الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » تنامي "الإسلام الجهادي" في آسيا الوسطى

تنامي "الإسلام الجهادي" في آسيا الوسطى

يبدو أن حالة عدم الاستقرار وغياب الأمن التي تهيمن على مجمل الأوضاع في وسط آسيا، فبدأت تشكل مصدر قلقٍ إضافي للولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً والغرب عموماً.
فمنذ مطلع عام 2009 وحتى الوقت الراهن باتت عمليات التسلل التي يقوم بها أعضاء الحركة الإسلامية الأوزبكية وغيرها من الحركات الإسلامية الراديكالية في المنطقة عبر الحدود الشمالية لأفغانستان تجري بشكل شبه يومي، وبأعداد غير مسبوقة من قبل المسلحين، ويبدو أن هذه المنطقة بانتظار شيء ما سيحدث في القريب العاجل، فالتدفق غير المسبوق لهؤلاء المسلحين والذي رصدته الأجهزة المختصة في جمهوريات آسيا الوسطى وتناقلته وسائل الإعلام الأوزبكية والطاجيكية والقيرغيزية والروسية، يوحي ببدء مرحلة أو خطة جديد بدأت الحركة الإسلامية الأوزبكية واتحاد الجهاد الإسلامي وحركة طالبان والقاعدة بتنفيذ بنودها الرامية إلى العمل على انتشار وتوسيع وفتح جبهات جديدة في مواجهة القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو، وتحديداً في دول آسيا الوسطى.
وبحسب وجهات النظر لكثير من المختصين والخبراء في شؤون الحركات الإسلامية الراديكالية في هذه المنطقة، فإن الخطة المشار إليها سابقاً من شأنها جرّ الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها إلى الدخول إلى ساحة قتالٍ في منطقة جغرافية شاسعة ومتداخلة وذات طبيعة جغرافية صعبة وقاسية، سوف يكون لها أثر كبير وبالغ الخطورة في عملية استنزاف موارد وطاقات وقوة الجيش الأمريكي وجيوش قوات التحالف .
ولا يخفى على أحد في الوقت الراهن بأن قادة حركة طالبان والقاعدة والحركات الإسلامية الراديكالية في آسيا الوسطى يتواجد معظمهم في أفغانستان وباكستان، ويعملون منذ وقت طويل على انجاز خطط مضادة بديلة للحيلولة دون حدوث مجمل التأثيرات السلبية والخلل الذي يمكن أن تتسبب به الزيادة العددية الكبيرة التي تمت مطلع هذا العام 2010 وفقاً للإستراتيجية العسكرية الجديدة التي أقرها الرئيس أوباما بناءاً على توصيات القادة العسكريين وفي مقدمتهم “استانلي مكريستال” قائد القوات الأمريكية والأجنبية في أفغانستان والتي تنص على زيادة عدد جنود الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو في أفغانستان، وقد باشر قادة حركة طالبان والحركات المساندة لها بإشراف مباشر من الملا بادار نائب الملا محمد عمر وطاهر يولداشيف قائد الحركة الإسلامية الأوزبكية الراديكالية ونائبه عبد الرحمن يوديرا بإصدار الأوامر لكافة العناصر والمقاتلين والقادة الميدانيين بالانتشار في منطقة آسيا الوسطى والعمل على فتح جبهات جديدة من شانها استنزاف قوات التحالف .
أهمية المنطقة للتنظيمات الجهادية
وتكمن أهمية هذه المنطقة بالنسبة للمقاتلين في هذه التنظيمات الراديكالية في قربها الجغرافي من أفغانستان، ناهيك على أن الكثير من أفراد هذه الحركات والتي تقاتل إلى جانب حركة طالبان والقاعدة في أفغانستان وباكستان هم من مقاتلي الحركة الإسلامية الاوزبكية واتحاد الجهاد الإسلامي والحركة الإسلامية لتركستان الشرقية والذين ينتمون عرقيا إلى الفسيفساء المكونة لإثنية المنطقة والذين يرجعون في أصولهم إلى العرق التركي في آسيا الوسطى.
