الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » جماعة العدل والإحسان ورؤيتهم للمشاركة السياسية

جماعة العدل والإحسان ورؤيتهم للمشاركة السياسية

تعليق السكينة : ( أحرجت بعض جماعات الحركة الإسلامية نفسها ، ودخلت نفقا غير واضح المعالم ، لمّا خلطت ( كثيرا ) بين أهداف الجماعة الدعوية والتربوية وبين أهدافها السياسية والحزبية .. الجماعة الإسلامية تُمارس السياسة وتُشارك من خلال النظام والسلطان ، فالانفراد عن هذا النظام يعني ممارسة السياسة من خارج إطار الدولة والسلطان وهذا ما وقعت به بعض الجماعات وأوقعتها في حيرة وسلسلة تناقضات منهجية ، وأول درجات سلّم هذا المسار المتناقض عندما تختار الجماعة الدعوية تحزّبها وانفرادها عن المجتمع وممارسة الدعوة عبر قوالب حزبية يقدمونها على القواعد الشرعية في بعض الممارسات خاصّة مع السلطة ، فمن الخطأ والغلط أن نعتبر النظام شيء والمجتمع شيء والحزب شيء ثالث ، هذا لا ينفي وجود جهود علمية ودعوية معتدلة من بعض أفراد هذه الجماعات خاصّة الذين وضح منهجهم في باب البيعة والطاعة ) .

* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *

تمثل جماعة العدل والإحسان مكونا أساسيا من مكونات الحركة الإسلامية في المغرب ، ويعد الشيخ عبد السلام ياسين مؤسسها ومرشدها وواضع مبادئها وتوجهاتها .

وتقدم الجماعة نفسها كحركة دعوية سياسية تسعى لإقامة دولة القرآن ، أي  الخلافة الثانية على منهاج النبوة ، على أنقاض ما تسميه دولة السلطان .

لهذا فهي تخوض قَوْمَة ــ بمعنى ثورة ــ  أي حشد قوة شعبية جماهيرية ضد نظام الحكم الملكي الذي تصفه بالحكم العاض والجبري على شاكلة الثورة الخمينية ، كمقدمة لإقامة دولة الخلافة على امتداد العالم الإسلامي .

وتستند الجماعة في وجودها وأهدافها إلى رؤية مرشدها التالية :( نرى الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين المجزأة أقطارا ودويلات تمثل الحكم الجبري الذي يتحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يبشرنا بإشراق شمس الخلافة بعد ظلام العض والجبر . أذكر بالحديث الذي اتخذناه محورا لتفكيرنا ومرشدا لخطواتنا . روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حذيفة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها . ثم تكون ملكا عاضا ، فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها . ثم تكون ملكا جبريا ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها . ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة . ثم سكت ) (ص7 نظرات في الفقه والتاريخ).

فالجماعة تحمل يقينا بشّرها به مرشدها بأن هذه الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم الإسلامي زائلة بقوله ( يذهب الله بأنظمة الفساد ، يزلزلهم زلزال ، تحيط بهم خطيئاتهم ، وتدول معهم دولة الكذب والتزوير التاريخي ليعلو نجم الصادقين أهل القرآن ، ولتسطع شمسهم ، ولتنشر رايتهم ) (ص 570 العدل).

ضمن هذه الرؤية والأهداف هل تقبل الجماعة بالمشاركة السياسية من داخل مؤسسات النظام الملكي ؟ وماذا تعني المشاركة السياسية بالنسبة للجماعة ؟

أصدرت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وثيقة سياسية ضمنتها حصيلة المداولات التي أجراها المجلس القطري للدائرة في موضوع قرار مقاطعتها للانتخابات التشريعية ليوم 27 شتنبر 2002  .

وتقدم الدائرة السياسية للجماعة تعريفا للمشاركة السياسية بأنها :( شكل من أشكال العمل يلجأ إليها الأفراد أو الجماعات للتعبير عن مطالبهم والسعي إلى تحقيقها ، والتأثير في نظام الحكم القائم . أما طريقتها فمتروكة لاجتهادهم حسب معطياتهم ، وبنية النظام الذي يحكمهم ، والقوانين التي تنظم الممارسة في بلدانهم ).

وحددت الوثيقة الأشكال التي تتخذها هذه المشاركة السياسية وهي : ( العمل الحزبي ، واللوبي أو ممارسة الضغط على النظام السياسي ، والعنف ، ورفض الاندماج في المؤسسات القائمة مع التعبير عن ذلك بالوجود الفعلي في المجتمع ) .

إذن المشاركة السياسية لا تعني بالضرورة المشاركة في الانتخابات والدخول إلى المؤسسات الدستورية للنظام .

من هنا اختارت الجماعة صيغة المشاركة السياسية من خارج المؤسسات ، وهذا ما تقصد به  ” الوجود الفعلي في المجتمع” الذي يعني مقاطعة مؤسسات الدولة والمشاركة في مؤسسات المجتمع المدني .

