الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » لمحات من نشأة وتطور تنظيم القاعدة

لمحات من نشأة وتطور تنظيم القاعدة

في مايو 1986 أنشأ الدكتور عبد الله عزام أول معسكر لتدريب المجاهدين العرب داخل الأراضي الأفغانية، وأطلق عليه اسم عرين الأسد. ويعد عزام واحدا من أهم من انخرطوا في صفوف جماعة الإخوان المسلمين في وقت مبكر من عمره (وهو دون الخامسة عشرة)، وكان للإمام حسن البنا أثره الكبير في تكوين شخصيته، وقد اعتبر عزام أن في رسائل البنا ما يمثل منهجا عاما لتحديد الأسس التي تقوم عليها الحركة الإسلامية في كل مكان وزمان.
وقد مارس عزام نشاطا إخوانيا فعالا في الجامعة الأردنية أثناء عمله في التدريس بها من خلال الخطب الحماسية التي كان يلقيها، ثم بدأ خطوته الثانية بتجنيد الشباب الملتفين حوله في صفوف الإخوان بالأردن، قبل أن يغادر المملكة الهاشمية متوجها إلى السعودية، حيث عمل – بفضل نفوذ الإخوان آنذاك بالمملكة – في جامعة الملك عبد العزيز بجدة عام 1981.
التقى عزام، في الحرم المكي، بكمال السنانيرى، أحد أهم رجال النظام الخاص في جماعة الإخوان والذي كان مسئولا في ذلك الوقت عن ملف الجهاد في أفغانستان داخل الجماعة. طلب السنانيرى من عزام الذهاب إلى أفغانستان لتمثيل الإخوان هناك، وتنفيذ أجندتهم الرامية إلى استقبال الشباب الوافد من فلسطين ومصر والسعودية والأردن وباقي البلدان العربية والإسلامية، ممن يرغبون في الجهاد، وإعدادهم وشحنهم معنويا وتشجيعهم على المضي في الجهاد. وافق عزام بلا تردد، وطلب من مدير جامعة الملك عبد العزيز ندبه للعمل في الجامعة الإسلامية الدولية في إسلام آباد، حيث أُنتدب بالفعل في أواخر عام 1981( ).
كانت مهمة عزام – المكلف بها من قبل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين- هي استغلال طلائع الشباب المسلم الذين يفدون إلى أرض الجهاد في بناء كيان كبير ومؤثر، ليس في أفغانستان وحسب، وإنما في كل بقعة من العالم، قوة انتشار سريعة مهمتها تقديم المساعدة القتالية لأي فئة مسلمة تُضطهد من قبل قوى غاشمة على أي شبر من الكرة الأرضية، وبخاصة الدول الذي يمثل فيها المسلمون أقلية دينية( ).
عندما بدأ عزام تنفيذ خطته في أبريل من عام 1986 كان عدد الشباب الذين معه لا يتجاوز أصابع اليدين وسرعان ما بلغ العدد في أول معركة يخوضها المتطوعون العرب في السابع عشر من أبريل عام 1987 (أي بعد تأسيس أول معسكر تدريبي بعام واحد) مائة وعشرين شاباً. وكان عبد الله عزام يتابع بنفسه المعارك من أجل رصد السلبيات ومعالجتها، وبالفعل كثف عزام التدريب في اتجاه أعمال التخطيط العسكري للعمليات، واستقدم لأجل هذه المهمة خبراء من كافة أنحاء العالم ( ).
بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، انتهي دور المجاهدين الأفغان العرب، وفكرت الولايات المتحدة في خطة تخلصها من هذا الخطر الذي كانت تحسب حسابه جيدا، واستطاعت بمساعدة من المخابرات الباكستانية الإيعاز للمجاهدين العرب بإعادة الهجوم علي جلال آباد الفائقة التحصين. كانت إسلام آباد تدرك أنها بهذه الخطة تدفع بالمقاتلين العرب إلى أتون مذبحة مروعة، فقد كانت جلال آباد محاطة بسياج من مواقع المدفعية الثقيلة، بينما كان تسليح المقاتلين لا يتعدى الكلاشينكوف والأسلحة الخفيفة، وبالفعل حدث ما أراده الأمريكيون والباكستانيون، وجاءت الخسائر في صفوف المقاتلين العرب مروعة.
كان أسامة بن لادن واحداً من الذين شاركوا في هذه المعركة وشاهد المذبحة المروعة التي حصدت أرواح رفاقه، بتواطؤ مشبوه من المخابرات الباكستانية وعدد من قادة المجاهدين الأفغان المقربين منها، وبدلا من أن يلوم عزام وبن لادن نفسيهما لابتلاعهما لهذا الطعم، راح عزام يندد بهذه الفجيعة علنا ويطالب بالانتقام. ولفت عزام إلى وجود مؤامرة على المجاهدين العرب وعلى الجهاد الأفغاني برمته، تخطط لها الولايات المتحدة الأمريكية وتقوم بتنفيذها أيد باكستانية.
كانت هذه هي المرة الأولى الذي يتم فيها التنديد بالولايات المتحدة علنا من داخل أفغانستان، ومن عبد الله عزام بالذات الذي ظل البعض يحسبه على الولايات المتحدة لفترة طويلة. وفي الرابع والعشرين من نوفمبر 1989 انفجرت عبوة من المتفجرات تم زرعها على الطريق الذي يتخذه عزام في طريقه إلى المسجد، وقتل مع عزام في هذه الحادثة اثنان من أبنائه وصديق كان يرافقه.
وقد تعددت الأراء في شأن مقتل عزام، ولكن أهمها ما حاول الطرفان أسامة بن لادن والمخابرات الأمريكية ترويجه في تلك الفترة. فمن ناحية، قامت الرؤية الأمريكية الباكستانية على اتهام أسامة بن لادن وأيمن الظواهري باغتيال عبد الله عزام. ووفق هذه الرؤية فإن الصراع علي السلطة بين أسامة وعزام كان لابد أن ينتهي بإزاحة أحدهما، وكان من مصلحة أسامة والمصريين في مكتب خدمات المجاهدين إزاحة عزام من طريقهما. الغريب أنه بعد عشر سنوات من اغتيال عزام، أبلغ عضو القاعدة محمد صادق عودة – المعتقل في الولايات المتحدة بسبب ضلوعه في تفجيرات نيروبى ودار السلام- المحققين الباكستانيين، ومن بعدهم الأمريكيين، أن أسامة بن لادن شخصيا هو الذي أمر باغتيال عزام، لأنه كان يشك بأن معلمه السابق تربطه صلات مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
أما الرؤية المضادة، والتي يروج لها تنظيم القاعدة، فتتهم المخابرات الباكستانية بتنفيذ عملية الاغتيال تنفيذا لتعليمات أمريكية، وأن قتل عزام كان بمثابة العقوبة لأنه ندد بالمؤامرة الأمريكية ضد المجاهدين.
قبل اغتيال عزام، وتحديدا في سنة 1988، ظهر اسم القاعدة عنوانا للتنظيم الذي يتزعمه بن لادن، فقد طلب عزام من أسامة تنظيم سجل للمجاهدين العرب يتضمن مسار حركتهم قدوما وذهابا والتحاقا بالجبهات، وعلل عزام طلبه هذا بازدياد عدد الوافدين للجهاد وما تبعها من زيادة في عدد حالات الإصابة والقتل، وما يمثله نقص هذه المعلومات من حرج لمكتب الخدمات الذي كان يدير حركة المجاهدين في أفغانستان. وعندما أصبحت هذه السجلات إدارة مستقلة، كان لا بد من إطلاق اسم عليها لتعريفها ضمن إدارات مكتب الخدمات، وهنا أطلق عليها عزام اسم سجل القاعدة، على أساس أن القاعدة تتضمن كل التركيبة المؤلفة من الأنصار ومعسكرات التدريب والجبهات.
بعد الانسحاب السوفيتي واغتيال عزام، عاد أسامة بن لادن إلي مسقط رأسه في السعودية، حيث أُستقبل استقبال الأبطال، وتوزع الأفغان العرب علي مسارات متعددة، فهناك من مكث في أفغانستان وانخرط في الحرب الأهلية الدائرة بين الفصائل الأفغانية المتحاربة في صف فصيل ضد آخر، بينما توزع الذين خرجوا من أفغانستان بين ثلاث مجموعات:
الأولى: سعت إلى طلب اللجوء السياسي في عدد من الدول الأوروبية (وهم الكوادر الإعلامية في التنظيمات الإسلامية المسلحة بالمنطقة العربية)، وهو ما حدث مع عدد من قادة تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية المصريتين في كل من لندن وهولندا والدنمارك( ).
الثانية: قررت العودة إلى بلادها سرا لإشعال الأرض تحت أقدام حكام تلك البلاد، بوصفهم طواغيت لا يحكمون بشرع الله وفق تعبيرهم، وقد شاهدنا جزءا من أنشطة هذه المجموعة في مصر والجزائر( ).
الثالثة: كانت مخلصة لمشروع الأب الروحي عبد الله عزام، فراحت تستكمل ما بدأته في أفغانستان، في مناطق أخرى من العالم كالبوسنة والفلبين والقرن الأفريقي( ). وهؤلاء هم الذين اعتمد عليهم بن لادن فيما بعد في بناء تنظيم القاعدة على أسس جديدة، عندما اصطدم بالسلطات السعودية عقب غزو الكويت واستدعاء الحكومة السعودية لقوات أجنبية لتحريرها.
