الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » جهاديو المغرب .. من داخل السجون ؟

جهاديو المغرب .. من داخل السجون ؟

معتقلو الجماعة الجهادية مفهوم يطلق على أعضاء خلايا وتنظيمات تعتنق عقائد التكفير وتخطط لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف مؤسسات الدولة والمصالح الاقتصادية والمؤسسات السياحية .

وتم اعتقالهم ومحاكمتهم في ملفات تتعلق بالإرهاب . وغالبية هؤلاء شملهم الاعتقال عقب التفجيرات الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء ليلة 16 مايو 2003 . وتجدر الإشارة إلى أن عدد الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها منذ أحداث البيضاء لا يقل عن المائة ، وهو رقم مهول يعكس الخطر الحقيقي الذي يتهدد أمن واستقرار المغرب . وعلى امتداد السنوات الأخيرة ، يخوض هؤلاء المعتقلون إضرابات عن الطعام بهدف الضغط على الدولة للاستجابة لمطالبهم التي تتمثل إما في إطلاق سراحهم دون قيد أو شرط  ،أو إعادة محاكمتهم . وسبق للدولة أن تعاملت معهم بقدر كبير من اللين والتفضيل مقارنة مع معتقلي الحق العام ، بحيث كانت تسمح لهم بعدد من الامتيازات داخل السجن لدرجة أن سجناء الحق العام ساءلوا الهيئات الحقوقية التي تتفقد أحوالهم إن كانوا يريدونهم أن يصبحوا إرهابيين حتى يتمتعوا بمثل ما يتمتع به معتقلو الجماعة الجهادية .

 وهذا الواقع المريح والتفضيلي وقفت عليه جريدة «نيويورك تايمز» في أحد تقاريرها الذي وصف المعتقلين الجهاديين وكأنهم لا يعيشون وضعية الاعتقال نظرا للهامش الكبير من الحرية التي يتمتعون بها بدءا من اختيار ملابسهم وانتهاء بتحويل السجن إلى إمارة تخضع لحكم الجهاديين وتنضبط لقوانينهم .

ومما ذكرته الجريدة حرية التصرف وإجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الأجنبية كالتالي : “في القاعة رفض حسن كتاني، وهو منظّر إسلامي معروف في الدوائر الجهادية، إجراء لقاء عبر شبكة الفيديو إلى أن بدّل الزي الذي يرتديه يوميا. وبعد دقائق توجه إلى القاعة بدون حراسة وظهر وهو يرتدي جلبابا أبيض وغطاء رأس ذهبي اللون وقال: «كنا في حالة سيئة عندما القي القبض علينا. كان الأمر صعبا» . وبالطبع هذا الوضع انتهى وبات التكفيريون أكثر حرية لدرجة ، كما جاء في تقرير «نيويورك تايمز» ، أن المبنى رقم 5 هو الأكثر اكتظاظا بالمتشددين ويبدو مثل قرية صغيرة. ويقيم النزلاء هنا مباريات في الملاكمة ويذبحون الخراف في العطلات) .
 وحتى تكون الصورة واضحة قارنت الجريدة بين المساحة المخصصة للجهاديين وتلك المخصصة لسجناء الحق العام كالتالي : في سجن الزاكي ، ” يتمتع 309 من السجناء المحبوسين بسبب قضايا إرهاب بمساحات أكبر. فكل زنزانة في هذا السجن بها ثلاثة نزلاء مقارنة بمتوسط يصل إلى 22 نزيلاً في الزنزانة بالنسبة للنزلاء المحبوسين بسبب قضايا عادية”. بل شيوخ الجهاديين يتمتعون بامتيازات أوسع ذكر منها تقرير الجريدة ما يلي ( كان أحمد رفيقي يضطجع على الفراش في زنزانته وكان شعر رأسه ولحيته مصبوغا بالحناء. وكان، هذا السجين المعروف باعتباره «أبا الجهاديين المغاربة»، قد أدين عام 2003 بقيادة شباب للقتال ضد الأميركيين في أفغانستان . يحصل على الطعام ثلاث مرات أسبوعياً بعد أن تعده له زوجتاه. ويؤدي باب زنزانته إلى حديقة خاصة وحمام. ولديه جهازا راديو وتلفزيون، ومنضدة لقراءة القرآن وخزانة لملابسه ذات الطابع الإسلامي).

