الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » البوليساريو وتنظيم القاعدة : اختراق أم تعاون ؟

البوليساريو وتنظيم القاعدة : اختراق أم تعاون ؟

تثير الاعتقالات الأخيرة التي أعلنت عنها السلطات الموريتانية والمالية تساؤلات كثيرة لكونها شملت عددا هاما من كبار مهربي المخدرات في منطقة الساحل والصحراء ضمنهم عناصر مهمة من قيادة البوليساريو .

وجميع هؤلاء ينتمون ــ حسب بلاغ السلطات الأمنية ــ إلى “شبكة من أكبر ثلاث شبكات للتهريب عبر الصحراء ومنها إلى أوروبا”.
فما طبيعة العلاقة التي تربط بين البوليساريو وشبكات التهريب من جهة ، وبينه وبين تنظيم القاعدة من جهة ثانية؟

إن أهمية الإعلان عن اعتقال عناصر البوليساريو ، إما على خلفية اختطاف الرهائن لصالح القاعدة في المغرب الإسلامي ، أو لارتباطهم بعصابات التهريب ، يكمن في التالي :

أولا : إبراز مصداقية التحذير الذي يثيره المغرب ــ باستمرار ــ من مخاطر التحالف بين عصابات الإرهاب والتهريب والبوليساريو وانعكاسها المباشر ، ليس فقط على أمن المنطقة والمصالح الغربية ، بل كذلك على أمن أوربا واستقرارها .

فلطالما أثار المغرب موضوع الارتباط بين انفصاليي البوليساريو  والإرهابيين في منطقة الصحراء والساحل دون أن تأخذه الدول المعنية بمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة مأخذ الجد .

ولا زالت تتعامل مع موضوع الإرهاب والتهريب في منطقة الصحراء والساحل بقدر قليل من الجدية .

ثانيا : إثبات ، بشكل قطعي ، علاقة الارتباط بين البوليساريو وعصابات التهريب والإرهاب .

قد يكون منتظرا التقاء الإرهاب والتهريب على مصالح مشتركة ، لكن ما لا يقبله المنطق والسياسة هو ارتباط البوليساريو بالجريمة المنظمة والإرهاب .

عادة ما يعتمد المتطرفون على الاتجار في المخدرات من أجل تمويل نشاطاتهم التخريبية ، كما هو الحال في أفغانستان واليمن ومنطقة الساحل والصحراء .

وقد يكون لديهم ما يبرر  ارتباطهم بالعصابات المنظمة على اعتبار أن التنظيمات المتطرفة تستند إلى قائمة من الفتاوى التي تجيز لها السطو على ممتلكات الأفراد كـ”فيء” وغنيمة  ، كما تشرعن لها الاتجار في المخدرات لأنها مواد تدمر عقول أبناء الكفار وتزعزع استقرار المجتمعات “الكافرة” .

فتكون المخدرات ، في هذه الحالة ، تحقق هدفين رئيسيين : توفير أسباب القوة والدمار ، وتخريب عقول الكفرة .

لكن أن ينخرط البوليساريو في مخططات تخريبية وإجرامية ، فهذا ما لا يقبله المنطق السياسي ، على اعتبار أن هذه الحركة تتلقى المساعدات الإنسانية من الدول والمنظمات غير الحكومية ، مما يجعلها في غنى عن البحث عن موارد أخرى .

فضلا عن كون هذه الحركة لا تتقاطع عقائديا وإيديولوجيا مع التنظيمات المتطرفة .

ورغم ذلك جاءت التقارير مؤكدة هذا الارتباط ، ومنها :

أ ـ  المعهد الأوروبي للدراسات الإستراتيجية الذي شدد التأكيد على العلاقة بين تفكك جبهة “البوليساريو” وتطور الإرهاب في منطقة الساحل ، وأن هذه العلاقة ستزداد رسوخا كلما ازداد البوليساريو تفككا .

بالتأكيد أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يراهن على جبهة البوليساريو لاعتبارات أساسية أهمها :

ـ توفر عناصر البوليساريو على تجربة عسكرية في حرب العصابات وخبرة ميدانية في استعمال السلاح بحيث لن يتطلب إدماجهم في صفوف القاعدة تداريب مكثفة ، بل إن تنظيم القاعدة سيستثمر خبراتهم القتالية فور انخراطهم في صفوفه .