ثانيا: الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية
بعد عودة أسامة بن لادن إلي السعودية، ابتعد عن العمل السياسي المباشر، لكن الأحداث المتعاقبة المفاجئة دفعت به سريعا إلي الساحة السياسية. ففي الثاني من أغسطس 1990 غزت القوات العراقية الكويت، وساد الرياض شعور هائج من السخط والغضب، ولم تفلح الرسائل العديدة التي وجهها صدام حسين إلي الملك فهد في التخفيف من حدة هذه المشاعر، فقد تأكد شعور قوي لدى الملك فهد بأن المملكة عرضة لهجوم عراقي. وتوجه أسامة إلي الرياض والتقى مع الأمير سلطان، وزير الدفاع، وقدم له خطة للدفاع عن المملكة، شملت تحريك معدات ثقيلة علي الحدود الشرقية للمملكة لإقامة تحصينات عسكرية، واقترح دعم القوات المسلحة السعودية بالمئات من المجاهدين السعوديين الذين أحرزوا خبرة قتالية عالية في أفغانستان، بالإضافة إلي اقتراح آخر قدمه للأمير تركي بن عبد العزيز، رئيس جهاز الاستخبارات السعودي آنذاك، يقضي باستعداد بن لادن والأفغان العرب للتسلل إلي الكويت والمشاركة في خوض حرب شعبية ضد القوات العراقية، موضحا قدرة رجاله علي إلحاق الهزيمة بصدام حسين وإرغامه علي الانسحاب من الكويت كما أرغموا السوفييت علي الانسحاب من أفغانستان من قبل. وفي الوقت ذاته حذر بن لادن من مغبة الاستعانة بالأجانب، خاصة الأمريكيين، الذين وصفهم بالكفار، من أجل الدفاع عن المقدسات الإسلامية، موضحا أن هذا يتنافى مع تعاليم الإسلام، فضلا عن حساسية هذه المشكلة بالنسبة لمعظم السعوديين، ولمجمل المسلمين بوجه عام، وحذر بن لادن في مداولاته مع أفراد الأسرة المالكة في الرياض من أن الاستعانة بالأجانب ستنال من مصداقية النظام، وعلي الرغم من كل الحجج التي ساقها بن لادن للدفاع عن وجهة نظرة، فلم تلق دعوته وتحذيراته أية استجابة من أي نوع، وفتحت المملكة أبوابها لاستقبال قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع عام 1991( ).
عندما لم تستجب السلطات السعودية لأفكار بن لادن بدأ في المطالبة بمقاطعة البضائع الأمريكية ومقاومة الوجود الأمريكي في الخليج. وقد لعبت شعبية بن لادن دورا في تزايد مخاوف الأسرة السعودية الحاكمة، وتزايدت الضغوط عليه إلي الدرجة التي دفعته إلي الهجرة بأسرته الصغيرة متوجها إلي السودان. وقبل خروجه من السعودية أجري عدة اتصالات بالبنوك التي يودع فيها أرصدته، حيث أمنها، وحول أجزاء كبيرة منها إلي أماكن سرية.
في نهاية عام 1991 وصل أسامة بن لادن إلي السودان، واستقبله الدكتور حسن الترابي، المرشد الروحي للنظام الحاكم وزعيم الجبهة القومية الإسلامية. وسرعان ما استدعي بن لادن أعدادا كبيرة من الأفغان العرب، والتقي مع أيمن الظواهري من جديد، وبدآ معا في تكوين الجناح العسكري لتنظيم قاعدة الجهاد الذي سيشغل العالم منذ ذلك الحين وحتى إشعار آخر.
منذ عام 1992 وحتى الآن، اتهمت الولايات المتحدة بن لادن بتخطيط وتدبير 30 حادثا إرهابيا، بالإضافة إلى مسئوليته عن تمويل معسكرات التدريب والإعداد الخاص بالإرهابيين في عدد كبير من مناطق العالم، وإشرافه الشخصي على البعض منها في أفغانستان. ومن الخرطوم إلى لندن مرورا بعدن ومقديشو والرياض ونيويورك وواشنطن وجاكرتا والرباط، راح بن لادن يترك بصمات تنظيمه الجديد خلف كل تحرك إرهابي. ?
وبدأ الظواهري مشروعه الجديد بإجراء مباحثات مع طارق الفضلى، أحد أهم قادة الأفغان اليمنيين والابن الأكبر لآخر سلاطين اليمن، في محاولة لإقناعه بالسماح للتنظيم بإقامة معسكرات تدريب لعناصره على الأرض اليمنية. وقد تولى مهمة إقناع الفضلى في هذه المباحثات العقيد محمد مكاوي الساعد الأيمن للظواهري في ذلك الوقت والمسئول الأول عن أمن تنظيم القاعدة. وسرعان ما أخذ عدد كبير من كوادر القاعدة في التدفق على اليمن في هيئة مجموعات قدمت من أفغانستان ومصر والسودان وإيران وبعض الدول الأفريقية كالصومال وكينيا وأوغندا.
كانت هذه المجموعات معدة للذهاب إلى الصومال لمواجهة القوات الأمريكية هناك، إلا أن الكشف عن قضية إعادة إحياء تنظيم الجهاد في مصر عام 1992 والقبض على أكثر من أربعمائة عنصر من عناصر جماعة الجهاد المصرية (التي كان يقودها في ذلك الحين أيمن الظواهري) دفع عددا من كوادر تنظيم الجهاد إلى مطالبة زعيم التنظيم بضرورة الرد على الحكومة المصرية.
وتحت ضغط هذه المطالبات أجرى أيمن الظواهري تغييرا مهما في إستراتيجية تنظيم القاعدة بعد استشارة زعيم التنظيم أسامة بن لادن، حيث دفع الظواهري بعدد من تلك المجموعات التي أطلق عليها اسم طلائع الفتح، للقيام بعدة عمليات انتقامية محددة داخل العاصمة المصرية القاهرة( ). بالطبع لم يكن هذا هو السبب الحقيقي أو على الأقل السبب الذي أقنع به الظواهري أستاذه بن لادن بضرورة الزج بهذه العناصر في أتون الصراع مع الحكومة المصرية، فقد كان هناك سبب آخر استطاع من خلاله الظواهري إقناع بن لادن بهذا التوجه، وهو ضرورة تأديب كافة الأنظمة التي وافقت على استجلاب قوات أجنبية للدفاع عن بلاد الحرمين في مواجهة صدام حسين، وفى مقدمة تلك الأنظمة النظام المصري.
ونظراً لأن طلائع الفتح كانت قد تلقت تدريبها للقتال في الصومال، وتم الدفع بها إلى القاهرة في خطوة متسرعة لإحداث التوازن النفسي المطلوب لعناصر التنظيم عقب القبض على أربعمائة من عناصره، فقد اتسمت عملياتهم بالتسرع والارتباك الأمر الذي أدى إلى فشل وإجهاض أغلبها. عاد الظواهري مرة أخرى إلى الإستراتيجية التي قام من أجلها بتدريب تلك العناصر في اليمن، فأرسل عددا كبيراً من هذه المجموعات إلى كينيا ثم إلى مقديشو حيث خاضوا حربا شرسة ضد القوات الأمريكية في الصومال. وقد أثبتت هذه المجموعات فعالية كبيرة في حربها ضد القوات الأمريكية، إلى حد إجبار تلك القوات على قبول الانسحاب والشروع فيه في أواخر عام 1993.
أصقلت هذه المعارك مواهب الظواهري في العمل العسكري. وقد ظهر ذلك جليا عندما أشار على بن لادن بضرورة تخفيف الضغط على الصومال عن طريق ضرب القواعد الأمريكية في اليمن. وضمت المجموعات التي أوكلت لها تلك المهمة حوالي ثلاثمائة عنصر من جميع الجنسيات تحت قيادة طارق الفضلى. أولى هذه العمليات كانت ضد فندق جولدن مور بعدن في ديسمبر 1992، وثانيتها كانت عملية مهاجمة طائرات النقل المرابضة على مدرجات الهبوط والإقلاع بالقاعدة الجوية الأمريكية في عدن. في تلك الفترة تم اختيار أيمن الظواهري، في اجتماع عقد في السودان في بدايات عام 1993، قائداً ميدانياً لتنظيم القاعدة، حيث أوكلت إليه مهمة إعادة تنظيم الأوضاع في منطقة شرق أفريقيا خاصة بعد شروع القوات الأمريكية في الرحيل من الصومال في أواخر عام 1993.
في بداية عام 1994 وصل إلى كينيا كل من محمد صادق عودة أحد المتهمين الذين تم اعتقالهم فيما بعد في الولايات المتحدة بتهمة الاشتراك في عملية تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وعلى الرشيدي المشهور بأبي عبيدة البنشيرى ،أحد أهم الكوادر العسكرية للتنظيم في ذلك الوقت( ). جاء الرجلان بهدف تعزيز وجود القاعدة في منطقة شرق أفريقيا، التي كان التنظيم يعتبرها مركز التواجد الحقيقي والمكثف لكوادر الاستخبارات الأمريكية في القارة الأفريقية بالكامل. وقد نجح البنشيرى خلال ثلاث سنوات في إقامة تمركزات جديدة للقاعدة في منطقة شرق أفريقيا، تضم كوادر من العرب والمصريين والأفارقة والتي استخدمت فيما بعد للمساعدة في تنفيذ الهجوم الضخم على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام.
اختار الظواهري كينيا مركزا لالتقاء عناصر التنظيم القادمة من جميع أنحاء العالم، واستغل المزايا التي تمنحها السلطات الكينية للسائحين في الدفع بعدد كبير من الكوادر التي سبق لها القتال في أفغانستان تحت ستار السياحة. ولكن خطط الظواهري سرعان ما أصيبت بارتباك شديد عندما تعرض البنشيرى لحادث غامض أودى بحياته غرقا في بحيرة فيكتوريا عام 1996.
لم تستطع الشبكة استيعاب الآثار السلبية لمصرع البنشيرى إلا بعد مرور فترة طويلة حينما استطاع الظواهري ملء الفراغ المترتب على رحيله والدفع بعنصر يمتلك نفس المقومات القيادية التي كان يتميز بها القائد السباق، حيث وقع اختيار الظواهري على صبحي أبو ستة الشهير بـ محمد عاطف أو أبو حفص المصري، وهو أحد الشبان المصريين الذين وصلوا إلى أفغانستان في نهاية الثمانينيات. وقد بدا عاطف الشخص المناسب في ذلك الحين للحلول محل على الرشيدي، ولكن سرعان ما احتاجه بن لادن بجانبه عام 1997 خاصة بعد تكليف الظواهري بمهمات عديدة خارج أفغانستان، الأمر الذي دفع ببن لادن إلى التدخل شخصياً لإنقاذ الشبكة من الانهيار نتيجة لغياب القيادة الماهرة والموثوق فيها، فأبرم اتفاقاً مع حسين فارح عيديد( ) يقضى بإنشاء عدد من معسكرات التدريب لتنظيم القاعدة في المناطق الخاضعة لحزب الاتحاد الصومالي وتقديم تسهيلات ميدانية لعناصر وكوادر الشبكة، مقابل دعم الحزب بمبالغ مالية كبيرة.
شهدت نهاية 1994 وبدايات 1995 مجهودات كبرى من الظواهري وبإشراف مباشر من بن لادن لتوحيد جهود كافة الشبكات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في محاولة لتنسيق الجهود والمواقف من أجل ضرب المصالح الأمريكية وكسر ما أطلق عليه الظواهري الهيبة التي حاولت الولايات المتحدة فرضها على العالم طوال خمسة عقود من هذا القرن. وطرح الظواهري خطة شملت ثلاثة توجهات أساسية لمرحلة ما بعد عام 1995. الأول: الاهتمام بزيادة فاعلية عمل الشبكات الإسلامية المسلحة في البلقان. والثاني: تقديم دعم أفضل لأعضاء الشبكات الإسلامية المسلحة في الصومال وأثيوبيا. والثالث: بذل أقصى مجهود لزيادة فعالية مكاتب الشبكات الإسلامية في لندن ونيويورك، وكانت تلك أول إشارة من الظواهري للتأكيد على اهتمام التنظيم الجديد بما سمى بالخلايا النائمة في الولايات المتحدة وأوروبا.