إن تسارع الأخبار القادمة من بلدان آسيا الوسطى المتضمنة معلومات عن انضمام الكثير من الشباب في آسيا الوسطى إلى صفوف الحركات الراديكالية في تلك البلدان بات يشكل تهديداً فعليا للقيادة العسكرية الأمريكية، ويرى الكثير من الخبراء أن أسباب انتشار هذا التوجه في المنطقة يعود إلى سخط شعوب هذه الدول من تفاقم وانتشار الفقر وتردي الأوضاع الاقتصادية والفساد والديكتاتورية التي تمارسها الأنظمة الحاكمة وخاصة في كل من طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان .
وفي هذا السياق يبرز تساؤل مهم حول الأهمية الحيوية التي تتمتع بها هذه المنطقة، ولا يخفى على أحد بأن منطقة وسط آسيا تقع بين الصين وروسيا وأفغانستان وبحر قزوين وهي منطقة شاسعة على درجة عالية من الأهمية الإستراتيجية جفرافيا وديموجرافيا فهي ذات أغلبية سكانية مسلمة، تتكون من سلسلةٍ من الجبال والسهول القاحلة، وقد كانت منذ القرن التاسع عشر تقبع تحت سطوة الاستعمار الروسي واعتبرت هذه الأراضي مناطق معزولة عن العالم، ولم يصبح لها أي أهمية دولية وجيوسياسية إلا بسبب قربها من أفغانستان، وذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد أفرزت هذه الأحداث مواقف جديدة أصبحت بموجبها حكومات جمهوريات آسيا الوسطى الجديدة لاعباً وداعماً ومسانداً قوياً لسياسة ما يسمى “الحرب على الإرهاب” التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، التي استهلت بغزو أفغانستان، وقد سمحت كل من أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان في إطار السياسات الجديدة لقوات حلف الناتو باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية لدعم عمليات الحلف ضد حركة طالبان، ونتيجة لهذا التعاون زجت هذه المنطقة نفسها في حرب خاسرة كانت بغنى عنها، إذ تورطت دول آسيا الوسطى خلال فترة زمنية قصيرة في جبهة أمامية متقدمة في إطار نزاع دولي يبدو أنها غير قادرة على تجنب عواقبه، فقد أدت موجة الهجمات التي تقوم بها الجماعات الإسلامية المدعومة والمتحالفة مع حركة طالبان على خطوط إمدادات قوات الناتو في باكستان التي تمر عبر ممر خيبر الاستراتيجي إلى إجبار الولايات المتحدة والغرب على البحث عن طرق بديلة لإيصال الشحنات والإمدادات إلى قواتهم في أفغانستان وذلك عن طريق ما يسمى بالممر الشمالي، والذي يخترق وبشكل ملتوي بلدان وسط آسيا .
إن ضمان استقرار الأمن في وسط اسيا يعتبر الآن أساسيا بالنسبة لجهود الغرب في انتصار حربهم في أفغانستان، فالاستقرار في هذه المنطقة من شأنه منع الحركات الراديكالية على نمط طالبان من الانتشار في المنطقة الأوسع، وهي منطقة اسيا الوسطى، فالمنطقة تقع فوق إحدى أكبر احتياطيات الغاز والبترول واليورانيوم والذهب في العالم، والتي ما زالت تعتبر بكراً إلى الآن، فعلى سبيل المثال تعتبر كازاخستان أكبر قوة اقتصادية في المنطقة، وهي ذات اقتصاد يعادل مئة مليار دولار سنوياً، فغنى هذه المنطقة الكبير بالطاقة وعلى الأخص حقول الغاز في تركمنستان والإنتاج النفطي في كازاخستان تعتبر من الأمور الهامة بالنسبة لأوروبا، والتي تتطلع لإيجاد مصادر طاقة بديلة في منطقة بحر قزوين لتخفيف اعتمادها اعتمادها على الغاز الروسي أو الغاز القادم عبر الأراضي الروسية .
ومن المعروف فان هذه المنطقة تملك سجلاً سيئاً في مجالات انتهاك حقوق الإنسان، والديمقراطية، وتبقى واحدة من أشد المناطق التي يمارس فيها القمع السياسي في العالم فأوزبكستان البلد الأكثر سكاناً في المنطقة هي من أكثر الدول التي توجه لها انتقادات جماعات حقوق الانسان لانتهاكاتها المستمرة .
