السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » تنظيم القاعدة والإنترنت – دراسة تحليلية

تنظيم القاعدة والإنترنت – دراسة تحليلية

تنظيم القاعدة وبدايات الدخول على الإنترنت
يعتبر تنظيم القاعدة من أكثر التنظيمات الراديكالية المسلحة اهتمامًا بشبكة الإنترنت والمسألة الإعلامية، فقد أدرك منذ فترة مبكرة من تأسيسه الأهمية الاستثنائية للوسائط الاتصالية في إيصال رسالته السياسية ونشر أيديولوجيته الجهادية؛ بحيث أصبح مفهوم “الجهاد الإلكتروني”  راسخًا في أدبياته الإعلامية؛ فقد أشار الظواهري إلى أن العمل الإعلامي للقاعدة يتمتع بنفس أهمية العمل العسكري، وقال في أحد لقاءاته: “أسأل الله أن يجزي العاملين في الإعلام الجهادي خير الجزاء… وأدعوهم لمزيد من الجهد والعطاء, وأحمد الله أنْ شهد الأعداء -وفي خدمتهم الإمكانات الهائلة ومؤسسات الإعلام الجبارة- بهزيمتهم أمام الإمكانات الضئيلة للمجاهدين” ، وقد اعترفت الولايات المتحدة بتفوق القاعدة في حربها الإعلامية الالكترونية؛ إذ تضاعفت المواقع والمنتديات الجهادية بشكل كبير منذ الإعلان عن تأسيس “الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين” عام 1998م من (12) موقعًا -كما يشير جبراييل ويمان – إلى أكثر من (6000) موقع في الوقت الراهن، وتظهر وتختفي سنويًا مئات المواقع في سياق حرب الشبكات التي تدور رحاها بين الأجهزة الاستخبارية من جهة وأتباع وأنصار الجماعة الجهادية وتنظيم القاعدة من جهة أخرى(*).
طرحت مسألة فقدان الملاذات الآمنة في العالم الواقعي ضرورة البحث عن ملاذات آمنة في العالم الافتراضي، وسارعت الفروع الإقليمية للقاعدة بإنشاء وتأسيس مواقع ومنتديات جهادية ومراكز إعلامية؛ حيث برزت “مؤسسة السحاب” والتي أصبحت جزءًا من “مركز الفجر الإعلامي” الذي يتبع تنظيم القاعدة المركزي في أفغانستان وباكستان بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وظهر “مركز اللجنة الإعلامية” الذي يتبع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والذي تحول إلى مؤسسة الأندلس للإنتاج الإعلامي، وظهر مركز “صوت الجهاد” الذي يتبع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وعقب اندماج فرعي القاعدة في السعودية واليمن ظهرت “مؤسسة صدى الملاحم”، وقامت هذه المؤسسات بإصدار كتب ومجلات إلكترونية عديدة أمثال “صوت الجهاد” و”البتار” و”ذروة السنام” وغيرها، وتُعتبر تجربة فرع القاعدة في السعودية فريدة وثرية؛ فقد عمل يوسف العييري على وضع التنظيم على شبكة الإنترنت بشكل مكثف، وعمل عبد العزيز المقرن عقب مقتل العييري على تأسيس موقع جهادي مخصص للمرأة حمل اسم موقع “الخنساء”، وقد قُتل المقرن في مواجهات مع الأجهزة الأمنية السعودية في يونيو 2004، وقد عمل الموقع على تجنيد النساء عبر شبكة “الإنترنت” لتنظيم “القاعدة”، وكانت تشرف عليه نسوة يعتنقن فكر الجماعة الجهادية، وقد نشطت النساء الجهاديات مؤخرًا على الشبكة في العالم الافتراضي، ولعل قضية مليكة العروض التي مثلت أمام المحكمة في بلجيكا نموذجًا للناشطات الجهاديات على الشبكة، بعد أن عمل تنظيم القاعدة –في فترة سابقة- على دمج المرأة في المشروع الجهادي في العالم الواقعي وصناعة كتائب “الاستشهاديات” اللواتي نفذن عمليات انتحارية في مناطق مختلفة.
