الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » تَمدُّد القاعدة

تَمدُّد القاعدة

كشف اعتقال الشاب النيجيري “عمر فاروق عبد المطلب” الذي حاول من خلال تجربة فاشلة تفجير طائرة أمريكية كانت تقوم برحلة من أمستردام إلى ديترويت في 25 ديسمبر 2009، عن صورة مغايرة لما في مخيلاتنا، وما تتضمنه تحليلاتنا التي تعاني في الغالب من استقراءات ناقصة، وقصور في تقدير قوة التنظيم الحقيقية باليمن.
وبرغم التعاون الاستخباراتي بين الحكومة اليمنية والولايات المتحدة الأمريكية فإن ذلك لم يحد من نشاطه، ولم ينل من قوته، بل تطور بشكل لافت ليصل لمرحلة التجنيد والتدريب وإطلاق المهام من داخل اليمن، خاصة بعد توحده في يناير من العام المنصرم تحت قيادة واحدة بين أبناء التنظيم في اليمن والسعودية، بقيادة عبد الكريم الوحشي اليمني ومحمد العكمي السعودي، واللذين أطلقا على التنظيم الوحدوي الوليد اسم “تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية”.
وهو ما أكدته التحقيقات الجارية مع الشاب النيجيري التي كشفت النقاب عن تلقيه تدريبات جادة ومكثفة أكثر خطورة في اليمن، بدءا من التدريب العسكري، وانتهاء بصناعة المتفجرات، والقيام بعمليات نوعية كخطف الطائرات وما شابه، الأمر الذي أعاد القاعدة في اليمن إلى الواجهة مرة أخرى.
القاعدة والجنوب
تزامنت تلك الأحداث مع الظهور القوي لقادة القاعدة في الجنوب اليمني إبان تشييع قتلى غارات الطائرات اليمنية على قرى جنوبية يشتبه أنها مراكز لإيواء أعداد كبيرة لناشطي القاعدة ومحور تمركزهم في الرابع والعشرين من الشهر الفائت، تلك الضربات الجوية التي نجحت في القضاء على أسماء قيادية تابعة للقاعدة، وعلى رأسهم سعد القحطاني، دفعت أبناء التنظيم إلى أن يكشروا عن أنيابهم، ويحققوا ظهورا علنيا جديدا لأول مرة، بل يندفع “محمد العمير” أحد القيادات إلى الإعلان من خلال مكبر الصوت أنهم ليسوا في مواجهة مع الجيش اليمني، وإنما مع الولايات المتحدة وعملائها في المنطقة، هذا الظهور يعكس حجم الأرضية الصلبة التي يرتكز عليها التنظيم، ولولاها لما غامر بالظهور.
وقد جاء الحضور القوي واللافت للقاعدة في جزيرة العرب في خِضم مشهد سياسي مضطرب، إثر محاولات جادة وحثيثة لما يسمى بالحراك الجنوبي نحو الانفصال عن الشمال، وحرب طاحنة تشنها القوات الحكومية على جيوب الحوثيين في المناطق الجبلية الوعرة في صعدة وما حولها، ناهيك عن مشاكل الفقر والتهميش السياسي لأحزاب المعارضة في البلاد، والتي تأتي بأكملها في صالح القاعدة التي تراهن بكل قوة على هذه الظروف، والواقع المضطرب، واستياء قطاع عريض من اليمنيين لتلك الأحداث؛ مما يؤهل التنظيم لاستقطاب وتجنيد المزيد من الشباب الراغب في التغيير، ناهيك عن طريقته وأيديولوجيته.
إعادة التوطين
المحاولة الفاشلة لتفجير الطائرة، والتي أدت إلى اعتقال الشاب النيجيري، أعادت لأذهان الغرب والأمريكيين فاجعة حادثة الحادي عشر من سبتمبر، الأمر الذي دفع “جون بيرنان” كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشئون مكافحة الإرهاب إلى أن يؤكد أن عناصر القاعدة في جزيرة العرب يمثلون تهديدا خطيرا لأمن المنطقة، وجاءت تصريحات مسئولين غربيين لصحيفة وول ستريت جورنال بأن تنظيم القاعدة في الوقت الحالي يعيد توطين عناصره في اليمن؛ نتيجة للضغوط العسكرية التي تتعرض لها الجماعات التابعة له في مناطق أخرى مثل باكستان والعراق والسعودية.
