الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » أزمة الإخوان.. أزمة أجيال أم منهج أم لائحة؟

أزمة الإخوان.. أزمة أجيال أم منهج أم لائحة؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم يعد الكلام في الشأن الإخواني حكرًا على أعضاء الجماعة بعد ما كسر بعض قيادات الجماعة هذا الحظر بأنفسهم، ولجأوا إلى وسائل الإعلام للإعلان عن رفض أو قبول شيء مما يجري داخل كواليس الجماعة؛ بدءًا من أزمة رغبة المرشد في تصعيد الدكتور “عصام العريان” إلى “مكتب الإرشاد” دون انتخابات خلفـًا للأستاذ “محمد هلال” -رحمه الله-، ومعارضة معظم أعضاء المكتب لهذا الأمر، مما دفع المرشد إلى التنازل عن مهامه للدكتور “محمد حبيب”، ثم إجراء انتخابات لـ “مكتب الإرشاد” لم يوفق فيها كل من الدكتور “حبيب” والدكتور “عبد المنعم أبو الفتوح”، بينما نجح فيها الدكتور “عصام العريان”، في ذات الوقت الذي أبدى الدكتور “إبراهيم الزعفراني” عدم رضاه عما أسماه بـ “الانتخابات الموجهة لمكتب الإرشاد”.

الأزمة فسَّرها البعض بالقصور في اللائحة، وفسرها البعض الآخر بأنه صراع بين المحافظين والإصلاحيين، وفسره البعض الآخر بأنه صراع بين الفكر الوسطي والفكر القطبي.

ودخل على الخط -وربما كانوا على الخط من أول الأمر- مراكز بحثية، ورجال ممن يحملون لقب “باحث في شئون الجماعات الإسلامية”؛ كلٌّ يريد أن يشكـِّل توجهات جماعة الإخوان وفق رؤيته هو لما ينبغي أن تكون عليه جماعة الإخوان، لا سيما في مقدار انفتاحها على السياسة والغرب.

وقد كان لهؤلاء أثر بالغ في استدراج الدكتور “حبيب” إلى ساحة التصريحات الإعلامية، ثم التهديد بالاستقالة، ثم الاستقالة الفعلية من كل مهامه في الإخوان عدا عضوية مجلس الشورى العام، وهي كلها مفردات غريبة على جماعة الإخوان المعروفة بأطرها التنظيميَّة الصارمة.

وفي هذه السطور نحاول استجلاء الأمر، وتوجيه نصيحة -نسأل الله أن تكون خالصة- لهذا الفصيل الإسلامي:

من الواضح أن الأزمة الحالية أبطالها هم رموز جيل السبعينيات، والذي سيطر على الخطاب السياسي والإعلامي للجماعة في السنوات الأخيرة، وأن ذلك تم بدعم من الأستاذ “عاكف” المرشد الحالي الذي أعطاهم الفرصة واختار المهندس “خيرت الشاطر” والدكتور “حبيب” ليكونا نائبين، كما أنه خاض مواجهة عنيفة مع باقي أعضاء “مكتب الإرشاد” بسبب رفضهم لتصعيد الدكتور “عصام العريان” لـ “مكتب الإرشاد” قبل إجراء هذه الانتخابات، وهي الأزمة التي أسفرت عن تفويضه الدكتور “حبيب” في أداء مهام منصبه، ويبدو أن الفترة القصيرة التي أدار فيها الدكتور “حبيب” الجماعة نائبًا عن “المرشد” قد رسَّخت الرؤية لدى الكوادر القديمة في “مكتب إرشاد الإخوان” أن التيار المسمى بالإصلاحي يسعى لإحكام قبضته على الجماعة، ومن ثمَّ دفعوا الأمور في اتجاه إجراء انتخابات عاجلة يتجنبون بها استمرار الدكتور “حبيب” في منصب “المرشد” أكثر من ذلك، لا سيما أنه كان سيتولى المهمة ستة أشهر كاملة منفردًا إذا تم تأجيل انتخابات “مكتب الإرشاد” لحين إجراء انتخابات مجلس الشورى القادمة.

