السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » هكذا تعامل الإسلاميون المغاربة مع ثورتي الفل والياسمين (2)

هكذا تعامل الإسلاميون المغاربة مع ثورتي الفل والياسمين (2)

يلاحظ المتتبع للشأن المغربي أن التنظيمات الإسلامية تعاطت مع ثورتي الفل والياسمين بمستويات مختلفة تبعا لظروف كل هيئة وإستراتيجيتها وموقعها داخل النسيج السياسي المغربي .فبالنسبة  لجماعة العدل والإحسان  استبشرت بالآفاق التي فتحتها الثورتان ، ليس فقط أمام المصريين والتونسيين ، بل وأساسا أمام أتباع الجماعة الذين يخوضون”القومة” لتغيير النظام وإقامة “دولة القرآن” . إذ لم تكُف الجماعة عن الدعوة إلى الانخراط في أي حركة تروم إسقاط النظام .

أما بالنسبة لباقي التنظيمات الإسلامية فجاء تعاملها مع الثورتين من مستويات أدنى قياسا لسقف المطالب التي ترفعها جماعة العدل والإحسان .

ويمكن رصد مستوى الاختلاف في التعاطي  مع الثورتين عند حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح كالتالي : فالهيئتان  تنطلقان من وضعيتهما كهيئتين قانونيتين تعملان من داخل مؤسسات الدولة وقبلتا بالمشاركة السياسية عبر الانتخابات .

وهذا يضع قيادتيهما في وضعية لا تسمح لهما بالمطالبة بتغيير النظام السياسي والانقلاب عليه وتغييره بنظام “إسلامي” بديل . فطالما قبل حزب العدالة والتنمية بالمشاركة في مؤسسات النظام ، فإنه بالضرورة السياسية ، سيحافظ على الإطار السياسي الذي تمثله الملكية في المغرب ويعمل على أسلمة الحياة العامة .

وانسجاما مع هذا الموقف أصدرت الأمانة العامة للحزب بيانا جاء فيه أن الهيئة القيادية للحزب  ( تؤكد من جديد أن بلادنا أصبحت في حاجة ماسة بشكل أكبر في إطار تعزيز وحدة الصف الداخلي لمواجهة التحديات المشار إليها في قضية الصحراء المغربية، وفي إطار القراءة الواعية المبصرة للتحولات الجارية في المنطقة العربية، إلى القيام بمبادرة إصلاحية عميقة، استباقية وشجاعة تحافظ على استقرار البلاد وتستجيب للتطلعات المشروعة في الإصلاح.

وفي هذا الصدد تؤكد أنه آن الأوان لإجراء إصلاحات دستورية وسياسية يكون من شأنها إرجاع المصداقية للحكومة والمؤسسة التشريعية وضمان استقلالية القضاء وإصلاح النظام الانتخابي بما يؤدي إلى إعادة المصداقية في المؤسسات ويرفع من فعاليتها ويعيد الثقة في العمل السياسي ويدفع الشباب إلى الانخراط فيه بفاعلية ) .

وتبعا لما يعلنه الحزب في أدبياته ، فإن مدخل الإصلاح الشامل للدولة والمجتمع لا يشترط تغيير النظام السياسي ، بل الانخراط في المؤسسات القائمة واستعمالها كواجهة أساسية لأسملة الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية والإعلامية الخ .

من هذا المنطلق يتعامل الحزب والحركة بحذر كبير مع الثورتين المصرية والتونسية ، بحيث حرصا على استغلالهما ليرسلا رسائل واضحة للنظام مفادها أن استنساخ تجربة النظام المصري والتونسي في الهيمنة على الحياة السياسية بخلق حزب النظام ودعمه في الانتخابات للحصول على الأغلبية ، لن تضمن استقرار النظام بقدر ما تكون مصدر تهديد له .

وتعطي الهيئتان ، في هذا الإطار ، أمثلة بنظام بنعلي ونظام مبارك في عجزهما عن مواجهة الاحتقان السياسي رغم توفر حزبيهما على الأغلبية البرلمانية. ويوظف حزب العدالة والتنمية هذه الأحداث ليصفي حسابه مع غريمه حزب الأصالة والمعاصرة ، وينتقم لأعضائه الذين خسروا تحالفاتهم مع الأحزاب على مستوى المجالس البلدية بعد أن ألفوا مسئولية التسيير .

هكذا نقرأ في بيان حركة التوحيد والإصلاح (نعتبر هذه النهاية المخزية لهذا النظام المستبد، فشلا ذريعا وانهيارا كاملا للنموذج الاستئصالي والنهج الإقصائي وسياسة تجفيف الينابيع التي نهجها، وحاول أن يسوقها ويروج لها في منطقتنا، ونعتبرها كذلك خيبةً للتيارات الاستئصالية التي كانت لا تفتر عن الدعوة إلى استلهام هذا النموذج واستيراده وتبنيه، لولا غلبة صوت العقل والحكمة.).

بل إن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية صرح في إحدى حواراته أن حزب الأصالة والمعاصرة يشكل تهديدا للحياة السياسية ومصدر قلق للأحزاب وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية .

لهذا وصف الأستاذ بنكيران مسار حزب الأصالة والمعاصرة بـ”المشئوم” في قوله ( إن مساره مشؤوم، وما قام به خلال سنة ونصف أعادنا عشر سنوات إلى الوراء، لك أن تلحظ ما قام به ضد حزبنا في مدن وجدة وطنجة وما قام به في الحسيمة والعيون.

لقد أعادنا إلى مرحلة “ستالينية”، فأصبحنا نعيش الرعب عوض ممارسة السياسة). لكن الأحداث المتسارعة التي تعرفها الساحة السياسية المغربية ، خاصة بعد إعلان حركة 20 فبراير تنظيم مظاهرات سلمية على امتداد التراب الوطني للمطالبة بالإصلاح والتغيير في المغرب ، وضعت حزب العدالة والتنمية في موقف حرج تتنازعه رغبتان :

الأولى تأخذ في الاعتبار الوضع القانوني والسياسي للحزب كإطار شرعي محكوم بالقوانين الجاري بها ، والتي تمنعه سياسيا وأخلاقيا من الاستجابة للدعوات التي تطلقها جهات مجهولة ولا تربطها بالحزب روابط .

وترسيخا لهذا الموقف اتخذت الأمانة العامة للحزب قرارا بعدم المشاركة كالتالي (إن الأمانة العامة إذ تؤكد أن الحق في التظاهر من أجل التعبير عن المطالب المشروعة والواضحة، أمر من مقتضيات الممارسة الديمقراطية، تؤكد أن حزب العدالة والتنمية غير معني بالمشاركة في التظاهر يوم 20 فبراير 2011.) .

لكن هذا الموقف تحكم فيه البعد البراغماتي حين قرن الحزب  عدم المشاركة في التظاهر بمطالب محددة هي (تجديد دعوتها إلى الإفراج الفوري عن الأستاذ جامع المعتصم عضو الأمانة العامة ونائب عمدة مدينة سلا، على اعتبار أن اعتقاله نتيجة لتدبير كيدي المستهدف الأول منه هو حزب العدالة والتنمية، خاصة أن متابعته في إطار اعتقال يفتقد السند القانوني والمبرر الموضوعي) .

وكان من نتائج هذا الموقف أن أطلق سراح عضو الحزب ومنحه  العضوية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي ترأس الملك حفل تنصيبه يوم الاثنين 21 فبراير 2011 . 

أما الرغبة الثانية  فتأخذ في الاعتبار الرهان على الحركة الاحتجاجية في تحقيق تغيير جذري في النظام ، ومن ثم لا يخطئ الحزب موعده مع “الحدث” حتى لا يسجل عليه تقاعس أو تواطؤ .

وإزاء رفض الأمانة العامة للحزب المشاركة في الوقفات الاحتجاجية التي دعت إليها حركة 20 فبراير ، قرر ثلاثة أعضاء من هذه الهيئة القيادية تقديم استقالتهم منها وإصدار بيان يعلنون فيه مشاركتهم في الحركة ودعمهم لمطالبها  بالإصلاحات السياسية والدستورية العميقة التي تروم بناء دولة ديمقراطية بمؤسسات منتخبة لها كامل الصلاحيات وقضاء مستقل في أفق الانتقال نحو  نظام ملكية برلمانية.

وهذا الأفق ، بالتأكيد ، سيضع حزب العدالة والتنمية في حرج إن لم يكن مأزقا . ذلك أن قيادة الحزب دأبت على التأكيد بأنها ترفض المطالب التي ترفعها بعض الهيئات السياسية بالانتقال من الملكية التنفيذية إلى الملكية البرلمانية التي يسود فيها الملك ولا يحكم.

لهذا برر الأعضاء المستقيلون مشاركتهم في احتجاجات 20 فبراير بكون الأمل في تحقيق الانتقال الديمقراطي المطلوب قد تبخر بسبب هيمنة السلطوية وتهميش المؤسسات الدستورية ــ الحكومة والبرلمان ــ بالإضافة إلى التحكم في القضاء وصناعة حزب إداري قصد التحكم في المجتمع ، ويقصدون هنا حزب الأصالة والمعاصرة ،مما يعني أن المغرب ليس استثناء ،لأن عوامل الثورة كامنة فيما هو سياسي واقتصادي .

وهذا ما أكد عليه رئيس حركة التوحيد والإصلاح في أحد حواراته بقوله ( فالثورة التونسية يمكن أن تتكرر في أي بلد يعاني من هشاشة اقتصادية وتحكم سياسي) . وموقف حركة التوحيد والإصلاح  وحزب العدالة والتنمية من الثورتين لا يختلف في جوهره عن موقف جماعة الإخوان المسلمين الذين وضعوا رجلا في ساحة التحرير وأخرى على طاولة المفاوضات . ذلك أن الإخوان المسلمين لم يكونوا ضد النظام منذ نشأتهم كحركة ، لهذا مدوا يدهم لنظام مبارك قصد استغلال الظرف وحصد مكاسب سياسية لم تكن متاحة لهم من قبل لولا هذه الأحداث ، ومنها الاعتراف الرسمي بهم كتنظيم .