وبالرغم من كل التقارير الدولية المتتالية عن انتهاكات حقوق الإنسان في أوزبكستان وبعض دول المنطقة إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تعمل على التعاون مع هذه الأنظمة وخاصة في المجال العسكري، متجاهلة الانتقادات الموجهة من قبل جماعات حقوق الإنسان التي تتهم الغرب بتقديم مصالح الأمن على مصلحة الديمقراطية في هذه البلاد.
صراع بين الأنظمة والحركات الإسلامية
لقد نشأت دول آسيا الوسطى منذ تفكك الاتحاد السوفييتي باعتبارها دول علمانية، إلا أن الحرب الدائرة في أفغانستان والشيشان أصبحت عاملاً مهماً في تصاعد الفكر الراديكالي الجهادي السلفي فضلاً عن الأوضاع الداخلية الاقتصادية الصعبة .
إن الدعاية الدينية التي تعمل على بثها الحركات الإسلامية الراديكالية في وسط أسيا يستند معظمها إلى أسباب سياسية بالدرجة الأولى، فالهدف الرئيسي لهذه الحركات هو العمل على إسقاط حكام آسيا الوسطى العلمانيين وإقامة دولة إسلامية واحدة تشمل تركستان الشرقية إلى أذربيجان .
وفي سياق الصراع المحتدم بين الأنظمة والحركات الإسلامية الراديكالية فقد تم الزج بالآلاف من المتهمين في سجون دول آسيا الوسطى دون محاكمات عادلة وعلنية وذلك لانتمائهم وتعاطفهم بتهم “الإرهاب”، الأمر جلب على هذه الدول انتقادات شديدة من قبل جماعات حقوق الإنسان التي تقول أن الحكومات المحلية تعمل على استخدام ذريعة “الإرهاب” للقيام بشن حملات قمعية ضد المعارضة والمنشقين السياسيين كما حصل في أحداث أنديجان 2005 والتي قتل فيها المئات من الناس الأبرياء بإطلاق النار عليهم بدم بارد من قبل الجنود الاوزبكستانيين وذلك وفقا لشهود عيان .
وادي فرغانة..خزان الحركات الإسلامية
يتوافر وادي فرغانة على كثافة سكانية مرتفعة، ويقع بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، ويعتبر الخزان الرئيسي للحركات الإسلامية الراديكالية، والتي تتطلع لإقامة دولة إسلامية في المنطقة، ويشكل معظم سكانها من المحافظين دينيا، وهي من المناطق التي تم إهمالها في آسيا الوسطى من قبل الحكومات المتعاقبة.
لقد تحولت دول آسيا الوسطى إلى قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار والأمر الذي تم تجاهله طويلاً على أنه غير حقيقي واستخدم من قبل المسئولين في آسيا الوسطى مبرراً لهم في قمعهم السياسي وهو المد الإسلامي في المنطقة السوفيتية السابقة أصبح حقيقة واقعية بالنسبة للغرب الذي يقاتل في أفغانستان عند الباب المجاور لآسيا الوسطى في حرب تزداد صعوبة يوما بعد يوم، ويذكر المحللون المختصون في شؤون الحركات الراديكالية في آسيا الوسطى أن الجماعات التي كانت اعتبرت ميتة لمدة طويلة كالحركة الإسلامية الاوزبكية تستعيد الآن قوتها في آسيا الوسطى وهي المنطقة التي تم عمداً إهمال المشاكل التي تموج بها كالفساد والفقر والتوتر العرقي، يقول أحمد رشيد وهو أحد الخبراء الرئيسيين في باكستان بالشؤون الأفغانية وشؤون آسيا الوسطى( إن المتمردين يعدون الأرضية من أجل حملة عسكرية طويلة ومستمرة في وسط آسيا) ويضيف ( إنهم يشكلون الآن تهديداً جدياً وذلك لان تصاعد التطرف الإسلامي يترافق الآن مع الأزمات الاقتصادية والسياسية) .