إلا أن هذه الصورة التي يتداولها الخبراء ناقصة بعض الشيء؛ لأن القاعدة لم تغادر اليمن مطلقًا، ومن ثم عادت إليه من جديد، وإنما هي أعين المحللين والخبراء التي نأت بنفسها عن تتبع تواجد خلايا القاعدة في الجنوب اليمني خلال السنوات التسع الماضية، والتي أصبحت بمثابة مركز إلهام وإرشاد العديد من الخلايا الجهادية في جميع أنحاء العالم، خاصة بعد فرض الطوق الأمني على مناطق أفغانستان وباكستان، وأكثر دليل على ذلك حينما نعرف أن “أنور العولقي” -إمام وخطيب مسجد دار الهجرة بولاية فيرجينيا السابق، والذي غادر الولايات المتحدة في أعقاب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، ومكث منذ هذه الفترة إلى الآن باليمن- كان على صلة وثيقة بحادثتين هزتا البيت الأبيض والعالم أجمع هما: حادثة إطلاق النار من قِبل جندي مسلم يدعى “نضال حسن” في الخامس من نوفمبر الماضي داخل قاعدة فورت بولاية تكساس؛ مما أسفر عن مقتل 13 شخصا وإصابة 42 بجروح، والأخيرة وهي المحاولة الفاشلة من قبل الشاب النيجيري لتفجير الطائرة الأمريكية.
العلاقة التي أكدها “جون بيرنان” بأن العولقي كان على علاقة مسبقة بالجندي الأمريكي نضال، وذكر العولقي أيضا في تصريح له بأن الشاب “نضال” تطرق معه عام 2008م إلى كيفية قتل أمريكيين، وأكد أن معرفته به ترجع إلى ما يقرب نحو تسع سنوات، وجاءت اعترافات الشاب النيجيري لتؤكد العلاقة مع الرجل نفسه مرة أخرى.
وتدفعنا هذه الشواهد إلى القول بأن القاعدة في جزيرة العرب باتت العقل المدبر، والجسد المخطط للعديد من العمليات الإرهابية الأخيرة في مناطق مختلفة في العالم.
شباب المجاهدين والقاعدة
على الجانب الآخر الأكثر التصاقا بالقاعدة في جزيرة العرب كانت هناك مفاجأة من العيار الثقيل أطلقتها حركة الشباب الصومالية، حينما قام الشيخ “مختار روبو أبو منصور” -القيادي في حركة الشباب الموالية للقاعدة بمقديشو- بالإعلان صراحة أمام وسائل الإعلام الغربية والعربية وغيرها استعداده الكامل والتام إرسال مقاتلين إلى اليمن لمحاربة أعداء الله على حد وصفه، وهي الدعوة التي أضافت بعدا جديدا وغريبا في تاريخ تنظيم القاعدة منذ تأسيسه في تسعينيات القرن الفائت إلى يومنا هذا، والذي يمكن تسميته نشوء “دول قاعدية وليدة” تدعو -في العلن وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع- إلى الاستنفار والجهاد، ولا تلجأ إلى الجبال خشية الفتك بها أو القضاء عليها، كما أنها تظهر بشكل لافت في تجمعات ضخمة تعلوها لافتاتها وأعلامها وهتافاتها.
القاعدة تتحول الآن بقوة نحو العلانية والظهور؛ مما يؤكد حجم الخطر الحقيقي الذي تتشكل به القاعدة الآن.. فأين إذن علامات الأفول والتراجع كما يقول بعض المحللين!!! فما بين الظهور والدعوات في الصومال وتجمعات القاعدة في الجنوب اليمني يدق ناقوس الخطر، وتكسب القاعدة جولة أخرى، وأرضًا جديدة؛ مما عكس قدرة التنظيم على الحفاظ -ليس على بقائه فقط- بل ونموه وتنميته وتطوير أيديولوجيته.