وفي هذا السياق ظهر “مركز الفرقان” الذي يتبع دولة العراق الإسلامية وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وكانت شبكة أبي مصعب الزرقاوي قد مرت بمراحل عدة قبل أن يصبح لها حضور إعلامي بارز؛ فقد تمكن يونس التسولي من وضع التنظيم على الشبكة بشكل واسع، وبعد أكثر من سنتين تمكنت دوائر الاستخبارات حول العالم من كشف هوية قرصان شبكة الإنترنت الذي أصبح القناة الرئيسية للقاعدة في العراق على الشبكة، وقد أثار الشاب يونس تسولي الذي يبلغ من العمر 22 عامًا -والذي يتحدث الإنكليزية، والموجود في بريطانيا، والخبير في مجال المواقع- عجب ملاحقيه من الأجهزة الاستخبارية العالمية مطلِقًا على نفسه لقب “إرهابي 007″؛ إذ قام بالدخول على حواسيب جامعة أميركية مروجًا لشبكة أبي مصعب الزرقاوي في العراق، وقام بتعليم جهاديين آخرين كيفية استعمال تقنية الإنترنت، وقد اعتُقل في بريطانيا عن طريق الصدفة، ولعل طريقة توقيف التسولي تُظهر صعوبة محاربة العمليات المتصلة مباشرة بشبكة الإنترنت، فقد انضم في أوائل عام 2004 إلى منتدى يدعى “منتدى أنصار الإسلام”، وبعدها بفترة وجيزة قام بالانضمام إلى “منتدى الإخلاص”، وتزامن ذلك مع بداية استخدام الزرقاوي الإنترنت كوسيلة أساسية للترويج للعمليات التي تنفذها شبكته في العراق، وأصبح دور التسولي واضحًا في أبريل/نيسان من تلك السنة وذلك عندما قامت جماعة الزرقاوي بتغيير اسمها إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، بإصدار بيانها الرسمي عن طريق المتحدث باسمها أبي ميسرة العراقي على “منتدى النصر”، وقام “إرهابي 007” في غضون سنة ونصف بترسيخ نفسه كأحد أكثر الجهاديين خبرة في جميع مجالات الإنترنت، وأصبح عضوًا ناشطًا في العديد من المنتديات الجهادية باللغتين العربية والإنكليزية، كما عمل على تطوير نفسه في مجالي اختراق وتحسين نظام أمن الحماية على الإنترنت، وكان يرتبط بالشبكة بالصوت والصورة ليعطي حلقات دراسية عن كيفية استخدام الإنترنت؛ حيث بدا أنه كان يجلس على الإنترنت ليلاً ونهارًا ومستعدًا للإجابة عن الأسئلة المختلفة ككيفية إرسال فيديو على سبيل المثال، كما كان مستعدًا للقيام بالإرسال بنفسه، وركَّز “إرهابي007” على القرصنة على المواقع الإلكترونية، كما ركز على تعليم متصفحي الإنترنت أسرار التصفح المجهولة.
وتحتوي هذه المراكز والمواقع والمنتديات على مكتبة هائلة وواسعة وديناميكية تختص بالأيديولوجيا والخطاب وآليات التجنيد والتمويل والتدريب والتخفي والتكتيكات القتالية وصنع المتفجرات، وكل ما يلزم الجهاديين في عمليات المواجهة في إطار حرب العصابات وسياسات الاستنزاف، وأسهمت جملة من العوامل في الاعتماد على شبكة الإنترنت من طرف تنظيم القاعدة، من أبرزها: سهولة الدخول إلى الشبكة، وضعف الرقابة، وسهولة التخفي لإجراء الاتصال، ووجود جمهور مستهدف كبير، وسهولة تدفق المعلومات، وعملية التطوير غير المكلفة، وإمكانية نقل النصوص والصوتيات والمرئيات بسهولة من خلالها ، كل هذه الأسباب أدى إلى تحول الإنترنت إلى ساحة صراع بين القاعدة وحلفائها من جهة والمنظومة الدولية من جهة أخرى في إطار حرب الشبكات ؛ بحيث أصبح هناك عدد من المراكز البحثية لمراقبة المواقع والمنتديات الجهادية.
أنواع المواقع التابعة لتنظيم القاعدة

وتنقسم المواقع الجهادية التابعة أو المؤيدة لتنظيم القاعدة إلى ثلاث فئات: الأولى: المواقع الرسمية وتمثل مواقع المنظمات الجهادية والشيوخ والمنظِّرين، والثانية: المنتديات والمدونات الشخصية الجهادية، والثالثة: مواقع ذات طبيعة مختلفة من الممكن أن تصنَّف كمواقع للتوزيع.