فالوثيقة واضحة في التمييز بين المشاركة السياسية والمشاركة في الانتخابات ؛ إذ تعرف هذه الأخيرة كالتالي :( الانتخاب عملية ذات تقنيات خاصة يراد من إجرائها ممارسة الشعب لسيادته والتعبير عن إرادته في اختيار من يمثله وينوب عنه لمحاورة السلطة التنفيذية ، أو لاختيار من يتولى مركز الحكم ، أو لاختيار نص ، وهو نمط لتداول السلطة ، وآلية من آليات الديمقراطية التي تعارفت عليها البشرية منذ القدم ؛ ويرتكز على اختيار يجري بواسطة تصويت أو اقتراع ؛ وهو أحسن ما توصلت إليه البشرية لاحترام إرادة المواطنين في ظل تعذر الوصول إلى نموذج الديمقراطية المباشرة ، ولهذا يأتي الانتخاب الذي يمارسه المواطنون لاختيار ممثلين يمنحونهم الجزء الذي يحوزونه من السيادة ليمارسوه نيابة عنهم ) .

هذا من حيث آلية الانتخابات ، أما من حيث هدفها الأساس ، فإن الجماعة تريد تغيير نظام الحكم وليس فقط التداول على السلطة في إطار قوانين ومؤسسات النظام الملكي .

من هنا قررت الجماعة في وثيقتها التالي : ( ولأن المشاركة وسيلة فقط لهدف أسمى هو الدفاع عن الإسلام ، وخدمة مصالح المسلمين فإن اعتمادها مشروط بمدى تحقيقها لهذا الهدف وإلا فلا فائدة ترجى من تسيير المؤسسات .. ونظرا لأن النجاح في الانتخابات لا يمَكِّن من ذلك في المغرب ، فإن الجماعة لا ترى الانشغال بالوسيلة عن الهدف ) .

وترى الوثيقة أن إنجاح العملية الانتخابية يقتضي توفر الشروط التالية :
أ / ( أن تجسد الانتخابات إرادة المواطنين وتعبر عن رغبتهم . وفي هذا مجالان، يتعلق الأول بنزاهة الانتخابات، والثاني يرتبط بالسعي إلى إبداع تقنيات للاقتراع تقرب من تحقيق هذا الهدف.

ب / أن يتوفر المرشحون على الأهلية التي تجعل الانتخاب عملية ذات جدوى ، ونقصد بذلك الجانب المعرفي والنزاهة والتجربة والبرامج وغيرها من شروط الأهلية .

ج / أن توجد البيئة الملائمة : ويقصد بها القوانين والمؤسسات .

د / أن تبقى الكلمة الأخيرة للمواطنين ).

إن الجماعة لا ترغب في إصلاح النظام السياسي الحالي ولا الانخراط في مؤسساته من منطلق أنها ــ أي الجماعة ــ لا تعترف بشرعية النظام .

وهذا ما أعاد التأكيد عليه والتذكير به أحد أعضاء الجماعة ــ  عبد العالي مجذوب ــ حيث نقرأ التالي ( إذا كانت جماعة العدل والإحسان لا تعترف بشرعية أنظمة العض والجبر، أي الأنظمةِ الاستبدادية، فإن من البديهي أنها لا تعترف بالدساتير التي تمنحُها هذه الأنظمة، وأنها ترفضُ أن تنخرط في اللعبة الديمقراطية التي تصنعها هذه الأنظمة وتتحكم في جميع خيوطها، وأنها ترفض أيضا المشاركة في انتخابات تجري في ظل ديمقراطية شكلية مغشوشة فارغة من أي معنى.

وإذا حصرنا الكلامَ في الحالة المغربية كما هي اليوم، فإن موقف الجماعة من “اللعبة الديمقراطية” عموما، ومن المشاركة في الانتخابات خصوصا، بات معروفا، وهو الاعتراضُ والرفض). إذن فالانتخابات ، بالنسبة للجماعة ، لها وظيفتان :

ـ الوظيفة الأولى : المشاركة في ممارسة السلطة والتداول على الحكم وتدبير الشأن العام في إطار قوانين النظام ودستوره . وفي هذه الحالة لن تسمح الانتخابات بتغيير النظام ، وإنما بخدمته وتمديد آجاله وترميم صدعه .

وباعتبار الجماعة تعادي النظام وتسعى لإسقاطه ، فإنها ترفض مطلقا المساهمة في تقوية النظام وإطالة عمره .

هكذا قرر مرشد الجماعة ( ليكن واضحا أننا لسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا ، المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان .. يندك ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنته في القرى الظالم أهلها حصونا منيعة وقلاعا حصينة ، وتندثر وتغرق ) (ص576 العدل).

فالشيخ ياسين يتربص بالنظام ويعد عدته وأتباعه للزحف على الحكم . لهذا نجده يستبشر ويبشر أتباعه ( سيظل السوس ينخر في جسم النظام ، وبعد الضربة المفاجئة ، ستتوالى الانتكاسات وخيبات الأمل) (ص 23 مذكرة  إلى من يهمه الأمر) .