وهذه الامتيازات لا تقتصر على سجن الزاكي وحده وإنما تشمل كل السجون . فقد أكد مدير سجن عكاشة في الدار البيضاء للجريدة حرية استخدام هؤلاء السجناء للغرف الزوجية فيما يسمى بالخلوة الشرعية وأنه “مسموح لهم باستخدام الغرف المخصصة للأزواج يوميا ابتداء من الساعة السادسة صباحا”. فضلا عن هذا فإن “أبواب الزنزانات مفتوحة 24 ساعة” . هذه “الحقوق” والامتيازات التي يتوفر عليها الجهاديون دون غيرهم من المعتقلين بالتأكيد لا تجعلهم يهابون الدولة ويقيمون وزنا لنظمها ومؤسساتها . وما يزيدهم “قوة” وتعنتا هو خضوع إدارة السجون لإرادة هؤلاء “المعتقلين” الذين باتوا في وضعية السجانين وليس المسجونين . فلا أحد من موظفي الإدارة يجسر على إصدار أمر أو تطبيق بند من قانون . وقد سبق لبعض الجرائد الوطنية أن نبهت إلى مخاطر السيبة التي تعرفها السجون وقد حولها الجهاديون إلى إمارات لها “حكامها” وحكوماتها ، كما لها قوانينها ونظمها تجعل من الأجنحة السجنية محميات لا تطأها أقدام المدير وأعوانه . ولا غرابة ، في هذا الوضع الشاذ ، أن يتحول سجناء الحق العام إلى “خدم و حشم” لدى شيوخ التطرف وأمراء الدم داخل الإمارة السجنية .

 فمن يجرؤ على فرض احترام القانون داخل السجن ؟ إن وضعية السيبة داخل السجن وغياب المراقبة الروتينية من طرف الإدارة والحراس ، استغلها معتقلو السلفية الجهادية في  حفر نفق بطول يناهز 30 متر والتخلص من عشرات الأطنان من الرمال والأتربة دون أن ترصدهم عيون الحراس والمنظفين ، مكن 10 منهم من الفرار بطريقة هوليودية حملت الإدارة على إعادة النظر في أسلوب اعتقال هؤلاء ومنعت عنهم ما كانوا يحظون به من امتيازات . كما سبق ودعت وزارة العدل على عهد المرحوم بوزوبع العلماء إلى محاورة هؤلاء المعتقلين لتصحيح عقائدهم التكفيرية وتشجيعهم على التراجع عنها .
 إلا أن الحوار لم يتم لأسباب تعود ، من جهة إلى العلماء الذين لم ينخرطوا في الحوار لأسباب قد تكون ذاتية ؛ ومن جهة ثانية تعود الأسباب إلى تعنت المعتقلين وتحديهم للعلماء عبر نعتهم بعلماء “السلطان” قدحا وتجريحا ، وكذا توجيه قائمة من الأسئلة يطرحونها على العلماء ويريدون منهم الإجابة عنها قبل أي حوار ، بل يعتبرونها شرطا للدخول في الحوار . فهؤلاء المعتقلون يصرون على التشبث بعقائدهم ويرفضون مراجعتها على النحو الذي تم في مصر وليبيا وموريتانيا والسعودية .
ومن أجل تجاوز وضعية المعتقلين ، طرح المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان حلا يقتضي منهم توجيه طلب عفو إلى الملك وإعلان تبرؤهم أو تراجعهم عن عقائد التكفير . لكن قلة منهم هي التي تقدمت بطلب العفو . مما يعطي الانطباع أن المعتقلين يرفضون طلب العفو لأحد السببين : الأول أن الملك ، في حكم عقائد الجهاديين ، طاغية لا يحكم بشرع الله ، وكافر لأنه اتخذ من القوانين الوضعية وقوانين اليهود والنصارى شريعة يحتكم إليها من دون شرع الله . ففي البيان التأسيسي لـ “الجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد بالمغرب الأقصى” ، والتي ألقت السلطات الأمنية المغربية القبض على 28 من أعضائها في فبراير 2007 . نقرأ التالي  :( نعتقد أن الأنظمة الوضعية السائدة في بلاد الإسلام نظام كفري مقتبس من قوانين اليهود و النصارى واضعوها شركاء لله في الحاكمية و العاملون بتلك الأنظمة أو المقرون لها أو المتحاكمون إليها مشركون ، ونعتقد كفر الحكام الذين يبدلون شرع الله بشرائع و قوانين الكفر و الحاكم الذي يجعل من نفسه ندا لله في خاصية التشريع فيشرع التشريع الذي يضاهي شرع الله ) . لهذا يرفض جزء من المعتقلين الاعتراف بشرعية النظام إذا ما تقدموا بطلبات العفو .