ومن أشهر مواقع الشيوخ والمنظرين، موقع الشيخ أبي مصعب السوري، وموقع الشيخ أبي قتادة الفلسطيني، وموقع الشيخ أبي بصير الطرطوسي، وموقع الشيخ أبي محمد المقدسي “منبر التوحيد والجهاد”، ويُعتبر هذا الموقع بالذات من أهم المواقع؛ إذ يحتوي على مقالات وكتب تابعة للفكر  الجهادي، ويحتوي على مكتبة زاخرة ومنظمة لأدبيات الجهاد تراثية وحديثة.
أما مواقع التنظيمات الجهادية، فهي تُستخدم للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور المستهدف؛ حيث تنشر فيها صور عملياتها، ويشرف على هذه المواقع أفراد على درجة عالية من المعرفة بالعلوم والتكنولوجيا؛ وذلك لإنتاج مواد بمواصفات احترافية ومعقدة كالمرئيات ذات الجودة العالية.
أما أهم أهداف مواقع التنظيمات فهي التعريف بسبب وجود المنظمة، وفكرها، والوضع السياسي الذي تعيشه في البلد الذي تعمل فيه. وهي مواقع غير ثابتة وصعبة التتبع بالرغم من أن بعضها قد يكون مستقرًا على نفس العنوان لفترات زمنية طويلة، ومن الأمثلة على هذه المجموعة موقع “جماعة  الدعوة والقتال” قبل انضمامها إلى تنظيم قاعدة الجهاد العالمي، والتي أصبحت بعد ذلك “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ويحتوي هذا الموقع على العديد من عمليات التنظيم، بالإضافة إلى كتب ومقالات، ومجلة “الجماعة” التي أصدرها التنظيم. وهناك أيضًا موقع “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب بعد أن اندمج فرعا السعودية واليمن وتم إنشاء “مؤسسة صدى الملاحم”، التي تقوم بنشر أدبيات الجماعة، وكذلك مجلة “صدى الملاحم”.
وتحتوي المنتديات، على أقسام فرعية (سياسية، واقتصادية، واجتماعية خاصة تلك المتعلقة بالأسرة)، وهناك مراسلون للجماعات داخل المنتديات، أمثال: أبي ميسرة العراقي الذي كان مراسل القاعدة في العراق، ويقومون بنشر وتوزيع أخبارها على المنتديات، ويحذرون من أي مصدر آخر لنقل بياناتهم، وكذلك مراسلو الجماعات التي ليس لها موقع على الشبكة، أو التي موقعها دائم التغير، ومن أكثر المنتديات شهرةً منتدى “الحِسبة”. وتعتبر المدونات الشخصية ظاهرة حديثة نسبيًا وقليلة الارتباط بالحركة الجهادية؛ إذ إنها لا تعمل على تبادل الآراء وإنما وظيفتها الرئيسية هي نشر المواد، وتوفير روابط لمواقع جهادية.
أما مراكز التوزيع التابعة للجماعة الجهادية فهذه المجموعة تضم مواقع متنوعة تشترك في هدف واحد وهو الإبقاء على البنية التحتية للجهاد على الشبكة، ومنها ما هو موقع متخصص للتوزيع فقط. ومن أبرز المجموعات الفرعية لهذه المراكز مجموعة “الدليل”، وهذه المواقع توفر قائمة محدَّثة من الروابط للمواد المرئية أو الصوتية، كموقع “دليل مشاور”. أما المجموعة الفرعية الأخرى فهي مواقع للتوزيع يقوم عليها متعاطفون مع الجماعة الجهادية بسبب قضية معينة أو مجموعة معينة؛ بحيث يقومون على إعادة توزيع المواد التي ترتبط بقضيتهم أو التي أُنتجت من المجموعة التي يؤيدونها، ويقوم عليها أفراد على درجة عالية من الخبرة والمعرفة فيما يتعلق بالشبكة العنكبوتية الأمر الذي ينعكس على جودة التنظيم وسهولة الوصول للمواد على الموقع، ومن الأمثلة على هذه المواقع: موقع “أنصار الجهاد” وهو موقع مستقل لا يمثل أية منظمة، ويعمل على نشر المعلومات عن المجاهدين لتعريف الناس بقضية الجهاد بشكل عام. وموقع “القاعدون” الذي أنشأه مجموعة من المتعاطفين مع المجاهدين المختصين بإعادة نشر إصدارات تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، ومن المواد التي يعيدوا توزيعها مجلتا “صوت الجهاد” و”البتار”، بالإضافة إلى أعمال شيوخ ومنظرين أمثال يوسف العييري. ومنها: موقع “صوت الجهاد”، الذي يعمل على إعادة نشر إصدارات تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وكلمات أبي مصعب الزرقاوي، ومجلة “ذروة السنام” التي نُشرت أول مرة في مارس/آذار 2005.