تشكلت هيئة قيادة عليا للتنسيق بين كافة الشبكات الإسلامية المسلحة تمثلت في لجنة ثلاثية من أيمن الظواهري وعماد مغنية (أحد كوادر حزب الله التي تعمل الآن في العراق) وأحمد سالم (أحد كوادر الجهاد الفلسطيني). وعقب الاجتماع مباشرة وفى غضون أقل من شهر اجتمعت الهيئة في قبرص وقررت إرسال المزيد من المتطوعين إلى البوسنة وكلفت الهيئة أيمن الظواهري بالسفر إلى الولايات المتحدة في محاولة للوقوف بنفسه على طريقة العمل في مكاتب الشبكات الإسلامية المسلحة هناك.
كان عام 1995 عاماً حافلاً بالنشاط بالنسبة لتنظيم القاعدة فقد أراد قائده الميداني أيمن الظواهري تدشين نشاط الجبهة الجديدة بعدة عمليات للتأكيد على قوة الشبكة الإسلامية المسلحة، خاصة بعد إحباط السلطات الأمنية في مصر لعمليتين إرهابيتين خطط لهما الظواهري بعناية فائقة.
كانت أولى تلك العمليات أو الرسائل هي محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا. فقد دُهش جميع المراقبين والمتابعين لظاهرة العنف الديني المسلح في مصر والعالم بحدوث هذه المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس مبارك في هذه المنطقة بالذات. واتجهت الأنظار إلى السودان والبعض وجه سهام الاتهام إلى جهاز الأمن الأثيوبي، ولم ينتبه أحد إلى وجود أكثر من ألف وستمائة إرهابي مسلح ينتمون لشبكة تنظيم القاعدة منذ عام 1992 في منطقة شرق أفريقيا.
وقد امتدت قواعد تنظيم القاعدة من الجنوب عند مدينة قسمايو وباتجاه الشمال في منطقة الأوجادين (إثيوبيا) مروراً بمدن بردهيرا وجاليكيو وبوصاصو بالصومال. وقد استفاد طاقم العمليات الخاصة بالجماعة الإسلامية المصرية من هذه الشبكة كثيرا عندما قاموا بتنفيذ محاولة اغتيال الرئيس مبارك.
وبعد خمسة أشهر فقط من فشل الرسالة الأولى (محاولة اغتيال مبارك) استطاع الظواهري أن يرسل رسالة أخرى شديدة اللهجة تمثلت في تفجير السفارة المصرية في باكستان. فقد جاءت تلك العملية لتبعث برسالتين في وقت واحد، الأولى إدخال الرعب في قلوب الوفود الأمنية المصرية رفيعة المستوى التي كانت تتخذ من السفارة المصرية في باكستان مركزا لمتابعة أخطر عناصر القاعدة من المصريين والعرب في بيشاور، والثانية توجيه إنذار لحكومة بناظير بوتو التي كانت قد وعدت الأمير تركي بن عبد العزيز مدير المخابرات السعودية آنذاك بأنها ستتعاون مع الحكومتين السعودية والمصرية فيما يخص ملف الأفغان العرب( )
وفى رسالة ثالثة وجهها الظواهري هذه المرة بدوافع شخصية قبيل رسالة التنظيم الثانية بأسبوع واحد، وبالتحديد في 13 نوفمبر 1995 عندما قامت بعض العناصر التابعة لتنظيم القاعدة في جنيف باغتيال علاء نظمى، وهو دبلوماسي مصري عمل كملحق تجارى بالسفارة المصرية بسويسرا. وقد أعلنت جمعية باسم جماعة العدالة الدولية مسئوليتها عن الحادث في محاولة للتمويه. وكشفت التحقيقات التي قامت بها السلطات السويسرية أن الدبلوماسي المصري كان مكلفاً بمتابعة ملف الظواهري وكشف حقيقة تواجده بالأراضي السويسرية من عدمه، هذا بينما يؤكد لابيفير أن الدبلوماسي المصري كان مهتما بملف أموال الإخوان المسلمين في الخارج التي تقدر بحوالي (200 – 500) مليون دولار وتدار بواسطة مؤسسات وبنوك دولية في سويسرا وإيطاليا، وأرجع سبب مقتله أنه كان يتابع حركة هذه الأموال ويسعي إلى استعادتها( ).
وأخيرا، جاء انفجار الخبر الذي تسبب في مقتل تسعة عشر جندياً أمريكيا وجرح المئات كان بينهم عدد كبير من المدنيين السعوديين، ليضع حدا فاصلاً في المحطة السودانية لتنظيم القاعدة. ولتبدأ محطة جديدة في إدارة أكبر وأخطر صراع شهده القرن الماضي وما زالت فصوله ماثلة حتى الآن على خشبة المسرح السياسي العالمي. فنتيجة لضغوط مكثفة من حكومات كل من مصر والسعودية وبريطانيا والولايات المتحدة غادر بن لادن وقائده الميداني أيمن الظواهري ومعهما 125 كادراً من أخلص أتباعهما إلى أفغانستان فجر يوم 19 أغسطس 1996، واستقبلتهم حركة طالبان الحاكمة آنذاك في أفغانستان بترحاب شديد، وخصصت لهم مناطق للإقامة ينطبق عليها مفهوم الحكم الذاتي. ومنذ ذلك التاريخ ظل تنظيم القاعدة يخطط لعملياته من أفغانستان.
ثالثا: العودة إلى أفغانستان مرة أخرى
لكي تتكون لدينا صورة واضحة عن تحالف تنظيم القاعدة ومؤسسه بن لادن مع حركة طالبان وزعيمها الملا عمر، لابد أن نتعرض لقصة ظهور وصعود حركة طالبان في أفغانستان. وقد رأينا من الإنصاف لهم ولنا أن نتناول تجربتهم من خلال ما قصه أستاذهم مولوي حفيظ حقاني عنهم في كتابه طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، فعلاقة الرجل بهم علاقة الأستاذ بالتلميذ، وهو يجلهم ويحترمهم، ولكن هذا الإجلال والاحترام لم يمنعه من أداء أمانة التأريخ لهم بكل صراحة موضحا ما لهم وما عليهم.
دخل المقاتلون الأفغان إلى كابول في أبريل عام 1993، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع بين جميع الأحزاب الجهادية( ): الجمعية الإسلامية بقيادة رباني المتحالف مع أحمد شاه مسعود والحكومة المؤقتة من جهة، والحزب الإسلامي المتحالف مع رشيد دوستم من جهة ثانية، والاتحاد الإسلامي بقيادة سياف من جهة ثالثة، وحزب الوحدة الشيعي مزارى من جهة رابعة. وعلى الرغم من كل المعاهدات التي وقعها القادة المتحاربون، إلا أن الحرب الأهلية بين جميع الفصائل والتي راح ضحيتها 40 ألف شخص، بالإضافة إلى تشريد مئات الآلاف، ظلت مشتعلة، وفشلت جميع الوساطات التي قام بها عدد من العلماء والجهات الإسلامية والدولية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة ونقض قادة الفصائل المتحاربة كل الاتفاقيات التي وقعوها.
يصف مولوى حقاني الوضع الأمني بأنه كان منغلقاً تماماً، وأصبح كل شخص يدخل أفغانستان عرضة لمخاطر عديدة، فقد كان في استطاعة أي مسلح توقيف السيارات وقتل من يريد أو خطفه، كان كل شيء معرضا للنهب، الناس والسيارات – خاصة سيارات مؤسسات الإغاثة – ووصل الأمر إلى قيام المجموعات المكلفة بحفظ الأمن والاستقرار في المدن الكبيرة برعاية أعمال القتل والنهب والسلب والاعتداء على الأعراض، وكثرت الاشتباكات بين المجموعات المسلحة في الأماكن المزدحمة من المدن الكبيرة وذهب عشرات الأبرياء ضحية هذه المعارك.
كانت الساحة الأفغانية في حاجة إلي قوة قادرة علي إعادة الاستقرار ونشر الأمان، وتمثل الخلاص في حركة طالبان، التي بدأت نشاطها في يوليو 1994، كرد فعل علي الفوضى والفساد، واستطاعت خلال عامين أن تسيطر علي معظم الأراضي الأفغانية، وأن تبايع الملا محمد عمر أميرا للمؤمنين.
لم يكن اللقاء بين حركة طالبان والقاعدة إلا تعبيرا موضوعيا عن التقارب الكبير بينهما علي الصعيد الفكري، وإن تفوقت القاعدة علي المستوي التنظيمي وفي القدرة علي استثمار معطيات العصر وأدواته التكنولوجية المتقدمة. ومن داخل الأراضي الأفغانية، وبدعم كامل من حركة طالبان، بدأت القاعدة مرحلة جديدة حافلة بالتحولات والانجازات العملية.
مؤتمر شرم الشيخ وبداية المواجهة مع الولايات المتحدة
في إشارة بالغة الوضوح حول بداية دخول الأمريكيين والغرب حزام عمليات القاعدة الإرهابية، وبدايات التنظير للانتقال من العدو القريب (الحكومات الوطنية في البلدان الإسلامية) إلى مفهوم جديد أطلقنا عليه اسم (حلف الأعداء)، تمييزا لمفهوم مغلوط شاع لدى عدد كبير من الباحثين، وهو مفهوم (العدو البعيد)، يلفت الظواهري إلى أن البداية كانت مع انعقاد مؤتمر شرم الشيخ بمصر في مارس من عام 1996( ).
يزعم الظواهري أن المؤتمر كان هدفه الاتفاق على تأمين إسرائيل من هجمات الإسلاميين. ويضيف الظواهري: وبرعاية أمريكا وتوجيهها انعقدت مؤتمرات وزراء الداخلية العرب، وانتهت إلى توقيع اتفاقية مكافحة الإرهاب التي يضيفون إليها كل عام قيدا جديدا( ). ويستدرك: لم تكتف أمريكا بالاتفاقات والمؤتمرات فقط، بل حركت منظمتها (هيئة الأمم المتحدة) لاستصدار قرار بفرض العقوبات الاقتصادية على أفغانستان لامتناعها عن تسليم من تطلبهم أمريكا وعلى رأسهم أسامة بن لادن( ). ويضيف: لقد استطاعت أمريكا بتفردها بالتفوق العسكري بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أن تفرض إرادتها على كثير من الحكومات، وكان من نتائج هذه السيطرة فرض الاتفاقات الأمنية على كثير من البلاد، وبذلك اتسع نفوذ الحكومات التابعة لها في مطاردة المجاهدين في كثير من البلدان. ولا شك أن هذا قد أثر على مرونة الحركة الجهادية، ولكنه تحد جديد واجهته الحركة بما يكبحه وهو إدخال أمريكا كهدف في المعركة( ).