ـ إن عناصر البوليساريو خبروا تضاريس الصحراء ومسالكها الآمنة لتهريب المخدرات والسلاح والبشر وخطف الرهائن .

وكلها مصادر مهمة توفر للقاعدة تمويلا مضمونا لتوسيع نشاطها الإرهابي .

ـ الاتجاه الانفصالي للبوليساريو من شأنه أن يقوي أطماع القاعدة في إيجاد منفذ إلى المحيط الأطلسي لتوسع أنشطته حتى تشمل خطف السفن واحتجاز أكبر عدد من الرهائن ، بالإضافة إلى تحكم أوسع في تهريب المخدرات . 

ب ـ التقارير الصحفية ومنها ما كتبه الصحافي الإسباني تشيما خيل تحت عنوان “الحرب أو السلام : خداع جبهة البوليساريو” عن ارتباط “البوليساريو” بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في “منطقة نزاعية” و”خطيرة بالنسبة لبلدان المنطقة ولأوروبا”.

حيث استدل على هذا الارتباط بمعطيات ثابتة ، منها تورط عناصر البوليساريو في اختطاف الرهائن الأسبان داخل التراب الموريتاني لفائدة البوليساريو حيث اعترف محمد سالم ولد احمودة ولد محمد أمام محكمة نواكشوط بأنه عسكري في جبهة “البوليساريو” وبأنه عمل كمرشد للخاطفين لتسهيل فرارهم إلى مالي؛ وكذا غياب أية مواجهة أو عمليات ضد البوليساريو من طرف القاعدة .

وجاءت الاعتقالات الأخيرة لتؤكد الارتباط والتعاون بين التنظيمين.

ج ـ التقارير الاستخباراتية ، ومنها ما  استندت إليه القناة الإخبارية الأمريكية ” فوكس نيوز”، في تقريرها عن كون ما لا يقل عن “59 قائدا وعضوا من البوليساريو تورطوا مؤخرا في عمليات للقاعدة بمنطقة المغرب الإسلامي”.

فضلا عن قدرة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي على اختراق أراضي مالي وموريتانيا والنيجر ، الأمر الذي يسهل عليه تشكيل خلايا مكلفة بالاستقطاب في الصحراء وإقامة قواعد بالمنطقة التي يريد جعلها شبيهة بالصومال أو اليمن.

ثالثا : وضع الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية أمام مسئولياتها إزاء المنحى الذي يتخذه خطر الإرهاب والتهريب في ارتباط بالانفصال في منطقة الصحراء والساحل .

فقد صرح المدير التنفيذي لـ “مشروع الاستقصاء حول الإرهاب” ستيف إمرن، لـ (فوكس نيوز)، أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، يشكل خطرا على الغرب والولايات المتحدة” وأن “الأمر يتعلق بجبهة حرب جديدة بالنسبة للولايات المتحدة، تتطلب مواجهة قوية، لأن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي يتوفر على إمكانيات تضعه في نفس المستوى مع تنظيم القاعدة بالجزيرة العربية”.

إن هذه المعطيات الجديدة والمنحى الخطير الذي بات يتخذه الارتباط بين البوليساريو وتنظيم القاعدة في منطقة الصحراء والساحل ، يجعل من المفروض على الدول الغربية التحرك باستعجال لتطويق الخطر الداهم الذي يتشكل في هذه المنطقة ، بدءا بالتصدي للأسباب المباشرة التي يستغلها الإرهابيون والمهربون لممارسة وتوسيع نشاطهم ، وفي مقدمتها الصراع حول الأقاليم الجنوبية الذي تخوضه الجزائر ضد المغرب بدعمها للبوليساريو  وما يترتب عن هذا الصراع من غياب التنسيق الأمني ومراقبة الحدود بين دول المنطقة .

مما يخلق حالة فراغ أمني وعسكري تستغله العصابات الإجرامية .