وانطلاقا من تلك القناعة الراسخة لديه يجزم الشيخ أن لا أمل لهذا النظام ” الطاغوتي ” في النجاة والاستمرارية ( فلا أمل في الإفلات من طوفان يوشك أن يحل )(ص 23 مذكرة.) .

وكل مشاركة في الانتخابات هي ، في رأي الشيخ وحكمه ، تودد للنظام ومصالحة معه . ومن ثم يقرر مقاطعتها ( ليكن واضحا جليا أننا لا نخطب ود الأنظمة الفاسدة الكاذبة  الخاطئة .

وليكن واضحا أن خطة بعض المترددين من فلول الحركة الإسلامية المتكسرين إلى مصالحة مع المزورين ليست خطتنا ) (ص 571 العدل). فالشيخ على يقين تام أن الانتخابات في المغرب أو في أي بلد عربي آخر لن تمكن الإسلاميين من تغيير الأنظمة الحاكمة ، وإقامة أنظمة ” إسلامية” بديلة .

وكل اعتقاد في جدوى تلك الانتخابات إنما هو مطاردة السراب . يقول الشيخ :  ( تنسل الحركة الإسلامية في هذا القطر أو ذاك إلى الحكم انسلالا تدريجيا عن طريق انتخابات لم تجد الديمقراطيات المُولَّدةُ بدا من شق بعض فجاجها للإسلاميين ، فتلك فرصة للتناوب على الحكم .

وينبري الإسلاميون حاملو شعار ” البديل السياسي” ليدخلوا مع الناس في دوامة التناوب على الحكم صعودا وهبوطا ، تناديهم أصوات انتخابية ملت من عديلهم اللاييكي الدنيوي ، لتلفظهم وتستبدل بهم قوما آخرين بعد تجربة لن يألُوَ الناصبون والنصابون جهدا في إفشالها .

وتلك فرصة سرابية ما كان لمتعطش فاضل أن ينتظر منها حسْواً لظمأته أو غرفة لريِّ الشعوب المالَّةِ القاحِلِ ساحُها من عدل ونماء وخير تعد به الديمقراطيات المُوَلَّدَة ولا تفي)(ص 567 العدل).

ـ الوظيفة الثانية للانتخابات هي التمكين من تغيير قوانين النظام ودستوره بما يسمح بتغيير النظام نفسه وإقامة نظام بديل . وهذا ما أعاد التأكيد عليه عبد العالي مجذوب كالتالي ( ستعتبر(أي الجماعة) المشاركةَ في الانتخابات اختيارا “تكتيكيا” لخدمة الاختيار الاستراتيجي، وهو اختيار “القومة” الذي يسمح بتأسيس نظام سياسي جديد.

أي أن سقفَ هذه المشاركة لن يقف، حسب منهاج الجماعة السياسي المُعلَن والمنشور، عند غاية “التداول على السلطة”، أي أن يصبح “الفاعل الإسلامي”- سواء كان كيانا واحدا أم تحالفا من كيانات متعددة- واحدا من الذين يتداولون الحكمَ حسب المقتضيات الدستورية والقانونية المتفق عليها بين “اللاعبين”، مرة يصعد ومرة يهبط، حسب ما تحكم به صناديق الاقتراع الشفافة، وحسب ما تسفر عنه “اللعبة الديمقراطية”ــ قلت لن يقف سقفُ مشاركة الجماعة عند غاية التداول على الحكم، بل سيتعداها إلى الإعداد والاستعداد ليوم تنضج فيه شروطُ التغيير الجذري، الذي سيتكفل بإزالة النظام القديم).

إن هذا الشرط الذي تتمسك به الجماعة لا يمكن أن يقبله أي نظام مهما كانت ديمقراطيته وشفافيته . من هنا تعتبر الجماعة أن مشاركتها في الانتخابات في إطار قوانين النظام ودستوره ستكون على حساب عقائدها ومبادئها التي قامت على أساسها . أي أن الجماعة لن تشارك في هذه الانتخابات إلا إذا تخلت عن مبادئها ، وهذا أمر تعتبره قيادتها مستحيلا .

يقول الأستاذ المجذوب ( الجماعة ستشاركُ وهي مؤمنة بأن اختيارها المشاركةَ هو اختيار استراتيجيّ، وأنّ أقصى ما يمكنُ أن تصل إليه عند الفوز هو المشاركةُ في الحكم مع غيرها من “الفاعلين” المُنافسين، من الإسلاميين وغير الإسلاميين.

وهذا يقتضي أن تكونَ الجماعةُ قد ألغت واحدةً من الدعامات التي يقوم عليها منهاجُها السياسي، أي أن تكون قد  تخلّت عن فكرة “القومة” وتأسيس حكم إسلامي قُطري تمهيدا لبناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة).

وبالقدر الذي يستحيل فيه أن تتخلى الجماعة عن هدف إقامة دولة الخلافة ، يستحيل كذلك قبولها المشاركة في الانتخابات تحت سقف النظام الملكي وضمن قوانينه . لهذا قررت الجماعة مواصلة “قومتها” والإعداد للزحف على الحكم .

-- خاص بالسكينة - سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*