وقد تناولت الحوارات التي دارت داخل مجلس شوري القاعدة – بعد الاستقرار في جوار طالبان – سؤالا محوريا : كيف نحارب أمريكا؟ القوة الأولي في العالم، ولكن السؤال الذي لم يطرح نفسه أبدا هو لماذا نحارب الولايات المتحدة ؟( ). كانت النقاشات متفرقة الأوقات، متداخلة الموضوعات، وأكثرها تم في جلسات (مواربة)، أي نصف مغلقة يمكن حضورها حتى لبعض (الضيوف) وهم يشاركون فيها عن خبرة بموضوعاتها المطروحة أحيانا وبدون هذه الدراية في أغلب الأحيان.
ويقول الظواهري كعادة العرب (المجاهدين على الأقل) لم يسفر كل ذلك عن شيء مكتوب لتحديد السياسات والخطوط العامة للعمل، فهم يكرهون الثوابت ولا يطيقونها، ويغرمون بدلا عنها بالارتجال والبداهة في كل الأعمال، وبالتالي ليس هناك ذلك الشيء الذي يدعي في الغرب(إستراتيجية)( ). ويمضي الكتاب قائلا: تحت أشجار الصنوبر على قمم تورا بورا، وقريبا من مغارات شهدت معارك وسالت قربها دماء، وكان هناك مجموعة من الأفكار العامة يمكن تبويبها كما يلي:
– أن أمريكا لن تسحب قواتها من الخليج، بدون قتال، لذا لابد من إعلان الجهاد لإخراجها.
– أن النفط هو الجائزة الكبرى التي حصلت عليها أمريكا بالوجود في منطقة الخليج، والنفط هو السلعة التي تؤمن لأمريكا سيطرة على الاقتصاد العالمي، وبالتالي على السياسة العالمية وتمدها بالمال الكافي لتطوير أسلحة تمكنها من إرهاب العالم كله.
– الوجود الأمريكي مرتبط عضويا بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وللمشاريع الوشيكة لإنشاء (إسرائيل الكبرى)( ).
توسيع نطاق المواجهة
وبناء على ما سبق، اقترح بعض قادة التنظيم توسيع دعوة القتال وحركته لتشمل الأمة الإسلامية كلها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.. في تحرك إسلامي (أممي) يحتاج إلى إدارة لامركزية، وبرنامج عمل واسع يشمل فئات شتي مختلفة القدرات. على أن تتولى قيادة المشروع طرح أساليب العمل وتبني إستراتيجية مرنة تسمح بإطلاق العنان للمبادرات الفردية داخل التنظيم. وباختصار، أصبح المشروع المقترح مشروع أمة وليس مشروع تنظيم أو جماعة، كما أنه أوسع بكثير من مجرد مواجهة عسكرية أو سلسلة عمليات، وإن كان للعمل العسكري مكانة حيوية فيه.
وفى إطار هذا التصور وطالما أن بن لادن صاحب المشروع سيكون بشكل تلقائي هو قائده، لذا أُقترح عليه البعض مقترحات منها عدم الارتباط بتنظيم معين، وإلا انحصر العمل بعد فترة إلى مجرد مواجهة بين ذلك التنظيم والولايات المتحدة، كما أن نظرة الأوساط الإسلامية خارج هذا التنظيم ستكون سلبية أو محافظة، وقد لا تعطي التفاعل المطلوب. وعليه، إما أن يقوم بحل تنظيم القاعدة أو الاستقالة من قيادته والتعامل معه على قدم المساواة مع أي تنظيم إسلامي آخر، أي بدون الانغماس في قيادة مباشرة للتنظيم. ولكن بديلا عن القاعدة يستعيض بن لادن بمجلس لإدارة المواجهة يؤدي مهام سياسية وثقافية واقتصادية، ولا يشارك مباشرة في إدارة أي مجهود عسكري، تاركا ذلك لجهاز عسكري له قيادة خاصة.
أفغانستان والمجاهدون العرب مرة أخرى
فتحت أفغانستان مرة أخرى – في عهد طالبان – ذراعيها لاستقبال المقاتلين العرب من كافة الجنسيات، وسرعان ما وجدت الفئات المطاردة والمشردة من كوادر وأعضاء التيار الجهادي في أفغانستان ملاذا آمنا، وربما إجباريا مع استعار حملات المطاردة أو ما سمي بـ (الحرب الدولية لمكافحة الإرهاب) بقيادة الولايات المتحدة التي انطلقت منذ أوائل التسعينيات واشتدت بعد عام 1995. فبدأ هؤلاء يتسللون فرادى ومجموعات إلى أفغانستان، ليبدأ العرب جولتهم الثانية في أفغانستان مع النصف الثاني من عام 1996. ومع الترحيب وحسن الجوار الذي أبداه الطالبان لتلك الطلائع القادمة, وفي مقدمتهم الشيخ أسامة ومجموعة من عناصر تنظيم القاعدة.. وبعض الرموز و الجهاديين من قدماء الأفغان العرب.. بدأت الساحة تستهوي عموم الجهاديين وأصحاب الطموح باستئناف المسار إلى هناك.
وخلال عام 2000 كانت المعسكرات والمضافات العربية قد انتشرت في مدن أفغانستان الرئيسية ولاسيما العاصمة كابل, والعاصمة الروحية لطالبان (قندهار)، والمدن الشرقية مثل خوست وجلال آباد. وبدأ المهاجرون الجدد والمحاربون القدماء من الأفغان العرب حملة إعلام واتصالات لاستقبال المزيد من المهاجرين، ونشطت حركة القدوم رغم الحصار السياسي والاقتصادي والحملة الإعلامية والدولية التي أحاطت بالإمارة الإسلامية الوليدة من كل جانب. ويقدر عدد الذين قدموا وغادروا أفغانستان خلال هذه المرحلة (1996-2001)، بلغ عدة آلاف من الرجال، ولكن الذين استقروا منهم في أفغانستان يقدرون بنحو (350) أسرة ونحو ( 1400) مجاهد ومهاجر عربي من مختلف الجنسيات، بالإضافة لعدة مئات من أرباب الأسر والمجاهدين والمهاجرين من وسط آسيا, ولاسيما من أوزبكستان و طاجيكستان التي واجهت فيها الحركات الإسلامية ضربات قوية على يد النظم الشيوعية آنذاك. وكذلك من تركستان الشرقية التي تحتلها الصين.( )
وخلال هذه الأجواء، تواجدت التنظيمات الجهادية العربية الرئيسية، وانتعشت لدى قياداتها القديمة الآمال باستئناف مسارها في الإعداد والبناء, ومتابعة أهدافها القديمة في إحياء الجهاد في بلادها من أجل إقامة حكومات إسلامية على أنقاضها بحسب تصوراتهم.
وفي فبراير من عام 1998 فوجئ الرأي العام العالمي بشكل عام والمتابعون لظاهرة الجماعات الإسلامية المسلحة بشكل خاص ببيان وقعه عدد من قادة الشبكات الإسلامية المسلحة في العالم على رأسهم أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، ورفاعي طه أحمد رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية بمصر، ومنير حمزة سكرتير جمعية علماء باكستان، وفضل الرحمن أمير حركة الجهاد في بنجلاديش. أعلن الموقعون على البيان عن تأسيس ما أطلقوا عليه الجبهة العالمية لقتال اليهود والأمريكان.
وأكدوا في بيانهم على أن حكم قتل الأمريكيين وحلفائهم مدنيين كانوا أم عسكريين، فرض عين على كل مسلم أمكنه ذلك في كل بلد تيسر فيه حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم وحتى تخرج جيوشهم من كل أرض الإسلام مشلولة اليد كسيرة الجناح عاجزة عن تهديد أي مسلم. وكان هذا البيان إعلانا عن بداية مرحلة جديدة من مراحل المواجهة مع التنظيم الأخطر في العالم.
في كتابه فرسان تحت راية النبي، أوضح الظواهري إستراتيجية التنظيم الجديدة مؤكدا وجوب نقل المعركة إلى أرض العدو (في إشارة إلى الولايات المتحدة). وقرر الظواهري إن علينا أن ننقل المعركة إلى أرض العدو حتى تحترق أيدي من يشعلون النار في بلادنا( ).
عقب الإعلان عن قيام الجبهة بدأت مطاردة محمومة شملت العديد من دول العالم قادها رجال المخابرات المركزية الأمريكية ضد رجال أسامة بن لادن والظواهري وتحديدا قادة جماعة الجهاد المصرية. وخلال ستة أشهر راحت المخابرات الأمريكية تطارد العناصر التابعة لتنظيمي القاعدة والجهاد في كل بقعة من بقاع العالم.
وفي هذا الإطار، قامت القاعدة بتنفيذ عدد من العمليات، كان أهمها عمليتي نيروبي ودار السلام، وتدمير المدمرة كول. فقل تنفيذ عملية نيروبي ودار السلام، تعهد الظواهري قبل ثلاثة أيام فقط من الحادث بالانتقام من أمريكا عبر بيان نشرته جريدة الحياة آنذاك رداً على اعتقال ثلاثة من قادة الجماعة أثناء وجودهم في ألبانيا وتسليمهم إلى مصر. بالطبع لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي كمن وراء تفجيرات نيروبي ودار السلام فقد كانت هذه السفارات تضم أكبر قواعد لوكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية في منطقة شرق أفريقيا وجنوب غرب آسيا، كما أن انتصار المجموعات الإسلامية المسلحة على القوات الأمريكية وإجبارها على الانسحاب من الصومال عزز من طموحات هذه الشبكات في إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة، وإرغامها على الخروج بنفوذها وأجهزة استخباراتها من هذه المنطقة بشكل كامل.