وفي ثنايا هذا الصراع حاول كل فريق أن يفسر لائحة الإخوان بما يخدم رؤيته، مما دفع البعض إلى تفسير الأزمة على أنها “أزمة لائحة”.

والواقع أن الأزمة أعمق بكثير من هذا، ولنحاول الآن سرد فصولها:

الفصل الأول: “الإخوان” كما أسَّسها الأستاذ “حسن البنا” -رحمه الله-:

الأستاذ “حسن البنا” شخصية حادَّة الذكاء، متوقدة العاطفة، تملك قدرة عالية على التأثير فيمن حوله، بدأ حياته صوفيًّا في الطريقة الحصافية؛ فطوَّر من شأنها من حركة انعزالية رافضة إلى حركة اجتماعية نشطة عن طريق تأسيسه لجمعية “الإخوان الحصافية”، ثم التحق بكلية “دار العلوم” عن طريق مسابقة أهـَّلته للانضمام إليها رغم حداثة سنه، فانتقل من قرية “المحمودية” إلى “القاهرة”، حيث تأثر بالأستاذين: “محمد رشيد رضا” و”محب الدين الخطيب”، وعرفه الجمهور عندما قدمه “محب الدين الخطيب” كاتبًا في “مجلة الفتح”، واتسعت مدارك الأستاذ “البنا”، وبدا وكأنه يعيش حالة من الصراع بين مورثه الصوفي القديم وبين الثقافة السلفية التي وجد نفسه جزءًا منها.

وتخرج “الأستاذ البنا” وتم نقله إلى “الإسماعيلية” ليبتعد عن أستاذه في “القاهرة”، ولكنه كان قد التقط من الأستاذ “رشيد رضا” قاعدته التي سماها بقاعدة المنار الذهبية: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”.

وهي قاعدة كان الأستاذ “رشيد رضا” يطرحها في محاوراته مع الشيعة كتكتيك لجرِّ عقلاء الشيعة، وما يلبث أن يوضح من أن المتفق عليه هو الكتاب والسنة كما وردت في كتب السنة، وهو تعظيم القرون الثلاثة الخيرية، مما دفع الشيعة إلى رفض دعوته، بل إلى تكفيره كما ذكر ذلك في أكثر من عدد من مجلته “المنار”.

لكن الأستاذ “حسن البنا” وجد فيها الملاذ الذي يحل به النزاع الداخلي في نفسه بين السلفية والصوفية، كما أنه وجد به السبيل الذي يحل به الصراع الذي كان على أشده بين السلفية والأشاعرة ممثلة في معظم شيوخ “الأزهر” وفي “الجمعية الشرعية”، ثم استعمله لاحقـًا مع الشيعة أنفسهم وبصورة جادة وفاعلة وقابلة لتجاوز كل نقاط الخلاف مع الشيعة فعلاً، مما دفع الشيعة إلى قبول مبادرته على خلاف مبادرة أستاذه “رشيد رضا”.

وقد صاغ الأستاذ “البنا” “الأصول العشرين” منطلقـًا من هذه القاعدة كما يدرك ذلك كل من طالعها.

وكان لهذه الروح التجمُّعية أثرٌ لرواج دعوة الأستاذ “البنا”؛ لأنها خرجت في وقت يأس وإحباط، وكان الجميع يريد تجاوز مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل. وكان لشخصية “البنا” الآسرة دور كبير في انطلاق العجلة على هذا النحو.

ولكن الجماعة دفعت الثمن غاليًا عن طريق تمرد التنظيم الخاص، وتنظيره لنفسه في قضية غاب فيها تنظير الأستاذ “البنا”؛ ألا وهي كيفية التعامل مع النظام الحاكم في ظل تعقـُّد الأمور.