فالمنطقة الواقعة تحت الضغوط الاقتصادية العميقة وتحت وطأة الفقر والتي تضم أنظمة حكم علمانية وشعوب وجماعات عرقية أغلبيتها تدين بالإسلام أصبحت وبشكل متزايد عرضة للأفكار الراديكالية الجهادية في السنوات القليلة الماضية ويضيف بعض المحللين الأمنيين بأن المتمردين الذين غادروا المنطقة منذ مدة طويلة للمشاركة إلى جانب طالبان بدءوا يتسللون عائدين إلى المنطقة، لاستغلال لهذه الحالة الحرجة التي تموج بها المنطقة.
إن تنامي الإحساس بخيبة الأمل المترافقة مع الافتقار إلى أبسط قواعد الحريات العامة والى الافتقار إلى أحزاب معارضة مؤثرة بالرغم من مرور عقدين من الزمن على استقلالها عن السلطة السوفيتية شكل بيئة سياسية مثالية لصعود التوجه الإسلامي الراديكالي، فهذا التوجه نحو الأفكار الراديكالية بات مقلق للغاية وذلك لأنه يأتي بالتوازي مع ما يحدث مؤخراً في اليمن، حيث أدت موجة تصاعد الفكر الراديكالي بين الشباب في آسيا الوسطى إلى الخشية بأن تصبح هذه المنطقة هدفاً قادماً بالنسبة لتنظيم القاعدة والحركات الإسلامية الراديكالية. وبتقديره لمثل هذه المخاطر قام الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي انديرس بالمطالبة بتدخل أكبر في منطقة آسيا الوسطى قائلاً: إذا كانت أفغانستان سوف تصبح ملجأَ أمناً للإرهابيين فأنهم من المحتمل أن يستطيعوا بسهولة العبور من آسيا الوسطى إلى روسيا، وقد قال هذا في الأسبوع الماضي وأضاف (بالطبع أن أفغانستان ليست جزيرة معزولة وليس هناك أية حلول حتى في داخل حدودها نفسها) .
إن أولى أجراس التحذير قد قرعت في آسيا الوسطى في السنة الماضية عندما قامت قوات أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان بقتال عصابات وصفتها بالإرهاب وأتى هذا في نفس الوقت الذي كان فيه الوضع الأمني في شمال أفغانستان يشهد تدهوراً واضحاً، وفي هذا السياق قال أحد الدبلوماسيين الغربيين: (ليس بالضرورة معرفة من يقف وراء هذه الهجمات فهي تعني دائماً عدم الاستقرار في المنطقة وتعني أن شيئا ما يحدث) وأضاف ( إنه بالطبع شيء نقوم بمراقبته) .
وحول هوية هؤلاء المتسللين يقول أحمد رشيد: (يرجع السبب في المقام الأول إلى أنهم قاتلوا بما فيه الكفاية من أجل شعب آخر وهم الآن يريدون أن يقاتلوا من أجل بلادهم، وأن التهديد الحقيقي أصبح الآن واقعاً، فهم يحاولون التسلل إلى وسط آسيا ويحاولون القيام بتهريب الأسلحة والذخائر والمقاتلين من جديد إلى المنطقة) .
إن الحركة الإسلامية الاوزبكية تتسم بالسرية، وحجم المنتمين لها غير معروف، أما أهدافها المعلنة فهي أولاً: الإطاحة بالرئيس الاوزبكستاني إسلام كريموف،ثانياً قيام الدولة الإسلامية في آسيا الوسطى وصولاً إلى أذربيجان، ثالثاً: الإطاحة بالرئيس الطاجيكي “اممولي رحمون” الذي قام بقيادة القوات الموالية لروسيا في قتالها ضد الإسلاميين في الحرب الأهلية التي جرت في التسعينات من القرن الماضي في طاجيكستان.
وأخيراً فان مجمل الأحداث التي تجري على الساحة في آسيا الوسطى هي دليل دامغ على اقتراب المنطقة من حافة الهاوية، فعلى سبيل المثال فإنه في حالة موت كريموف أو رحمون أو نشوب صراع على السلطة في أحد هذين البلدين، أو في حال حدوث كارثة طبيعية شاملة، أو تنامي انتشار الجوع والفقر أو الانهيار الاقتصادي، فإن كل ذلك سيمثل دافعاً للعصيان المدني والتي سوف تعمل الحركة الإسلامية الاوزبكية بالتأكيد على استغلاله واستثمارها لصالح مشروعها في المنطقة.

-- حسن أبو هنية ود.جمال عبد الكريم أيوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*