في محاولة ناجحة لصرف أنظار أجهزة الاستخبارات الأمريكية عما يخطط له تنظيم القاعدة في قلب نيويورك وواشنطن قام رجلان- وفقا لتقرير أمريكي- كانا يملآن أشداقهما بنبات القات المخدر بركوب قارب مطاطي مستعمل لا يزيد ثمنه على مائتي دولار والاصطدام بالمدمرة (يو. إس كول) ليحولا أروع المفاخر في الترسانة البحرية الأمريكية، إلى بطة مكسورة الجناح تعرج فوق الموج عاجزة ومهانة.( )
وبعد أقل من عام فجر عدد من أعضاء تنظيم القاعدة بأوامر مباشرة من الظواهري القائد الميداني للتنظيم، وبمباركة من بن لادن، عددا من المباني المهمة في كل من نيويورك وواشنطن ليدخل الصراع بين القاعدة والولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة، حيث انتقلت القاعدة إلي طرح برنامج مختلف اتسم بالمزيد من الشمول في مواجهة حلف الأعداء.
مواجهة شاملة وآليات جديدة
يقرر الظواهري أن تنامي الحركة الإسلامية وزيادة المقاومة للوجود الصهيوني ولسياسات الاستسلام له بلغت من القوة والحدة لدرجة رأت عندها أمريكا أن وكلاءها ليسوا فقط عاجزين رغم كل المساعدات التي تقدم لهم، ولكن خصمهم أيضا قد بلغ من القوة درجة لا بد من التصدي له بالقوة العسكرية المباشرة المستعدة والمتمركزة في ميدان الصراع( ). ويقول: إن أمريكا في إطار سعيها لسد الطريق أمام أي مد إسلامي في طريقه للسلطة في المنطقة تقوم بمحاولة لتثبيت أوضاع، يكون من العسير على أي تحرك إسلامي يصل للحكم أن يغيرها إلا بمجهود جبار خاصة في بداية حكمه، ما يوفر ضمانة مستقبلية لأمن إسرائيل( ).
ويشدد الظواهري على عالمية المواجهة بين أهل الكفر متحدين، وأهل الإيمان محصورين في القاعدة ومن والاها كفكرة محورية تحولت بفعل ظروف عديدة إلى دستور آمن به قادة القاعدة وجعلوه شعارهم الأساسي في المعركة ضد الجميع. يقول الظواهري إن أي مراقب محايد لابد أن يلمح عدة ظواهر بدأت في التشكل في عالمنا الإسلامي بشكل عام منها:
أـ عالمية المعركة: فالقوى الغربية المعادية للإسلام حددت عدوها بوضوح وهو ما تسميه بالأصولية الإسلامية ودخل معها في هذا الحلف عدوتهم القديمة روسيا، واتخذوا عدة أدوات لمحاربة الإسلام منها: الأمم المتحدة، الحكام الموالون والحاكمون لشعوب المسلمين، الشركات متعددة الجنسيات، أنظمة الاتصال الدولية وتبادل المعلومات، وكالات الأنباء العالمية وقنوات الإعلام الفضائية، منظمات الإغاثة الدولية التي تستخدم ستاراً للجاسوسية والتبشير وتدبير الانقلابات ونقل الأسلحة( ).
وفى معرض تحديده لسبل المواجهة بين الحلفين الجديدين وآليات إدارة المعركة بين الفريقين. يقول الظواهري: ومع ظهور هذه الطائفة الجديدة من الإسلاميين الذين طال غيابهم في واقع الأمة، يزداد بين كل أبناء الإسلام الحريصين على نصرته وعي جديد خلاصته لا حل إلا بالجهاد( ). ويضيف لقد ساعد على انتشار هذا الوعي فشل كل الوسائل الأخرى التي حاولت أن تهرب من تحمل عبء الجهاد، وكانت تجربة الجزائر درسا قاسيا في هذا الصدد، أثبتت للمسلمين أن الغرب ليس فقط كافرا، ولكنه أيضا كاذب ومنافق، فمبادئه التي يتشدق بها حكر عليه وحده، وملك خاص به، لا يجب أن تشاركه فيها شعوب الإسلام إلا كما يشارك العبد سيده في الفتات المتبقي من طعامه( ).
ويحدد الظواهري طريق النصر على الأعداء المتحدين بقوله : يجب على الحركة الجهادية أن تقترب من الجماهير وتدافع عن حرماتها، وتدفع الظلم عنها، وترشدها إلى طريق الهداية، وتقودها إلى النصر، وتتقدم أمامها في ميدان التضحية، وأن تجتهد في إيصال قضيتها إليها بأسلوب يجعل الحق ميسورا لكل طالب وليس مستغلقا عن كل راغب، وأن تجعل الوصول إلى أصول الدين وحقائقه مبسطا خاليا من غلو المصطلحات وتقعر التركيبات( )
ولا ينسى الظواهري أن يذكر كوادره باستخدام شعارات مفهومة من قبل الأمة في محاولة لتجييشها خلفهم، وهو ما يوضح لنا لماذا يكثر قادة القاعدة من استخدام شعارات العداء لإسرائيل والولايات المتحدة.
أما القيادة فعليها أن تخوض معركة توعية الأمة عن طريق:
– كشف الحكام المحاربين للإسلام.
– وإبراز أهمية الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين في عقيدة المسلم.
– وبتحميل كل مسلم المسئولية في الدفاع عن الإسلام ومقدساته وأمته ودياره.
– وبالتحذير من عمائم السلطان، وبتذكير الأمة بحق علماء الجهاد وأئمة التضحية عليها، وواجبها في نصرتهم وحمايتهم وتوقيرهم والاقتداء بهم والدفاع عنهم.
– وبكشف مدى العدوان على عقيدتنا ومقدساتنا ومدى النهب الذي تتعرض له ثرواتنا( ).
ويلح الظواهري على ضرورة إيجاد قاعدة إسلامية في قلب العالم الإسلامي تنطلق منها الحركة الجهادية نحو حكم العالم وإقامة الخلافة الإسلامية، ويضيف أن كل ما استعرضناه من وسائل وخطط لحشد الأمة وتجييشها سيظل مكسبا معلقا في الهواء دون نتيجة ملموسة وعائد مشاهد ما لم يؤد إلى إنشاء دولة الخلافة في قلب العالم الإسلامي( )
ويفسر الظواهري من خلال رؤيته الجديدة للمتابعين لحركات الإسلام السياسي الكثير مما غمض عليهم من الإستراتيجيات التي تقوم بتبنيها تلك التنظيمات في عدد من بلدان المواجهة، في السعودية والعراق واليمن ومصر والجزائر والمغرب، إذ يوضح أن على الحركة المجاهدة أن تصبر على البناء حتى تستوفي أركان النصر، وتحشد من الإمكانيات والأنصار والخطط ما يمكنها من أن تخوض المعركة في الزمان والميدان اللذين تختارهما( ).
ويطرح الظواهري سؤالا ذكيا في محاولة منه لصب كل الجهود في إطار معركة القاعدة: ولكن كيف وضد من نخوض الصدام؟. ويجيب: هنا علينا أن نستعيد ما أوضحناه من طبيعة تركيب النظام العالمي المعادي للإسلام وعلاقته بالأنظمة الحاكمة في بلادنا، وما أكدناه من وجوب حشد الأمة في معركة الإسلام ضد الكفر، وما حذرنا منه من خطورة أن تقتل الطليعة المسلمة في صمت في معركة النخبة أو الصفوة ضد السلطة. ويضيف: لذا فإذا جرتنا القوى الظالمة إلى معركة في وقت لا نريده، فعلينا أن نرد في الميدان الذي نريده ألا وهو: ضرب الأمريكان واليهود في بلادنا، وهنا نكسب ثلاث مرات: الأولى حين نوجه الضربة إلى السيد الكبير الذي يحتمي بعميله من ضرباتنا. والثانية: حين نضم الأمة إلى صفنا باختيارنا لهدف تؤيد ضربه وتتعاطف مع من يضربه… ونكسب مرة ثالثة بكشف النظام أمام الشعب المسلم حين ينقض علينا دفاعا عن سادته الأمريكان واليهود، مظهرا وجهه القبيح ; وجه الشرطي الأجير المتفاني في خدمة المحتلين أعداء الأمة المسلمة( ).
ومرة أخرى يحاول الظواهري رسم مسار آخر لأساليب المواجهة التي يراها ضرورية في مواجهة التفوق في الإمكانات العسكرية والبشرية التي تمتلكها الجيوش النظامية فيقول: على الحركة الإسلامية المجاهدة أن تصعد من أساليب ضربها ووسائل مقاومتها لأعدائها لكي تقابل الزيادة الهائلة في حجم أعدائها وفي نوعية أسلحتهم وفي قدراتهم التدميرية. ونركز على الآتي:
– الحرص على إحداث أكبر خسائر في الخصم وإنزال أضخم إصابات في أفراده، فهذه هي اللغة التي يفهمها الغرب مهما تكلف إعداد مثل هذه العمليات من جهد ووقت.
– التركيز على أسلوب العمليات الاستشهادية بوصفها أنجح الأساليب في النكاية في الخصم، وأقلها خسائر للمجاهدين.
– يجب اختيار الأهداف ونوع ووسيلة السلاح بحيث تؤثر على مفاصل بنيان العدو، وتردعه ردعا يكفه عن بطشه واستكباره واستهانته بكل المحرمات والأعراف، ويعود بالصراع إلى حجمه الحقيقي( ).

رابعا: القاعدة بعد 11 سبتمبر
كان من السهل علينا لو أن تنظيما مركزياً مثل القاعدة ظل داخل أفغانستان، فنحن الآن بدلاً من مواجهة هدف كبير وثابت، أصبح لدينا أهداف صغيرة متحركة في شتى أنحاء العالم، وكلها مسلحة وخطيرة، وبهذه الطريقة أصبحت حرباً أكثر صعوبة. بهذه الرؤية لخص جورج تينت، مدير جهاز الاستخبارات الأمريكي الأسبق، المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم القاعدة أثناء شهادته أمام الكونجرس. فمع دخول القوات الأمريكية إلى أفغانستان وحصار زعماء القاعدة فى جبال تورا بورا، فر الجزء الأكبر منهم إلى منطقة الحدود بين أفغانستان وباكستان.. وشرع جيل جديد من كوادر التنظيم في الاضطلاع بمسئوليات القيادة.
خريطة الجماعات الجهادية في أفغانستان قبل تفجيرات سبتمبر
كانت الحركات الجهادية في أفغانستان قبيل إعلان الولايات المتحدة الحرب على الإمارة الطالبانية قد وصلت إلى أربع عشرة حركة مستقلة عن بعضها البعض. وكانت المعسكرات الخاصة بتلك الحركات معترفا بها رسميا من قبل طالبان و تربطهم بوزارات الدفاع والداخلية والاستخبارات برامج تنسيق وتعاون، سواء فيما يتعلق بجهادهم إلى جانب طالبان، أو فيما يتعلق ببرامجهم الذاتية( ).