كما أن الأستاذ “سيد قطب” والذي تطوَّر فكره من البعد عن الفكرة الإسلامية إلى الاندماج فيها على الطريقة الإخوانية، ثم إلى استقلال شخصيته عن طريق الدراسات الفكرية التي كانت أعمق بكثير من إنتاج الأستاذ “البنا” في هذا المجال، والتي بيَّن فيها عظمة التشريع الإسلامي مقارنة بالتشريعات الأوربية الوافدة التي افتتن بها أهل ذلك الزمان، ومن نتاج هذه الدراسات خرج الأستاذ “سيد قطب” بضرورة استعلاء المسلمين بإسلامهم، وعدم الوقوف دائمًا موقف المُدافع، وهي فكرة كانت جديدة وحماسيَّة ومستمدة من نور الوحي، مما جعل “القطبية” تمثل تيارًا جارفـًا داخل الإخوان، إلا أن الأستاذ “سيد قطب” -عفا الله عنه- تجاوز بفكرة الاستعلاء بالإيمان الاستعلاء على الكفر بالاستعلاء على المسلمين العصاة، وتكرر منه استعمال لفظ: “جاهلية القرن العشرين”، مما مثـَّل بوادر ظاهرة تكفيرية داخل الإخوان.

وحسنـًا فعل الإخوان حينما أسندوا مهمة “المرشد” إلى المستشار “حسن الهضيبي” رغم كونه من خارج الجماعة، فوقف أمام كثير من الانحرافات، والذي يعتبر كتابه “دعاة لا قضاة” المحاولة الأولى للرد على الفكر التكفيري الذي بدأ يتكون.

إذن فقد عانت الجماعة في أصل نشأتها من نتوءين فكريين في غاية الخطورة: فيما يتعلق بالمواجهة المسلحة مع النظام، وفيما يتعلق بالمواجهة التكفيرية مع المجتمع.

وجاءت فترة الحرب الشاملة من النظام الناصري مع الإخوان ليقف تيار الانشطار الذي كان السبب الرئيسي فيه هو غياب التنظير الكامل لدى جماعة الإخوان في مناهج الاستدلال أولاً، ثم في العقيدة ومناهج الدعوة وأساليب التغيير ثانيًا.

وجاءت الانفراجة والعصر الساداتي، والذي كان مرشد الإخوان فيه الأستاذ “عمر التلمساني”، وفي عصره تم التوسع بقوة في مفهوم التعاون فيما اتفقنا عليه، وعقد الإخوان مؤتمرًا حاشدًا في مسجد “أبي العباس” في “الإسكندرية”، وحضره جميع الإخوان، وهو الأمر الذي كان يتحاشاه الأستاذ “البنا” رغم نشأته الصوفية. وهذه الفترة شهدت انضمام جيل جديد من الإخوان عُرف بجيل السبعينيات.

الفصل الثاني: جيل السبعينيات جيل يحاول تغيير الإخوان من الداخل:

في أثناء وجود الإخوان في السجون تكوَّنت حركة طلابية إسلامية سلفية متأثرة بدعاة “أنصار السنة” في الداخل، وبكتابات “الشيخ الألباني” وكذلك بكتابات الشيخ “ابن باز” والشيخ “العثيمين”، ومن وراء كل هؤلاء كانت كتابات: “ابن تيمية” و”ابن القيم” -رحمهم الله جميعًا-.

وبعد التواجد العلني للإخوان عرضوا على هذه الحركة الطلابية أن ينضموا للإخوان، فرفض عددٌ كبير ذلك، رافضين المنهج التجميعي الذي قامت عليه دعوة الإخوان، بينما وافق على ذلك الكثيرون من رموزهم الحالية: الدكتور “محمد حبيب”، والدكتور “عبد المنعم أبو الفتوح”، والدكتور “إبراهيم الزعفراني”، والدكتور “عصام العريان”.

وقد كان غرض هؤلاء من دخول الإخوان الاستجابة للأصوات التي طالبتهم بالإصلاح من الداخل لا من الخارج.

دخل هؤلاء الإخوان على أنهم تيار “إصلاحي”، ولكن كان مفهوم الإصلاح عندهم آنذاك هو الوصول بجماعة الإخوان إلى نقاء فكري ومنهجي على منهج أهل السنة والجماعة.