لكن إصرار الشعب المصري على تغيير النظام ،جعل الإخوان المسلمين ينخرطون في الحركة الاحتجاجية ويركبون قطارها . وكذلك هو حال حزب العدالة والتنمية الذي يريد استغلال الظرفية الحالية لانتزاع مكاسب سياسية أقلها وقف مسلسل انهيار تحالفاته على مستوى المجالس البلدية ، وأعلاها التخويف من حزب الأصالة والمعاصرة وتحذير النظام من تكرار تجربة مصر أو تونس كما جاء في  مقالة مصطفى الخلفي (إن الإنذار المصري فرصة ثانية بعد الدرس التونسي لاستئناف المسار الديمقراطي المتعثر ببلادنا، وكما استفاد المغرب في الماضي من الدرس الجزائري في فترة الحرب الأهلية ودشن مسار انفتاح سياسي متدرج هو اليوم مدعو لاستباق دروس الآخرين وتقديم النموذج قبل فوات الأوان.) (التجديد  27/1/2011) .

والغاية من هذه الإيحاءات الصريحة ممارسة قدر من الضغط على النظام حتى تخف الضغوط على الحزب ويصبح خارج دائرة الشبهات أو  التشكيك في النوايا  .  وبناء على هذه المقارنة بين وضعية المغرب ووضعية تونس ومصر ، يشكك حزب العدالة والتنمية في الاعتقاد بأن المغرب في منأى عن هذه الأحداث / مما يجعل القول بـ”الاستثناء المغربي” قولا هشا.

هذا ما نفهمه مما كتبه القيادي محمد يتيم ( لكن أول من ينبغي أن يستوعب الدرس هم الذين كانوا ولا يزالون مع استنساخ النموذج التونسي أو الاقتباس منه على الأقل ، ذلك أن نهاية بن علي ليست فقط نهاية حاكم مستبد أو نهاية نظام سياسي فقط بل هي نهاية نموذج في التدبير السياسي.) .

إن الرسالة واضحة هنا وهي أن العوامل التي فجرت ثورة الفل والياسمين لا شك ستفجرها في المغرب ، حينها لن يتردد الحزب في ركوب قطارها . ولعل استقالة أعضاء قياديين ، وقرار شبيبة الحزب المشاركة في احتجاجات حركة 20 فبراير ودعم مطالبها ، خطوة محسوبة حتى لا يضع الحزب كل بيضه في سلة واحدة .
ــ أما بخصوص حزب الأمة غير المعترف به ، فقد أصدر بيانا يؤكد فيه على مطالبه الرئيسية التي لا يختلف فيها عن مطالب الأحزاب الديمقراطية ، ومنها : “
إصلاحات دستورية ترسي دعائم ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم.. وكذا إصلاحات سياسية تحمي الحق في التعبير والحق في التنظيم و تعطي للعملية السياسية  معناها، وتقطع مع ثقافة حزب الدولة التي ظهرت في تونس ومصر نتائجها الكارثية .. إلى جانب  إصلاحات اقتصادية ترسي دعائم نظام اقتصادي اجتماعي تضامني وفعال ومنفتح يحفظ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكافة المواطنين، وتقطع مع منطق الجمع بين السياسة والاستثمار وهو المنطق الذي يقتل المنافسة الحرة والنزيهة وينتج الكوارث الاجتماعية من تهميش وفقر وتفاوت طبقي كريه ومستفز وبطالة”. واضح من مطالب حزب الأمة أنه لا يدعو إلى تغيير النظام الملكي بقدر ما يطالب بنقل صلاحيات الملك إلى المؤسسات الدستورية .

ــ أما حركة الشبيبة الإسلامية  المحظورة ، فلم يختلف موقفها عن موقف جماعة العدل والإحسان من حيث الرغبة في تغيير النظام الملكي،  حيث  صدّرت بيانها بالمطالب التالية :

1 – إقامة نظام سياسي عادل يتمكن به الشعب من استرجاع حقه في اتخاذ القرارات التي يرضاها، ولن يتحقق ذلك إلا بملكية رمزية لا تحكم أو التمتع بحقه في اختيار نظام الحكم العادل المناسب.

2 – حل مجلسي النواب والمستشارين لما طال عملية انتخابهم من تزوير ورشوة وتدخل أجهزة الأمن والداخلية في تعيين المرضي عنهم وإقصاء المغصوب عليهم.

3 – إلغاء الدستور الحالي الذي لا يستجيب لمطالب الشعب وانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستورا يعترف بالمواطنة الكاملة للجميع، طبقا للمواصفات الحضارية التي بلغتها الإنسانية المعاصرة. 

مهما ظهرت من اختلافات في المواقف من ثورة الفل والياسمين ، فإنها اختلافات في الدرجة لا في النوع . بمعنى أن هذه التنظيمات الإسلامية ستركب قطار الثورة إذا
انطلق دون تردد ، ولن تتشبث بالملكية كإطار سياسي ، مهما كانت ديمقراطيته ، سيظل يمثل ــ في حكم الإسلاميين ــ نظام العض والجبر .

-- خاص بالسكينة - سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*