أ- المجموعات العربية
– تنظيم القاعدة بزعامة الشيخ أسامة بن لادن. وقد بايع بن لادن أمير المؤمنين بيعة إمامة.
– الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا، وكان أميرهم أبو عبد الله الصادق المعتقل حاليا. وركز برنامجهم على الإعداد لجهاد نظام القذافي في ليبيا والمشاركة في دعم القضايا الجهادية بشكل عام، والمساهمة في دعم طالبان.
– الجماعة الإسلامية المجاهدة في المغرب (مراكش). وركز برنامجهم على إعداد وتدريب عناصرهم الذين يفدون ويغادر أكثرهم، بهدف الجهاد ضد النظام الحاكم في المغرب الأقصى. وكان أميرهم يدعى أبو عبد الله الشريف.
– جماعة الجهاد المصرية، وكانت قد تقلصت إلى حد كبير، وركزت على إعادة بناء الجماعة ولم شتاتها بهدف جهاد النظام الحاكم في مصر. وكان أميرهم الدكتور أيمن الظواهري.
– الجماعة الإسلامية المصرية، وهي مجموعة صغيرة جدا، انحصر وجودها بصفة الهجرة, ولم يكن لها نشاط مهم بعد تبني مبادرة وقف جهاد النظام المصري التي عرفت باسم مبادرة وقف العنف. وأقام أكثر رموزهم في إيران, وانتقل بعضهم في عهد طالبان إلى أفغانستان.
– تجمع المجاهدين الجزائريين، وكان هدفهم لم شمل من استطاعوا من كوادرهم لإعادة ترتيب الجهاد في الجزائر بعد النكبات التي مني بها.
– تجمع المجاهدين من تونس، وكان هدفهم الإعداد والتدريب وجمع الشباب التونسي بغية الجهاد في تونس. وكان لمعسكرهم مساهمات تدريبية, وكان من بيهم كوادر سبق لها الجهاد في البوسنة.
– تجمع المجاهدين من الأردن وفلسطين, وركز برنامجهم على الإعداد والتدريب بهدف الجهاد في الأردن وفلسطين. وكان أميرهم أبو مصعب الزرقاوي.
– معسكر خلدن (معسكر تدريبي عام)، وهو من أقدم المعسكرات العربية, ويعود تأسيسه إلى مرحلة مكتب الخدمات والشيخ عبد الله عزام. وكان أميره الشيخ الملقب ابن الشيخ – صالح الليبي، يعاونه أبو زبيدة. وكانت أهداف المعسكر تدريبية محضة لدعم الجهاد في كل مكان. وبلغ عدد من تدربوا فيه منذ تأسيسه سنة 1989العشرين ألفا.
– معسكر الشيخ أبو خباب المصري، وهو معسكر تدريبي عام متخصص في التدريب على تصنيع المتفجرات والكيمياويات واستخدامها.
– مجموعة معسكر الغرباء، وكانت مرتبطة بالطالبان وكان لها أيضا معسكر تدريبي عام ومركز دراسات وأبحاث ومحاضرات. وقد تم تأسيسها عام 2000 كمدرسة تدريبية تقوم بالإعداد الفكري والمنهجي السياسي والشرعي والتربوي والعسكري الشامل.( )
ب- المجموعات غير العربية
– المجاهدون الأوزبك، وكانت أكبر المجموعات من حيث العدد، وانحسر برنامجهم في نقل الجهاد إلى أوزبكستان للإطاحة بنظام كريموف الشيوعي. وقد بايع أميرهم محمد طاهر جان الملا محمد عمر بيعة إمام عام، كما بايعه نائبه القائد العسكري الشهير جمعة باي. وكان لهم برنامج طموح للتجنيد والدعوة في أوساط الأفغان الأوزبك.
– المجاهدون من تركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين: وكانت مجموعة محدودة، هاجر أكثرهم فرارا من الحكم الصيني خفية، وكان برنامجهم تربويا شاملا بعيد المدى نظرا للظروف الصعبة التي يعيشها المسلمون في تركستان الشرقية بعد أن طبقت الحكومات الصينية المتعاقبة سياسة الهجرة الصينية إلى إقليمهم. وقد بايعت المجموعة الملا محمد عمر بيعة عامة أيضا، فطلب إليهم وقف برنامجهم العملي ضد الصين والاكتفاء بتربية من يلحق بهم، نظرا لحاجة الطالبان لعلاقات جيدة مع الصين توازن الضغوط الأمريكية، فالتزموا ذلك.
– المجاهدون الأتراك، وكانوا مجموعة صغيرة من الأكراد والأتراك، عملوا بشكل سري جدا، وكان برنامجهم تدريبيا فقط.
كان هذا هو واقع الحركات الجهادية العربية والأجنبية داخل أفغانستان قبيل انطلاق أول فوج من سلاح الجو الأمريكي في السابع عشر من أكتوبر حاملا معه مئات القنابل الذكية ليصبها على رؤوس الأفغان.
انتشار التنظيم وبناء الشبكة
كان أسامة بن لادن يعي جيدا ما ستقوم به الولايات المتحدة الأمريكية ردا على هجوم القاعدة على مدنها، كما كان يُقدر أن المواجهة بينه وبينهم ستطول إلى أمد غير محدود، لهذا حاول قدر استطاعته أن يعد العدة جيدا لمرحلة قد تكون من أصعب مراحل المواجهة بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق. ولعل ما كشفه خالد أبوالدهب أحد المتهمين في قضية العائدون من ألبانيا (عام 1999) في أقواله أمام النيابة العسكرية يصب في هذه المجهودات فقد كشف أبوالدهب عن رحلة سرية قام بها أيمن الظواهري إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1995، جال خلالها أكثر من ولاية، وقام بتجنيد العديد من العناصر التي أطلق عليها فيما بعد مصطلح الخلايا النائمة.
كان بن لادن قد قام باستغلال وضعه كمستشار اقتصادى لإمارة أفغانستان، ومسئول عن تسويق الأفيون في كافة أنحاء العالم في الفترة من 1996 وحتى 2001 (عندما أتخذ الملا عمر قرارا بعدم زراعته)، في إقامة مشروعات اقتصادية في عدد من دول العالم شملت أوروبا وأمريكا تصلح غطاء للخلايا النائمة من جهة، وتقوم من جهة أخرى بالحلول محل التمويل المباشر لعمليات القاعدة، والتي كان يقوم بها أسامة بن لادن عن طريق السعاة.
هذه التغييرات في بنية تنظيم القاعدة، والتي شملت استحداث مفهوم الخلايا النائمة، وخلق سبل جديدة لتمويل العمليات المستقبلية عبر مشروعات غير مكشوفة لأجهزة الاستخبارات العالمية، جعلت عملية متابعة أنشطة التنظيم عملية شديدة الصعوبة، سواء على المستوى العملياتى أو مستويات التجنيد والتمويل والتمويه.
وجاءت هجمات أكتوبر 2001 الأمريكية على أفغانستان لتمنح القاعدة، على عكس ما كان متوقعا، مجالا أوسع للحركة. فقد توزعت كوادر التنظيم على قسمين، قسم ذهب مع بن لادن والظواهري إلى منطقة القبائل، على الحدود بين باكستان وأفغانستان، والقسم الآخر خرج مستخدما الأراضي الإيرانية نحو العراق، ليستقر في مناطق الشمال التي كان يسيطر عليها آنذاك جماعة أنصار الإسلام الكردية.
كان إقليم كردستان أحد المعابر الرئيسية من وإلى أفغانستان في فترة ما قبل حرب الخليج الثانية، وظل كذلك حتى ما بعد تلك الحرب وبدايات عام 1996. لكنه تحول إلى العكس بعد شن الولايات المتحدة الحرب على أفغانستان، حيث أصبح الإقليم ملجأ لكوادر القاعدة الهاربة من جحيم القاذفات الأمريكية. فقبيل الاحتلال الأمريكي للعراق، وبعد أن قامت إيران بالقبض على بعض المتعاطفين مع حكومة طالبان والقاعدة، فر كثير منهم إلى كردستان خاصة الذين يعرفون كيف يسلكون الطرق الجبلية الوعرة. ( )
وعلى الرغم من الخسارة الفادحة التي منى بها التنظيم من جراء الحملة الأمريكية على الإرهاب ( أكثر من ثلاثة آلاف قتيل بالإضافة إلى مئات من المعتقلين والمطاردين ) إلا أن الظروف الدولية والإقليمية كانت تعمل لصالح بقائه وتجذره. كما استطاع التنظيم التجاوب مع تحديات المرحلة الجديدة بشكل يُحسد عليه، فمن الناحية التنظيمية جرى تفكيك مركزية التنظيم، وتم ابتكار أساليب جديدة في التجنيد وتأمين الأفراد والقادة وأماكن الهروب والاختفاء، وتوفير الموارد المالية اللازمة للعمليات المستقبلية، كما برز جيل جديد من القيادات الشابة فى أنحاء مختلفة من العالم، وانحصر دور القادة التاريخيين للقاعدة أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في الظهور بين الحين والآخر لرفع المعنويات وتحفيز الهمم والإعلان عن الأهداف العامة.
وعلى الصعيد العسكري تم توسيع رقعة تنفيذ العمليات العسكرية لتشمل بالإضافة لاستهداف العمق الأمريكى، ضرب عدد من المصالح الأمريكية في عدد من دول العالم المختلفة، (السعودية، والعراق) كما تم دمج عدد من الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة كأهداف لعمليات التنظيم العسكرية، على نحو ما حدث في باكستان وأسبانيا والمغرب واندونيسيا وبريطانيا ومصر والأردن.
ومن الناحية الفكرية برز فقه جديد يسعى للتعاطي مع مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بما تطرحه من تحديات أمنية وفقهية على التنظيم، فعلى الصعيد الأمني برزت كتابات مختلفة حول تأمين القيادات والأفراد، وكيفية المحافظة على المعلومات، وطرق تجنيد الأعضاء الجدد. وعلى الصعيد الفقهي سعى فقهاء التنظيم إلى التعامل مع القضايا الفقهية التي فجرتها المرحلة الجديدة، وفى مقدمتها خطف الرهائن، وذبح الأسرى، وشرعية قتل النفس مخافة إفشاء الأسرار.
هذا التطور في مسيرة القاعدة جاء استجابة لمتغيرات مفصلية جرت على أرضية المواجهة بين التنظيم والولايات المتحدة الأمريكية، كان أهمها:
أولا: الإطاحة بتنظيم طالبان الحاكم في أفغانستان، وبداية عملية مطاردة واسعة ضد قادة وعناصر القاعدة الذين كانوا يتخذون من أرض أفغانستان مأوى آمنا لهم.