هذا الشكل الجديد من دعوات الاستنفار في صفوف حركة الشباب الصومالية لمؤازرة القاعدة في جزيرة العرب من شأنه أن يعزز من دور وتواجد القاعدة في القرن الإفريقي مما يجعله تهديدا حقيقيا لأمن المنطقة بأكملها في هذه البقعة الأكثر حساسية وأشد ارتباكا، فالحركة ترسل من الصومال رسالة إلى القاعدة في الجزيرة رسالة مفادها أننا ظهركم الواقي، ومددكم وعونكم في مواجهتكم الحتمية القادمة مع الحكومة اليمنية وداعميها من التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يؤكده “خليل عناني” المتخصص في حركات الإسلام السياسي بقوله إن اليمن والصومال أصبحا مركزي التجنيد والتعبئة الجديدتين، ويسوق دليلا على ذلك وهو أن الشاب النيجيري المعتقل ذهب إلى اليمن قبل أشهر قليله من محاولته البائسة، وحصل على تدريبات عسكرية ضمن معسكرات التدريب التابعة للقاعدة هناك.
وأضاف نحن إزاء تطور نوعي في أداء تنظيم القاعدة في قاعدته الجديدة في اليمن التي لم تعد مجرد مركز للتجنيد والتعبئة، وإنما أيضا للتخطيط والتنفيذ.
مرحلة جديدة
يستعد النظام اليمني الآن لخوض مرحلة جديدة هي الأصعب منذ توليه السلطة، فشبح الانقسام بات قاب قوسين أو أدنى خلال تصاعد قوى الحراك، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب هو الأكثر خطرا على بقائه واستقراره، وعلى الرغم من قيام الحكومة -المدعومة من الغرب وأمريكا لوجيستيا وعسكريا- بحملة عسكرية شاملة ضد التنظيم، فإن هذا لم يقف حائلا دون تحدي التنظيم وبشكل علني لهذه الحملة ومن يقف وراءها، بل تعدى ذلك إلى الوعيد من قِبل قادة التنظيم للنظام اليمني وحكومته وداعميه؛ مما يعكس القوة الحقيقية للتنظيم الذي استفاد من السنوات الهادئة الماضية، وأعاد ترتيب أوراقه من جديد؛ مما يجعله يقدم بذلك اختراقا غير مسبوق على مستوى الخريطة الجهادية العالمية وتدشين نفسه وريثا رسميا لتنظيم القاعدة الأم في أفغانستان.
تشير هذه الشواهد إلى أن الحديث عن أفول القاعدة واختلال بنيتها التنظيمية واحتراقها في الهواء – استقراء غير دقيق لواقع أنشطة القاعدة ليس في منطقة القرن الإفريقي فحسب، وإنما في العالم أجمع، فلا زال خطر القاعدة قائما، ويتمدد أكثر فأكثر بفعل التصرفات الحمقاء للإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي تصب في صالح القاعدة في نهاية المطاف.
ويعطي الظهور العلني للقاعدة في هذه المنطقة بعدا إستراتيجيا جديدا، فهي قد خرجت من الكهوف والأكواخ إلى العلن، ففكرة تصدير الدولة القاعدية القادرة على تشكيل حدودها والحفاظ عليها خرجت من عالم الخيالات إلى الواقع المحسوس؛ مما يسوقنا إلى رؤية أكثر وضوحًا للواقع الفعلي للقاعدة الذي انطلق من فكرة التراجع والأفول التي طرحناها إلى واقع التمدد الذي رأيناه.
حقيقة القول: إن الظرف الزمني الآن يخدم القاعدة بشكل كبير، فاليمن التي تخوض ثلاث حروب دفعة واحدة، من بينها القضاء على القاعدة؛ ولذا فهي تجعل القوى اليمنية أكثر ضعفا من ذي قبل، وينعكس ذلك على الاستقرار في الداخل اليمني مما يزعزعه، وتتسبب في فوضى تستفيد منها الأطراف المتصارعة مع النظام اليمني، بالإضافة إلى تصاعد دعوات الانفصال التي ينادي بها الحراك الجنوبي توازيا مع التمرد الحوثي الشيعي الذي يؤرق اليمن والدول التي توصف بمحور الاعتدال، كل ذلك يجعل النيل من التنظيم أكثر صعوبة، ويجعل مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها أكثر إظلاما.
________________________________________

المصدر:http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1264249746970&pagename=Islamyoun/IYALayout#ixzz0k8LVStO2

-- مصطفى زهران

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*