فقد سبق لوزير الداخلية المغربي أن قدم معطيات هامة ــ  عقب الإعلان عن تفكيك الشبكة الدولية للاتجار في المخدرات في شهر أكتوبر 2010ــ تكشف عن المدى الخطير الذي بات يأخذه العمل الإجرامي متعدد الرؤوس .

إذ في ظرف أقل من خمسة أشهر تمكنت عصابات التهريب من تسريب كميات كبيرة تفوق 600 كلغ من الكوكايين إلى التراب الوطني عبر الحدود الجزائرية الموريتانية .

وقد حولت العصابات الإجرامية وتنظيم القاعدة بمنطقة الساحل والصحراء مناطق آمنة لاستقبال وتخزين المخدرات القادمة من أمريكا اللاتينية ، ثم ترويجها داخل البلدان المغاربية والأوربية .

ومن بين المعطيات الذي ذكرها وزير الداخلية “أن عناصر القاعدة خفرت، في نونبر 2009، شاحنة محملة بالوقود إلى مكان رسو طائرة بوينغ، كانت استعملت في جلب العديد من الأطنان من مخدر الكوكايين من فنزويلا إلى شمال مالي، حيث تفرض القاعدة سيطرتها، وبعدما فشلت الطائرة في الإقلاع، قامت الجماعة الإرهابية بإحراقها”.

وهذا دليل قاطع على تحكم تنظيم القاعدة وسيطرته على منطقة الساحل التي تمتد على مساحة 8 ملايين كيلومتر مربع .

كما أن حالة اليأس التي تنخر نفوس الشباب المحتجزين في مخيمات تندوف وانسداد الأفق أمامهم يجعلهم في وضعية هشاشة نفسية واجتماعية يستغلها تنظيم القاعدة لتجنيدهم لصالح مخططاته ، ومنها : خطف الرهائن ، الاتجار بالمخدرات والسلاح ، تنفيذ عمليات تخريبية ، اختراق جبهة البوليساريو  لاستغلالها في توسيع الأنشطة الإجرامية .

وكل تأخر أو تردد سيعطي لتنظيم القاعدة فرصا أكثر  للانتشار بالمنطقة والتحكم فيها مما سيحولها حتما إلى صومال جديدة أو أفغانستان ثانية تهدد الأمن الإقليمي والدولي وتجعل القضاء على الإرهاب أمرا مستحيلا .

فقد سبق أن  حذر الممثل الخاص الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء ، إريك يانسن، من مخاطر قيام كيان يدعى “ساحلستان” على أبواب المغرب العربي، إذا لم يتم حل قضية الصحراء في أسرع وقت .

فهل ستتحرك الأمم المتحدة والدول الغربية لنزع فتيل الصراع حول الصحراء المغربية وفسح المجال للتنسيق الأمني كشرط ضروري لتطويق خطر الإرهاب والتهريب ؟!

 إن ملايين الدولارات التي يحصل عليها تنظيم القاعدة ( 50 مليون دولار في السنوات الأخيرة حسب ما أورده برنامج “صناعة الموت الذي بثته قناة العربية ليلة الجمعة 24/12/2010) من شأنها أن تزيد من قوة القاعدة وخطرها في المنطقة . 

ونفس المخاطر التي بات يشكلها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي حذر منها مرصد الساحل والصحراء ( منظمة   يرأسها  الوزير المالي السابق للقوات المسلحة والمحاربين القدامى ” سوميلو  بوبي مايغا ) في آخر تقرير له جاء فيه أن “فضاء الساحل والصحراء أضحى خلال السنوات الأخيرة قاعدة مركزية للتزود بالأسلحة والمعدات المختلفة وتنظيم فروع مكلفة بإيصال المسلحين والأموال والأسلحة إلى مختلف البلدان”.

ولعل الأموال الهائلة التي يحصل عليها الإرهابيون من عمليات الاختطاف والتهريب ستمكنهم من توسيع نشاطاتهم التخريبية بفعل تواطؤ البوليساريو والسكان المحليين في كل من مالي وموريتانيا والنيجر  وباقي دول الساحل والصحراء .

-- خاص بالسكينة - سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*