وبالعزيمة القوية لهذا الجيل الذي يمثـِّل من الناحية العُمرية في دعوة الإخوان جيل الوسط قرر الإخوان خوض التجربة البرلمانية، وخاض هؤلاء الرموز معارك حضروا فيها ورش عمل مشتركة مع أحزاب علمانية بدعوى مصلحة الدعوة، وتمدَّدت قاعدة التعاون فيما اتفقنا عليه لتشمل التعاون مع الأحزاب العلمانية وتقاسم الحصص الانتخابية معها!!

واتصل هؤلاء بالإدارة الأمريكية، وقابلوا سفراء أمريكا في “القاهرة” أكثر من مرة تحت شعار: “الحوار الإخواني الأمريكي”! وكل هذا كان بتكليف من الجماعة، ورضا من مرشديها.

حتى كلف الأستاذ “الهضيبي” المهندس “أبو العلا ماضي” بالتقدم بمشروع حزب سياسي كنوع من أنواع المبادرات السياسية، ثم صدرت توجيهات لماضي بتعليق مشروع الحزب إلى أجل غير مسمى، مما دفع “أبو العلا ماضي” إلى الخروج من الجماعة والاستمرار في مشروع الحزب حتى الآن، وكلما امتد الزمان بحزب الوسط صار الحزب أكثر “وسطية” من وجهة نظر أصحاب الثقافة العلمانية، مما يعني أنه يصبح أكثر تسيبًا وبعدًا عن المنهج الإسلامي من الجهة الشرعية.

وتأثر جيل السبعينيات في الجماعة بنفس المؤثرات التي أثـَّرت في حزب الوسط تقريبًا، ونسي رموزه الإصلاح السلفي الذي كانوا ينوون إحداثه في الإخوان؛ ليتكلموا عن إصلاح فكري في اتجاه العلمنة.

وكانت القضية في أول الأمر لا تعدو أن تكون ليًّا للكلام ليرضى العلمانيون، فيقولون: “نحن نؤمن بالديمقراطية” ثم يقيدونها بما لا يخالف الشرع، “ونحن ننادي بالحرية” ويضيفون إليها نفس القيد.

بيد أن الخصوم استخدموا كل ما في جعبتهم من أساليب الترويض، وطالبوا الإخوان بتدوين وتوثيق كل هذه الأفكار وتطبيقها على الإخوان في الداخل.

وكان من مظاهر ذلك: الانقلاب على أمور كان موقف الجماعة فيها في غاية الوضوح، كموقفهم من مشاركة المرأة في الانتخابات، والذي كانوا يرفضون مشاركتها فيه كناخبة، ثم تحوَّل إلى موافقتهم على دخولها فيه كمرشحة، بل دفع الدكتور “إبراهيم الزعفراني” بزوجته في انتخابات في “الإسكندرية”، وقـُدمت لتقدِّم برامجها الانتخابية في كلمات عقب صلاة الجمعة في مساجد الإخوان الكبرى، وخلعت النقاب من أجل إعداد ملصقات الإعلانات إلى آخره، كل هذا لإثبات أن الموقف الجديد من المرأة موقف ثابت لا يتغير.

كما زار الدكتور “عبد المنعم أبو الفتوح” “نجيب محفوظ” مطالبًا إياه بإعادة نشر الرواية الكفرية “أولاد حارتنا”، ومتبرئًا من “سيد قطب”، في حضور جوقة من العلمانيين لم يرضوا منه بما دون ذلك.

وراح الدكتور “عصام العريان” ينظـِّر للحوار الإخواني الأمريكي، وأبدى استعداده -بل استعداد جماعة الإخوان- لمراجعة الموقف من اتفاقية السلام، وهي الحالة التي أصبح فيها جيل السبعينيات عبئًا على الجماعة، ومسببًا للحرج البالغ لكوادرها فضلاً عن رموزها.

الفصل الثالث: “الأستاذ عاكف” يدعم جيل السبعينيات ثم ينقلب عليه فجأة:

هذه هي ملخص الحالة الحالية؛ لقد صعَّد الأستاذ “عاكف” الدكتور “حبيب” ليكون نائبًا له، وصعَّد الدكتور “عصام العريان” ليكون رئيس المكتب السياسي للجماعة، وخاض حربًا من أجل تصعيده التلقائي لـ “مكتب الإرشاد”.