ومن المجموعات الفرعية لمواقع التوزيع وسائل الإعلام التي لا تنتمي بالضرورة لأحد التنظيمات، وتعمل على إنتاج ونشر المواد الجهادية بشكل عام، ومن أمثلة على هذه المجموعة: “الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية”  التي أخرجت إذاعة تلفازية على الشبكة تحت اسم “صوت الخلافة” والتي تشبه في عملها الشبكات الإخبارية في نشرها لتقارير أسبوعية من العراق، وفلسطين، وأفغانستان، وهناك مجموعة من المواقع المساندة للإعلام الجهادي، أمثال: “كتيبة الإعلام الجهادي”، و”مركز اليقين الإعلامي”، و”نخبة الجهاد الإعلامي”، و”شبكة المجاهدين الإلكترونية”، و”مجموعة الأنصار البريدية”، و”سرية الصمود الإعلامية”، و”شبكة أنصار المجاهدين”، وكذلك “مؤسسة السحاب” المختصة بإنتاج ونشر المرئيات الخاصة بقيادة القاعدة.
استفادة القاعدة من شبكة الإنترنت

إن تنامي شبكة الإنترنت في العالمين العربي والإسلامي مكَّن تنظيم القاعدة من الانتشار والتجنيد؛ إذ وفرت الشبكة إمكانات هائلة للنمو والانتشار وعولمة الجهاد، فقد كشفت العمليات الثلاث لتنظيم القاعدة المشار إليها في المقدمة عن طبيعة التحولات العميقة في بناء التنظيم ومدى جاذبيته الأيديولوجية والخطابية، وقدرته على إيجاد نماذج مبتكرة وخلاّقة قادرة على التجدد والتخفي وابتداع طرائق وممارسات هجومية فائقة الدقة والقوة؛ إذ تواجه الأجهزة الاستخبارية العالمية في إطار حربها على ما يسمى “الإرهاب” تحديًا ما بعد حداثي غير مسبوق، فقد اعتادت الأجهزة الأمنية على التعامل مع عدو ظاهر واضح المعالم، وتنظيمات تتوافر على هيكل تنظيمي محددة، وقيادات ورموز واقعية معروفة في أماكن جغرافية محددة، إلا أن النموذج الجديد الذي أصبح إرشاديًا لا يقوم على الجماعات المنظمة في العالم الواقعي وإنما على الأفراد في العالم الافتراضي.
ولعل أحد أهم التطورات التي فرضتها العولمة في العصر الرقمي على تنظيم القاعدة ترسيخ نماذج جديدة من الجهاد والجهاديين، كالجهاد الفردي، وتتميز ظاهرة “الجهاد الفردي”  بأنها لا تخضع للتنميط، وأعضاؤها ينحدرون من خلفيات اجتماعية متنوعة غير مهمشة اقتصاديًا إلا أنها تشعر بالتهميش الاجتماعي والثقافي، ولا تتوافر لدى الأجهزة الاستخبارية قاعدة معلومات خاصة بها، فأعضاؤها خاملون في المجال الاجتماعي الواقعي وناشطون في العالم الافتراضي، ويتوافرون على قدرات علمية وتقنية عالية في مجال الاتصالات؛ فالجيل الثالث من جهاديي القاعدة ينتمون إلى خلفيات متنوعة بدون قيادات فعلية، ويتعاملون مع قيادات رمزية على شبكة الإنترنت لا أحد يعرف هويتها الواقعية الحقيقية، ويشهد العالم الافتراضي ظهور موجات من القيادات الافتراضية؛ فقد اشتُهر من الموجة الأولى من الجهاديين الافتراضيين التي ظهرت عام 2002م أبو بكر الناجي، وأبو عبيدة القرشي، ولويس عطية، ومن الموجة الثانية التي ظهرت عام 2006م حسين بن محمود وعطية الله، ومن الموجة الثالثة التي ظهرت عام 2009م عبد الرحمن الفقير ويمان مخضب وأسد الجهاد 2 (لماذا 2؟ هل هناك رقم 1؟) ، وكان أبو دجانة الخرساني همام البلوي مرشحًا للدخول في هذه الحلقة.