ثانيا: اختفاء القادة التاريخيين لتنظيم القاعدة (أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري ) بالإضافة لمقتل وأسر عدد كبير من كوادر التنظيم القيادية.
ثالثا: إعلان الحرب على الإرهاب عالميا من خلال ائتلاف دولي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية، واعتماد الائتلاف الجديد لشعار من ليس معنا فهو ضدنا، الأمر الذي دفع بالعديد من دول العالم المختلفة وفى مقدمتها الدول العربية والإسلامية إلى تقديم مساعدات كبرى لهذا الائتلاف.
رابعا: الاحتلال الأمريكى للعراق وبروز جماعات للمقاومة تتبنى إستراتيجية القاعدة وتسير وفق منهجها.
خامسا: تبنى مجموعات المقاومة تلك لأسلوب جديد في المواجهة، شمل خطف وذبح الرهائن، واعتماد العمليات الفدائية كأسلوب وحيد في مواجهة قوات الاحتلال.
هذه المتغيرات هي التي ولدت تكتيكات جديدة، ومناهج متغيرة أضفت على تنظيم القاعدة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر شكلا جديدا.
وكان تنظيم القاعدة قد وضع خطة لهروب مقاتليه إلى العراق عن طريق الأراضي الإيرانية في حال حدوث هجوم أمريكي على أفغانستان. وقامت القاعدة بتكليف العقيد محمد مكاوي، ضابط الجيش المصري السابق ومسئول التدريب في التنظيم بهذه المهمة، نظرا لكونه مسئول الاتصال بين التنظيم والحرس الثوري الإيراني آنذاك.( )
وفي ديسمبر 2001 وصل إلى الأراضي الإيرانية بصحبة مكاوي أكثر من خمسمائة مقاتل عربي بينهم مائة من المصريين، مكثوا أكثر من شهرين في منازل مؤمنة على الحدود الإيرانية العراقية، ثم انتقلوا في فبراير 2002 إلى الأراضي التي تسيطر عليها جماعة أنصار الإسلام الكردية الأصولية التي ظلت توفر المأوى والتدريب لكوادر تنظيم القاعدة حتى مارس 2003 عندما شنت الحكومة الأمريكية هجوما مكثفا على مواقع الجماعة.
وبعد تدمير مناطق الجماعة (الطويلة والبيارة)، بدأ المقاتلون العرب ومعهم قادة جماعة أنصار الإسلام في التسلل إلى بغداد والمدن السنية العراقية، وكان في مقدمة هؤلاء جماعة جند الشام التي كان يقودها آنذاك أبو مصعب الزرقاوي، وقد أطلق عليها الزرقاوي ـ فيما بعد ـ اسم جماعة التوحيد والجهاد، نظرا لدخول معظم كوادر جماعة الجهاد المصرية إليها.( ) وقد انتشر هؤلاء المقاتلون في البداية في المدن التي كانت تخضع لنفوذ عدد من قادة وأنصار نظام صدام حسين، خاصة ضباط الحرس الجمهوري والمخابرات العامة. وقدر عدد من الخبراء الأمنيين العراقيين عدد المقاتلين العرب بشكل عام بخمسة آلاف.
وبعد فتح جبهة العراق واستقرارها سعت القاعدة إلى فتح عدد آخر من الجبهات، خاصة بعد الخسائر التي منى بها التنظيم على الجبهة السعودية. فقد سعى التنظيم إلى فتح الجبهة الأوروبية منذ مارس عام 2004 عندما قام بأولى عملياته في مدريد، ثم جاءت تفجيرات لندن لتعلن عن الوجود الفعلي والقوى للتنظيم في أوروبا.
ولم يقتصر توسيع نطاق عمل شبكة القاعدة على العراق وأوروبا فقط، فقد شمل ذلك أيضا فلسطين ومصر. فقد لاحظ المراقبون والخبراء في شئون الحركات الإسلامية تغيرا ملحوظا في الرسالة الأخيرة التي بثها تليفزيون الجزيرة قبل عشرة أيام من تفجيرات طابا ( ) منسوبة إلى أيمن الظواهري القائد الميداني لتنظيم القاعدة. ففي سياق حديثه عن إعادة تنظيم المجاهدين لأنفسهم، أورد فلسطين مضافة إلى أفغانستان والعراق والشيشان ربما للمرة الأولى. لقد كان الظواهري يعي ما يقوله جيدا. فطوال أكثر من ثلاث سنوات مضت على تفجيرات سبتمبر 2001، كانت فلسطين هي نقطة الضعف الوحيدة التي يستخدمها منتقدو القاعدة وبن لادن، فالتنظيم – الأكثر حماسة للقضية الفلسطينية – لم يقدم شيئا يذكر إليها، لا على الصعيد المادي ولا على الصعيد المعنوي، وذلك رغم الشعارات العديدة التي رفعها ضمن هذا السياق.
لذا كانت دعوة الظواهري للشباب في أكثر من مناسبة للجهاد (وفق طريقته)، نيلا من اليهود في أي بقعة من العالم انتصارا للقضية الفلسطينية. وفي الرسالة نفسها يعيد الظواهري تأكيد مقولته، مشددا على إن الدفاع عن فلسطين ليس حماسا وطنيا ولا عصبية قومية ولا صراعا سياسيا، ولكنه قضية شرعية قبل كل شيء. فتحرير فلسطين فريضة عينية على كل مسلم، ولذا لا يستطيع المسلمون أن يتنازلوا عن فلسطين حتى ولو تخلت الدنيا كلها عنها.
وإذا أخذنا في الاعتبار تحفظ حماس وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية على قضية نقل الصراع مع العدو الصهيوني إلى خارج الأرض المحتلة، واعتباره خطا أحمر، كان لا بد أن نتوقع سرعة ظهور تيار جهادي ينطلق من أفكار القاعدة، يسعى للتصدي لهذه المهمة (نقل الصراع مع العدو الصهيوني خارج الأرض المحتلة). بل كان من المستغرب تأخر ظهور هذا التيار في تلك الأرض التي جعلها شارون بجرائمه اليومية ضد المدنيين العزل تربة صالحة لهذا النبت.
ثم جاءت عملية طابا في مصر لتؤكد توسيع نطاق المواجهة ليشمل مصر. ويستند تحليلنا لارتباط منفذي تفجير طابا فكريا بتنظيم القاعدة، إلى العوامل التالية:
– دقة التنفيذ الذي تميزت به العملية، الأمر الذي يوحي بمهارة وحسن تدريب المنفذين، وهذا يحتاج إلى وقت طويل وتدريب عال لا يمكن توافره إلا في منطقة يكثر فيها حائزو السلاح وتتراخى فيها القبضة الأمنية بشكل ملحوظ.
– محاولات تنظيم القاعدة منذ أكثر من ثلاث سنوات التواجد داخل المثلث (الأردني ـ المصري ـ الفلسطيني)، في محاولة منه للتعاطي بشكل مباشر مع ساحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو ما كشف عنه أكثر من بلد في المنطقة (إسرائيل والأردن).
– إعلان ثلاثة تنظيمات مجهولة مسئوليتها عن عملية التنفيذ (أهمهم على الإطلاق كتائب عبد الله عزام – تنظيم القاعدة في بلاد الشام وأرض الكنانة)، الأمر الذي يؤكد بكارة هذه التنظيمات التي تحاول تدشين عضويتها في شبكة القاعدة، عبر عملية عسكرية تهديها للتنظيم، كما حدث من قبل في كل من بالي والمغرب وتونس ومدريد.
ولم يمض زمن قليل على تبلور الرؤية السابقة ( ) إلا وفاجأتنا أحداث شرم الشيخ، وبعدها محاولات نفس التنظيم ( كتائب عبد الله عزام ) إطلاق صواريخ كاتيوشا على بارجة أمريكية كانت ترسو بميناء العقبة الأردني. إن هذه الإشارات تؤكد جميعها نجاح تنظيم القاعدة في اختراق هذا المثلث من العالم العربى، الأمر الذي سيكون له توابع خطيرة في المستقبل، خاصة بعدما طور التنظيم رؤيته الأمنية بشكل يصعب معه متابعة عناصره والقبض عليها قبل تنفيذها للأهداف التي خططت لها.
خاتمة: ماذا بعد؟
لقد استطاع تنظيم القاعدة، أن يتحول (خلال الأربع سنوات الماضية) من تنظيم هيكلي يمكن القضاء عليه باستهداف قادته البارزين وتجفيف منابع تمويله إلى حالة تسري في عقول ملايين من المسلمين المضطهدين حول العالم. وكسر التنظيم (الأخطر في العالم حتى الآن) حلقة الهيكلية، قافزا إلى مرحلة من التطور لم يصل إليها أي تنظيم عقائدى في العصر الحديث. وهو الطور الذي جسده ودعا إليه أيمن الظواهري القائد الميداني للتنظيم في كتابه فرسان تحت راية النبي، عندما دعا الى ضرورة تقسيم العالم إلى حلفين: حلف يضم القوى الغربية المعادية للإسلام (على حد زعمه)، ومعها روسيا والحكام التابعون لهم في الدول العربية والإسلامية، وحلف إسلامي يضم حركات الجهاد في بلاد العالم الإسلامي المختلفة.
وأشار الظواهري – في دعوته السابق الإشارة إليها – الى أن القوى المشاركة في الحلف الأول (حلف الصليبيين) حصرت عدوها بوضوح، في الأصولية الإسلامية، واتخذت لمحاربته أدوات عديدة منها: الأمم المتحدة، والحكام الطواغيت في الدول العربية والإسلامية، والشركات متعددة الجنسية، وأنظمة الاتصال الدولية وتبادل المعلومات، ووكالات الأنباء العالمية وقنوات الإعلام الفضائية، ومنظمات الإغاثة الدولية. وشدد الظواهري على أن حلف الأصوليين قد تبنى الجهاد أداة وحيدة في مواجهة كل هذه الأدوات التي يملكها حلف الصليبيين.