لأن طلب العفو في حد ذاته هو احتكام لسلطان كافر وفق قائد الجهاديين . أما السبب الثاني الذي يرفض على أساسه جزء من الجهاديين تقديم طلب عفو إلى الملك فيكمن في  اعتبار كل طلب عفو هو إقرار بارتكاب جرم مخالف للقوانين وللشرع معا ، وينبغي التراجع عن كل الأفعال والعقائد الثاوية وراء الجرم والمحرضة عليه والمشرعنة له . في حين أن هؤلاء لا يقرون بارتكابهم أية مخالفة شرعية أو قانونية ، بل يعتبرون أنفهم أبرياء اعتقلتهم الدولة ضمن إستراتيجية مكافحة الإرهاب التي انخرط فيها المغرب إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية .

وجاء في رسالة وجهها عدد من المعتقلين الجهاديين بسجن عكاشة بالدار البيضاء إلى الملك في نونبر 2009  (نكتب لكم و أنتم من ملككم الله تعالى البلاد و استأمنكم على مصالح الأمة المغربية و استرعاكم سبحانه رعاياه، بعد سبع سنوات عجاف من الصبر على الظلم و قلة المنصف لنا و لعوائلنا الذين تشردوا و نالوا كما نلنا حقهم من الظلم و الهوان و قلة ذات اليد و انتهاك كرامتهم ككرامتنا بما شهد به القريب و البعيد، و بعد طول انتظار لإنصاف و إعادة الحق إلى أهله، و جبر كسر من زج بهم في غياهب السجون بغير دليل أو برهان. .. هذا واعلموا وفقكم الله لما فيه خير البلاد و العباد و لما يحبه و يرضاه، أننا نؤكد على براءتنا أمام الله عز و جل ثم أمامكم و أمام شعبنا المغربي حفظه الله بالإسلام من كل سوء. و نطلب منكم و من المؤسسات التي ترأسونها أن ترفعوا عن الأبرياء الظلم الجاثم على أرواحهم و صدورهم بما أعطاكم الله من السلطة التنفيذية ). ومن منطق هؤلاء المعتقلين ، فإن الدولة هي التي ينبغي لها أن تصحح خطأها بإطلاق سراحهم والاعتذار لهم ، بل وجبر ضررهم عبر تعويضهم ماليا عما لحق بهم من أضرار نفسية وجسدية جراء الاعتقال . لأجل هذا أسس المعتقلون إطارا حقوقيا خاصا بهم بغاية ، كما جاء في البيان(  نوجه لمن يهمه الأمر أهم مطالبنا التي نتمثلها في هذه الواجهة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

– المطالبة بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب وبكل ما من شانه النيل من كرامتنا وخنق حرياتنا وكتم أنفاسنا.

– الإغلاق الفوري لمعتقل تمارة وأقبية المعاريف لكونها رمزا شاخصا لمرحلة سوداء في تاريخنا المعاصر.

 – مناهضة كافة إشكال الإفلات من العقاب ومحاسبة جلادينا وكبار الجلاوزة في زمن الجبر الجديد.

 – إطلاق سراحنا بصفة عامة ودون قيد أو شرط مع ما يصاحبه من جبر الضرر ورد الاعتبار.)

أمام إصرار هؤلاء المعتقلين على  طلب الحوار  من أجل إيجاد حل لقضيتهم ، وتجنبا لحالة الاحتقان داخل السجون بعد محاولة انتحار مجموعة منهم بسجن القنيطرة يوم 25 نونبر المنصرم ، سيكون على الدولة أن تتعامل بجدية معهم حسب توجهاتهم ، على اعتبار أن فئة منهم تلطخت أيديها  بدماء الأبرياء ومصرة على أفعالها ومواقفها ؛ وهذه لا حوار معها ولا عفو .وسبق لهذه الفئة أن تبرأت من المعتقلين الذين أيدوا مبادرة أبي حفص  التي نشرها تحت عنوان “أنصفونا” ، حيث نشر مركز المقريزي للدراسات التاريخية بيانا لما يسمى ”أسرى التوحيد والجهاد في السجون المغربية” ، يقولون فيه  إن 16 معتقلا فقط مقربين من الشيخ أبي حفص يروجون لفكرة المراجعات، في حين أن المعتقلين لا يحبذون هذه الفكرة.

 أما الفئة الثانية فهي التي تدافع عن براءتها وأعلنت إقرارها بشرعية الملك وعدم الخروج عليه واحترام ثواب الشعب المغربي ؛ وهذه الفئة يمكن إعادة دراسة ملفاتها ومحاورتها من طرف أهل الاختصاص للتثبت من براءتها وتخليها عن عقائد التكفير وثقافة الكراهية .

وستكون التجربة السعودية مفيدة جدا للاستئناس بها في التعامل مع أفكار هؤلاء وعقائدهم ومحاورتهم بهدف تصحيحها .

-- خاص بالسكينة- سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*