الجيل الثالث من الجهاديين

إن إحدى مميزات الجيل الثالث من الجهاديين الفرديين هي المبادرة والقدرة على التواصل عن طريق الإنترنت؛ إذ لا يعتمدون على الطرق التقليدية في التواصل والتجنيد فقد حلَّت الإنترنت مكان المساجد في عمليات التعبئة والمشاركة والتدريب والتجنيد، ولم تعد القاعدة تبحث عن أعضائها، فهذا الجيل هو من يسعى إلى الانضمام إلى القاعدة؛ فالرائد نضال مالك حسن (39 عامًا) -وهو أميركي من أصل فلسطيني التحق بالجيش بعد الثانوية، ثم أُرسل إلى الكلية الطبية وتخصص بمجال الطب النفسي – دخل العالم الافتراضي للجهاديين عن طريق الإنترنت، وبدأ بالبحث والسؤال والتواصل دون أن يلتفت إليه أحد، وعندما أصبح جزءًا من هذا العالم نفذ هجومًا في ٥ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٠٩م، على زملائه في قاعدة “فورت هود ” في ولاية تكساس التي عمل فيها معالجًا نفسيًا للجنود الأميركيين العائدين من العراق وأفغانستان، وقد أسفر هجومه عن مقتل ١٣ جنديًا أميركيًا، وجرح ٣١ آخرين، وتعتبر هذه الحادثة أكبر عملية داخل الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتكشف عن طبيعة التحولات التي تطول جهاديي العالم الافتراضي؛ إذ كان نضال حسن شخصًا عاديًا تعرف على الشيخ أنور العولقي  قبل ٩ سنوات، عندما كان العولقي يعمل إمامًا في دار الهجرة في العاصمة واشنطن، وهو من أكبر المراكز الإسلامية في أميركا، وقد أرسل نضال – الذي كان ناشطًا على شبكة الإنترنت- عدة رسائل إلكترونية إلى العولقي، يسأل عن شرعية قتل الجنود الأميركيين، ويعبر عن امتعاضه من عدد من القضايا المتعلقة بالإسلام والتمييز والعنصرية والحرب، وكان الشيخ أنور العولقي (٣٨) عامًا، ناشطًا على شبكة الإنترنت وله موقع خاص، وهو من مواليد نيو مكسيكو ووالده ناصر العولقي كان يدرس الاقتصاد الزراعي، وأصبح وزيرًا للزراعة في اليمن، حصل العولقي على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة كولورادو، والماجستير في التربية من جامعة سان دييغو، وعمل إمامًا في أحد مساجد سان دييغو، والتقى باثنين من خاطفي طائرات الحادي عشر من سبتمبر، ثم غادر الولايات المتحدة عام ٢٠٠٢م إلى اليمن، وأُلقِي القبض عليه عام 2006م بناء على طلب أميركي، ثم أُفرج عنه لعدم توافر الأدلة، ويتقن العولقي الكتابة والخَطابة باللغتين العربية والإنجليزية، وقد تجاوزت مبيعات أشرطته في الولايات المتحدة ٥ ملايين شريط .
لم يكن للعولقي أية انتماءات قاعدية إلا أن كتاباته وخطبه تتماهى مع خطاب القاعدة، وقد توثقت العلاقة بين نضال حسن والعولقي في الفضاء الإلكتروني، ولكن حتى العولقي نفسه الذي وصف نضال بـ “البطل” لم يكن يدرك ما الذي يخطط له؛ إذ كشف نموذج نضال حسن عن خطر جهاديي العالم الافتراضي داخل الولايات المتحدة، بل وفي أكبر قواعدها العسكرية الحصينة، الأمر الذي يبرز تحديًا غير تقليدي في سياق الحرب على الإرهاب.