وبينما كان الهدف النهائي الذي تمحورت حوله كافة الحركات الإسلامية الجهادية في العالمين العربي والإسلامي طوال القرن العشرين هو الوصول إلى السلطة وتأسيس الدولة الإسلامية، عبر حسم المواجهة مع العدو القريب ممثلا في الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، فاجأ الظواهري قادة وكوادر هذه الحركات بتغيير تلك الاستراتيجية (خلال الأربع سنوات السابقة)، بالإعلان عن عدم إمكانية خوض الصراع من أجل إقامة الدولة الإسلامية على أنه صراع إقليمي، مضيفا: إن التحالف الصليبي اليهودي بزعامة أمريكا لن يسمح لأية قوة مسلمة بالوصول للحكم في أي من بلاد المسلمين، وأنه سيحشد كل طاقاته لضربها وإزالتها من الحكم إن تمكنت من الوصول. وأنهى الظواهري رؤيته بالقول: إننا تكيفا مع هذا الوضع الجديد، يجب أن نعد أنفسنا لمعركة لا تقتصر على إقليم واحد، بل تشمل العدو الداخلي المرتد والعدو الخارجي الصليبي ـ اليهودي.
وحصر الظواهري دوره ودور زعماء القاعدة وفق الاستراتيجية الجديدة في التوعية والتحريض، مؤكدا أن القيادة عليها أن تخوض معركة توعية الأمة عن طريق: كشف الحكام المحاربين للإسلام، وإبراز أهمية عقيدة الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين لدى كل مسلم. وتحميله المسئولية الكاملة في الدفاع عن الإسلام ومقدساته وأمته ودياره.
ولم ينس الظواهرى وقادة التنظيم الجديد في خضم انشغالهم ببناء مشروعهم الجديد أن يختلقوا لغة وأسلوبا جديدا في التجنيد، وهو ما أطلقنا عليه التجنيد عن بعد أو التجنيد الفكرى مستغلين إمكانات شبكة الإنترنت وسبل الاتصال الحديثة، وهو ما أنتج جيلا جديدا من القاعدة لم ولن يرى بن لادن أو الظواهرى، ولكنه مقتنع بخطاب القاعدة ويقوم بتنفيذ توجيهات قادتها دون أن يسأل أو يتساءل عن نتائج أفعاله. وهو ما وفر الآن خلايا عديدة تتحرك في جميع أنحاء العالم وفق توجيهات عامة، هدفها الرئيسى إلحاق الأذى بكل أطياف وأعضاء حلف أعداء بن لادن وتنظيم القاعدة من الصليبيين والأمريكيين والغربيين وحكومات الدول العميلة لهذا الحلف (وفق تصور ورؤية بن لادن). الأمر الأخطر هو ميلاد عدد من مسارح العمليات على ساحة الإرهاب تحت تأثير عامل عولمة الإرهاب من جهة، وسهولة الاتصال من جهة أخرى. أخطر هذه المسارح على الإطلاق (بجانب المسرحين الأوروبى والأمريكى) هو مسرح عمليات منطقة شمال البحر الأحمر الذي يضم طابا وشرم الشيخ وإيلات والعقبة.. الخ والذي أصبح بديلا فعليا لأفغانستان في مجالات التدريب والتجنيد والشحن المادى والمعنوى، وبديلا للمملكة العربية السعودية التى باتت ساحة طرد لعناصر القاعدة المدربة بعد مواجهات أمنية عنيفة خسرت فيها القاعدة الكثير. هذا بالإضافة الى ظروف المنطقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى تدفع المزيد من شبابها الى تبنى مزيد من العنف في مواجهة مثلث القمع الحكومي – الأمريكي – الصهيوني. الأمر الذي يضعنا جميعا هنا في منطقة الشرق الأوسط في مرمى نيران عمياء لا تملك إستراتيجية، ولا تسعى وراء هدف، شعارها الأهم هو إرهاب الجميع.

ملحق
(أبرز الاعتداءات التي تبناها تنظيم القاعدة أو نسبت إليه)
‘ 26 فبراير 1993: عملية تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، والتى أسفرت عن ستة قتلى وألف جريح.
‘ 13 نوفمبر 1995: انفجار سيارة مفخخة في الرياض بالسعودية أمام مبنى للحرس الوطني السعودي والذى أسفر عن مقتل خمسة جنود أمريكيين وهنديين.
‘ 25يونيو 1996: شاحنة مفخخة تدمر مدخل القاعدة الأمريكية في الخبر قرب الظهران شرق السعودية، وتسفر عن سقوط 19 قتيلا جميعهم أمريكيون و386 جريحا.
‘ 7 أغسطس 1998: سيارتان مفخختان تنفجران قرب سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام بكينيا وتنزانيا، وتسفران عن 224 قتيلا بينهم 12 أمريكيا وآلاف الجرحى.
‘ 12 أكتوبر 2000: مقتل 17 جنديا أمريكيا وجرح 38 آخرين في عملية انتحارية أستهدفت المدمرة الأمريكية كول في عدن باليمن.
‘ 11سبتمبر 2001: انتحاريون يخطفون أربع طائرات تضرب اثنتان منها برجي التجارة العالميين في نيويورك فيما تسقط الثالثة فوق مبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن وتتحطم الرابعة في بنسلفانيا وجميعهم بالولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت حصيلة القتلى 2978 قتيلا.
‘ 11 أبريل 2002: مقتل 21 شخصا بينهم 14 ألمانيا في عملية انتحارية ضد كنيس يهودي في جربة جنوب تونس.
‘ 8 مايو 2002: عملية انتحارية بسيارة مفخخة في باكستان تستهدف حافلة تنقل عاملين في إدارة بناء المنشآت البحرية الفرنسية وتقتل 14 شخصا بينهم 11 فرنسيا.
‘ 6 أكتوبر 2002: اعتداء على ناقلة النفط الفرنسية ‘ليمبورغ’ في بحر اليمن باليمن يؤدي إلى مقتل أحد أفراد طاقمها.
‘ 12 أكتوبر 2002: اعتداء بسيارة مفخخة يستهدف متجرا لبيع الأسطوانات في بالي بإندونيسيا، ويسفر عن 202 قتيل و300 جريح معظمهم أستراليون.
‘ 28 نوفمبر 2002: مقتل 18 شخصا في عملية انتحارية استهدفت فندقا ينزل فيه إسرائيليون في مومباسا على الساحل الكيني بكينيا، وفي الوقت نفسه نجاة طائرة إسرائيلية من صاروخين استهدفاها فيما كانت تقلع من مومباسا.
‘ 12 مايو 2003: عملية انتحارية استهدفت مجمعا سكنيا في الرياض بالسعودية، وتؤدي إلى مقتل 35 شخصا بينهم تسعة أمريكيين و12 انتحاريا.
‘ 16 مايو 2003: خمسة اعتداءات شبه متزامنة تستهدف مطاعم وفنادق يرتادها أجانب ومراكز يهودية في الدار البيضاء بالمغرب، وتسفر عن سقوط 45 قتيلا بينهم 12 انتحاريا ومائة جريح.
‘ 5 أغسطس 2003: عملية انتحارية ضد فندق ماريوت الأمريكي في وسط جاكرتا بإندونيسيا، تؤدي إلى مقتل 12 شخصا وجرح نحو 150 آخرين.
‘ 8 نوفمبر 2003 : عملية انتحارية بسيارة مفخخة تستهدف مجمعا سكنيا في الضاحية الغربية للرياض بالسعودية، نتج عنها 17 قتيلا وأكثر من مائة جريح.
‘ 15 و20 نوفمبر 2003: أربع عمليات انتحارية بسيارات مفخخة في أسطنبول بتركيا، تفصل بينها خمسة أيام ضد كنيسين يهوديين والقنصلية البريطانية والمصرف البريطاني اتش اس بي سي تسفر عن 63 قتيلا بينهم القنصل العام البريطاني ومئات الجرحى.
‘ الأول من فبراير 2004: مقتل 105 اشخاص في عملية انتحارية مزدوجة في أربيل (شمال العراق) ضد مقري أبرز حزبين كرديين الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
‘ 11 مارس 2004: مقتل 191 شخصا وجرح نحو 2000 في سلسلة اعتداءات استهدفت قطارات عدة في ثلاث محطات في العاصمة الإسبانية مدريد وضاحيتها.
‘ 29 ـ30 مايو 2004: هجمات واحتجاز رهائن في الخبر (شرق المملكة السعودية ) تؤدي إلى مقتل 22 شخصا بينهم اربعة غربيين.
‘ 24 يونيو 2004: سلسلة اعتداءات ضد قوات الشرطة بالعراق تلتها أعمال عنف اسفرت عن سقوط أكثر من مائة قتيل و300 جريح في المدن السنية في شمال بغداد وغربها (الموصل وبعقوبة والرمادي…).
‘ 9 سبتمبر 2004: سبعة قتلى على الأقل ومائة جريح في جاكرتا بإندونيسيا، في اعتداء أمام مبنى السفارة الأسترالية.
‘ 8 أكتوبر 2004: ثلاثة اعتداءات ضد مواقع سياحية في شبه جزيرة سيناء (مصر)، يرتادها سياح اسرائيليون تسفر عن 34 قتيلا وأكثر من مائة جريح.
‘ 6 ديسمبر 2004: أول هجوم على بعثة دبلوماسية في السعودية يستهدف القنصلية الأمريكية في جدة (غرب السعودية ) ويسفر عن تسعة قتلى بينهم أربعة من المهاجمين.
‘ 21 ديسمبر 2004: مقتل 22بالعراق بينهم 14 جنديا أمريكيا في انفجار استهدف قاعدة عسكرية أمريكية في الموصل.
‘ 14 فبراير 2005: ثلاث عمليات تفجير متزامنة تسفر عن مقتل 12 شخصا وجرح أكثر من 130 اخرين في مانيلا وفي جنرال سانتوس ودافاو جنوبا ( جميعها بالفيلبين).
‘ 28 فبراير 2004: انفجار سيارة مفخخة بالعراق يؤدي إلى مقتل 118 شخصا وجرح أكثر من 150 آخرين في قضاء الحلة. وتبناه تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذى يقوده أبومصعب الزرقاوى.
‘ 7 يوليو 2004: سلسلة اعتداءات تضرب قطارات الأنفاق والحافلات في لندن بالمملكة المتحدة في اليوم الأول من قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى في (جلين إيجلز) في اسكتلندا. وتبنتها قاعدة الجهاد ( لواء أوروبا).
‘ 21 يوليو 2004: سلسلة ثانية من عمليات التفجير في ثلاث محطات للقطارات وحافلة في لندن بالمملكة المتحدة، لا تسفر عن ضحايا. وتبنتها نفس المجموعة.
‘ 22- 23 يوليو 2005: سلسلة اعتداءات في مواقع سياحية في منتجع شرم الشيخ في مصر تسفر عن سقوط 88 قتيلا.
‘ 19 أغسطس 2005: اعتداء بالصواريخ على ميناءى العقبة الأردنى، وإيلات الإسرائيلى، يسفر عن مقتل جندى أردنى وجرح آخر.

-- عبدالرحيم علي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*