ثم تدخل الأمين العام الدكتور “محمود عزت”، وبدأت سلسلة من الإجراءات والانتخابات ترتب عليها خروج الدكتور “حبيب” والدكتور “أبو الفتوح” من “مكتب الإرشاد” وإن بقي فيه الدكتور “العريان”، وفسَّر البعض ذلك بأنه قادر على التعايش مع المحافظين كما يسمونهم، وانحصرت ترشيحات “المرشد” في شخصيات محسوبة على تيار المحافظين، وهي المعركة التي أخذت صورة لائحية، مما حدا بالبعض أن يفسر الأزمة على أنها “أزمة لائحة”.

وفي ظل حالة التوتر القائمة الآن بين هذين التيارين في الإخوان يحاول بعض المفكرين الذين يروِّجون لعلمنة التيار الإسلامي أن يدفعوا جيل السبعينيات الإخواني إلى اتخاذ خطوة انفصالية مدَّعين أنهم أحق بالانتساب إلى الأستاذ “البنا” ممن سموهم بالمحافظين الذين نسبوهم إلى “سيد قطب”.

ولو كانت كل الأماني ممكنة لدعونا رموز هذا الجيل إلى العودة إلى جذورهم السلفية، وإذا كان هذا المطلب بعيدًا؛ فلا أقل من أن يبقوا مع إخوانهم من المحافظين ولو من باب إعطاء الفرصة، فقد أخذ جيل السبعينيات الدفـَّة الفعليَّة منذ عصر الأستاذ “التلمساني”، فتأخرت في عهدهم دعوة الإخوان وشـُوهت، وصارت سلمًا ارتقاه “حزب الوفد” تارة، و”أيمن نور” تارة، دون أن يقدِّموا لدعوتهم أي نجاح يُذكر وسط مشاهدة صامتة من الفريق الآخر انفجر بركان غضبها أخيرًا، فلا أقل من أن يتركوا الفرصة للجناح الآخر -إن صح التعبير- أن يقود الدفة.

كما أن هذا الجيل -الذي تغير أفراده من السلفية إلى الفكر الإخواني إلى الذي يسمونه بالفكر المنفتح- يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس، وإعطائها فرصة التقاط الأنفاس، فمن غير الطبيعي أن يكون شخص في موقع القيادة أي قيادة وهو يغيِّر فكره بهذه السرعة وبهذه الاستمرارية.

إن رموز هذا الجيل قد يكونون الآن -بحكم السن- من الشيوخ، ولكن يبدو أن لديهم نفس حماس وتقلب الشباب ربما لقربهم من الشباب، أو ربما لكونهم مثـَّلوا جيل الشباب في مرحلة ما مِنْ حياتهم.

إن الإنسان يحتاج مع كل نقلة فكرية أن يقف وقفة يتأمل طريقه، والعوامل والمؤثرات التي ترسم مساره، وأسباب سرعة تغيره.

يدَّعي هذا الجيل أنهم فهموا الإسلام خطأ فتشددوا حتى اتصلوا بفكر “الأستاذ البنا”، ولكن تلاميذ “البنا” الحقيقيين يرون الآن فيهم خطرًا على الفكرة الإسلامية.

فالنصيحة الصادقة لهذا الجيل:

رويدًا رويدًا.. أبصروا مواقع أقدامكم قبل أن تـُستخدموا لحرق الفكرة الإسلامية من الأساس، والتي كنتم في يوم ما رموزًا حرَّكوها وعاشوا لها رغم حداثة سنهم.

وأما جماعة الإخوان ككل ففي حاجة ماسة إلى الأمور الآتية:

1- تقرير منهج علمي عقدي واضح تسير عليه الجماعة، وتحديد منهج حركي مبني على حساب المصالح والمفاسد بطريقة شرعية، فلم يعد كافيًا الانتساب إلى فكر “البنا”، وقد بينـَّا أنه لم يكن كافيًا في زمانه، فكيف في زماننا؟! ولم يعد مناسبًا أن تتنصَّل الجماعة من وجود منهج علني معلن، وأن تـُخرج أبحاثها التثقفية من إطار الفردية إلى إطار الجماعية والعلنية.