لم تُفق الولايات المتحدة من صدمة نضال حسن حتى فُوجئت بالنيجيري عمر فاروق عبد المطلب  (٢٣) عامًا، الذي حاول تفجير طائرة ركاب أميركية تابعة لشركة “نورث ويست” المتجهة إلى ديترويت من أمستردام عشية أعياد الميلاد في ٢٥ ديسمبر/كانون الأول، وعلى الرغم من أن محاولته باءت بالفشل، إلا أنها كشفت عن طبيعة جهاديي العالم الافتراضي، ومدى هشاشة الإجراءات الأمنية المتبعة في أمن المطارات، وإمكانية التهديد في أماكن غير متوقعة ومن أماكن غير متوقعة كذلك؛ فعمر فاروق من القارة الإفريقية هذه المرة، وهو نجل وزير سابق وأحد المصرفيين الأثرياء في نيجيريا، وقد درس الهندسة الميكانيكية بجامعة “يونفرسيتي كولدج” في لندن بين 2005 و2008 ورغم إدراجه منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2009 ضمن لائحة تضم 550 ألف شخص متهمين بتورطهم بصفة مباشرة أو غير مباشرة في “أعمال الإرهاب”، إلا أن عمر الفاروق استطاع أن يتحصل على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، وغادر إلى دبي للحصول على الماجستير، ثم أبلغ والديه أنه ذاهب إلى اليمن لدراسة اللغة العربية والشريعة، وقد كان عمر الفاروق عضوًا مواظبًا في المنتديات الجهادية، وقد اتخذ لنفسه اسمًا مستعارًا هو (فاروق ١٩٨٦)، على موقع “جواهر. كوم”، وكتب منذ عام ٢٠٠٥م، أكثر من ٣٠٠ مشاركة في المنتديات الحوارية الجهادية وموقع “الفيس بوك” وغرف الدردشة، وعمل عمر فاروق بجد على الدخول في أفق العالم الافتراضي، وسعى جاهدًا لتقديم نفسه لتنظيم القاعدة، وتكلَّل بحثه بالتواصل مع فرع القاعدة في اليمن الذي عمل على ضمه وتدريبه على القيام بعملية انتحارية مبتكرة؛ وذلك باستخدام متفجرات بلاستيكية سائلة غير قابلة للكشف تتجاوز الإجراءات المتبعة في أمن المطارات باستخدام الأشعة ، وعلى الرغم من فشل العملية إلا أنها حملت الأجهزة الإستخبارية على إعادة النظر في الإجراءات الأمنية المتبعة في المطارات، وأوصت باستخدام ماسحات ضوئية، ونبهت إلى طبيعة التطورات التي يعتمدها تنظيم القاعدة في تكتيكاته القتالية وآليات عمل جهاديي العالم الافتراضي، والذي تزامن مع صعود فرع تنظيم القاعدة في اليمن عقب اندماجه مع الفرع السعودي في بداية عام 2009م بإمارة اليمني أبي بصير ناصر الوحيشي ونائبه السعودي أبي سفيان سعيد الشهري. وقد تبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب محاولة التفجير ، ثم أعلن أسامة بن لادن والتنظيم المركزي تبنيه للعملية  الأمر الذي أثار تساؤلات حول آليات التواصل عبر الإنترنت بين قيادة القاعدة المركزية وفروعها الإقليمية.
لعل الصدمة الأكبر في تاريخ الجهاد الافتراضي جاءت عن طريق الأردني همام خليل البلوي ، وهو طبيب أردني أنهى الدراسة الثانوية بتفوق، ثم غادر لدراسة الطب في تركيا، وتزوج من صحفية تركية أنجب منها ابنتين، قاد واحدة من أكبر عملية التمويه والخداع للأجهزة الاستخبارية؛ ففي الوقت الذي ظنت الأجهزة الاستخبارية الأردنية والأميركية أنها تمكنت من تجنيد عنصر على درجة عالية من الأهمية والخطورة من جهاديي العالم الافتراضي نظرًا لتمرسه في حقل الجهاد الإلكتروني، وشهرته بين أبناء الجيل الثالث، وتواصله مع أسد الجهاد2، ويمان مخضب، وعبد الرحمن الفقير، ويتمتع بثقتهم الأمر الذي يمكن من خلاله الوصول إلى قيادات الصف الأول في تنظيم القاعدة كالظواهري وبن لادن، كان أبو دجانة -وهو اللقب الذي اختاره لنفسه واشتُهر به في عالم المنتديات الجهادية في الفضاء الإلكتروني، واستخدم لفترة أخرى اسم “مالك الأشجعي”- يعمل على ترسيخ النموذج