَّت جماعات أخرى على التركيز على مشاريعها الجهادية الخاصة ببلدانها، مثل الجماعة المقاتلة الليبية.
أخدود سبتمبر
نفذ زعيم تنظيم القاعدة خطته بضرب أميركا في عقر دارها في سبتمبر/أيلول 2001 ، ولم يستمع إلى رأي المعترضين من داخل تنظيمه، ولا إلى رأي مستضيفه زعيم طالبان الملا محمد عمر الذي كان يفضل عدم استهداف الأميركيين والاكتفاء بمهاجمة اليهود.
لكن تداعيات عمله لم تقتصر عليه وعلى تنظيمه، ولم تفرق بينه وبين الذين عارضوه، فخلال السنوات الخمس التي أعقبت “غزوتي” واشنطن ونيويورك شنت الولايات المتحدة حربا ضروسا على “الإرهاب”، وشكَّلت أخدودا ملتهباً التهم جيلا كاملا من قادة الجهاد وخريجي معسكرات أفغانستان، وأطاح بالإمارة التي فتحت أبوابها لهم.
ولكن الأميركيين حتى اليوم، لم يستطيعوا أن يحققوا نصرا حاسما على طالبان التي أعادت التقاط أنفاسها وباتت تسيطر على مناطق واسعة في جنوب البلاد وجنوبها الشرقي، كما لم يستطيعوا أن يقضوا على القاعدة محور حربهم على الإرهاب، فقد أعادت تنظيم صفوفها على الحدود الباكستانية الأفغانية، لكنها صارت قاعدة مختلفة.
لقد تناثرت شظاياها “قواعد” تنتشر في أنحاء العالم كله، فأصبحت هناك قاعدة في بلاد الرافدين وقاعدة في جزيرة العرب وأخرى في أوروبا وثالثة في المغرب الإسلامي، وربما ستظهر قاعدة في بلاد الشام أو حوض النيل.
وهكذا أصبحت القاعدة اليوم مركز استقطاب لجميع الجهاديين في العالم، وحققت أميركا لبن لادن ما لم يستطع تحقيقه على مدى سنوات في أفغانستان: توحيدَ الجهاديين تحت لواء القاعدة، وهذه صورة لا يعرف أحد عواقبها ولا مستقبلها بعد.

-- سامر رشوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*