المستقبلي لجهاديي القاعدة المستقبليين؛ فقد بادر البلوي بتقديم نفسه للانضمام لشبكة القاعدة، حيث بدأ بالدخول والمشاركة في المنتديات الجهادية، وفي مقدمتها منتدى الحسبة منذ عام ٢٠٠٧م، وأصبح خلال فترة وجيزة معروفًا على نطاق واسع في الوسط الجهادي الافتراضي باسم (أبو دجانة الخراساني)، وكما هو حال الجيل الثالث لم يكن أحد يعرف هويته في العالم الواقعي حتى أهله وجيرانه ولم يُعرف في إطار الجماعة الجهادية الأردنية، وعلى الأرجح بأنه هو الذي كشف عن هويته الواقعية للأجهزة الأمنية في إطار عملية خداع دقيقة؛ فالرجل على درجة عالية من التشبع بالأيديولوجية الجهادية، كما تكشف بوضوح مشاركاته المتعددة ومقالاته ولقاؤه مع مجلة “طلائع خراسان” الإلكترونية التابعة لحركة طالبان، وقد تمكن من كسب ثقة الأجهزة الاستخبارية للعمل في أفغانستان وباكستان، وقد تبين بعد ذلك أنه كان على تواصل مع القاعدة وحركة طالبان باكستان لتنفيذ عملية انتحارية في قاعدة “تشابمان” في منطقة خوست شرق أفغانستان، وقد تمكن في٣٠ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٠٩م من إلحاق ثاني أكبر خسارة في تاريخ الاستخبارات المركزية الأميركية بعد خسارة بيروت 1983م، وأسفرت العملية عن مقتل ٧ من عملاء السي آي إيه، وضابط أردني، وسقوط ٦ جرحى، إلا أن العملية كشفت عن أكبر عملية خداع يقودها جهاديو العالم الافتراضي، وحملت هذه العملية الأجهزة الاستخبارية على إعادة النظر في موضوع تجنيد العملاء، وكشفت عن التحولات العميقة في طبيعة المعركة وبنية الجهاد القاعدي الافتراضي، وتبنت لاحقًا حركة طالبان باكستان العملية، وظهر أبو دجانة في شريط مصور وبجانبه زعيم الحركة حكيم الله محسود ، كما أصدرت القاعدة بيانًا تبنت فيه المسئولية عن طريق (مصطفى أبو اليزيد) القائد العسكري للقاعدة في أفغانستان وباكستان.
خاتمة
إن النماذج التفسيرية لجهاديي الجيل الثالث في العالم الافتراضي الذي وفرته العولمة والثورة الاتصالية  تكشف عن تحولات عميقة في بنية القاعدة والجماعة الجهادية على صعيد الوعي الأيديولوجي والممارسة الجهادية؛ إذ يتنامى الإحساس والشعور لدى أبناء الجيل الثالث بأن الأمة الإسلامية “ممتهنة” على امتداد البصر، وأن الوقت قد حان لوضع حد لهذه الآلام المهينة، وهذا لا يتم إلا عبر “الشهادة والاستشهاد” خاصة إذا كانت هذه الدنيا في عيون أبناء هذه الجيل “تافهة ولا تستحق الحياة”؛ فالعالم الافتراضي يعيد بناء الجهادي باعتباره كائنًا أخلاقيًا منشغلاً بأمانة التكليف، وأن المقاصد والغايات تحرك الاستشهادي، والقيم والمعاني الرمزية وأسئلة النهايات تتحكم بمصيره؛ إذ تؤشر عوالم الاستشهادي على إعادة الاعتبار للمعنى الذي فُقد بفعل العولمة، وقيام “آلهة السوق”، وافتتاح بيوت “العبادة الاستهلاكية”؛ فالعنف الجهادي بهذا المعنى تمرد على العنف الملازم للعولمة بعنف مضاد يعمل على إعادة الاعتبار للرمزي على المادي؛ فقد أحدثت العولمة برأسماليتها المتوحشة حالة من الفوضى والتشتت وهي البيئة التي تزدهر فيها القاعدة.
ولهذا يسيطر مفهوم “الشهيد الحي” على أبناء الجيل الثالث من أتباع القاعدة الذين يشعرون بالغربة في أوطانهم وقد وجدوا ملاذًا آمنًا في فضاء العالم الإلكتروني، ييسر لهم الحديث مع بعضهم البعض دون عائق من العالم الواقعي ، الأمر الذي يؤذِن بدخول القاعدة في أفق جديد من العوالم الجهادية الافتراضية، وتدشين جيل ثالث من الجهاديين أكثر خطورة ومعرفة ودراية يصعب تتبع مساراته ومآلاته.

-- حسن أبوهنية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*