2- تحتاج الجماعة إلى تراث مكتوب في كل القضايا التي أثير حولها الجدل من التحالف مع الأحزاب العلمانية، وما هي أدلة جوازه إن كانوا يرون ذلك؟ وهل هو جائز مطلقـًا أم بشروط؟ وما هي هذه الشروط إن وُجدت؟ وتطبيق هذا على ممارسات الفترة السابقة.

3- تحتاج الجماعة إلى الاعتراف بأن الآراء التي مثـَّلت اجتهادًا جماعيًّا من الجماعة أو اجتهادًا فرديًّا حاز على القبول العام كالآراء التي كانت تـُنشر في مجلة الدعوة في السبعينيات مثـَّلت أراء الجماعة في فترة ما، بدلاً من الزعم أنها كانت آراء فردية لبعض رموز الجماعة كما ردَّت بذلك الأستاذة “جيهان الحلفاوي” على محاوِرها في قناة الجزيرة إبان ترشحها للانتخابات في الإسكندرية، وعلى الجماعة إعادة تقييم هذه الأمور، ونشر الرأي الحالي فيها، وإن كنا نتمنى أن ينتهي الرأي الحالي فيها إلى الرأي السابق المانع من مشاركة المرأة في قضية التصويت فضلاً عن الترشيح.

4- تحتاج الجماعة إلى إعادة صياغة علاقتها بالجماعات الإسلامية العاملة على الساحة؛ حيث شهدت الجماعة منذ فترة السبعينيات وحتى الآن توسعًا كبيرًا في قاعدة التعاون فيما اتفقنا عليه، شملت فيما شملت الحزب الشيوعي المصري، والذي حضر الإخوان مؤتمرات للمعارضة في وجوده، وشملت إخلاء دوائر انتخابية لنصارى! وشملت المجاملة الفجة من الدكتور “عبد المنعم أبو الفتوح” لـ”نجيب محفوظ”! ولكنها في ذات الوقت شهدت توترًا بالغـًا مع الاتجاهات الإسلامية الأخرى لا سيما السلفيين، والذين يمثـِّلون امتدادًا لتيار تتلمذ الأستاذ “البنا” على يديه(1).

5- تحتاج الجماعة إلى إعادة صياغة لأوليَّات الشورى لا تـُقتبس من النظام الغربي، ولا تـَخِل بكونها جماعة دعوية وحركة اجتماعية يفرز قيادتها في المقام الأول بطريق الانتخاب الطبيعي، وهذه هي نقطة القصور الرئيسية في اللائحة الحالية، والتي حال دون تفاقمها في السابق وجود القيادة المُجمَع عليها تقريبًا، وكان كثيرًا ما يتم يتجاوز اللائحة لصالح الإفراز الطبيعي وسط رضا وترحيب من الجميع، حتى حدث التطور الأخير بحرص الجماعة على أن تبدو بصورة المطبـِّق للديمقراطية داخليًّا، وهو أمر دعمه جيل السبعينيات؛ لكونه أحد المطالب التي كثيرًا ما طـُلبت منهم، وبوصفها طريقهم الوحيد للتأثير على الجماعة.

وفي هذا الصدد يبدو غريبًا جدًّا ألا يحصل الشيخ “عبد الله الخطيب” على أصوات تؤهله لعضوية “مكتب الإرشاد” رغم كونه مفتي الجماعة.

6- يجب على الجماعة أن تـُدرك أن الخطاب الإعلامي صار خارج السيطرة، فإذا كانت الجماعة في الماضي هي التي تصوغ بياناتها ثم تخرج بها على الصحافة، ومن ثمَّ كانت هناك فرصة للصياغة “المواربة” في بعض القضايا كقضية الديمقراطية وحرية المرأة؛ لكن الموقف الآن مختلف؛ حيث يخضع رموز الجماعة إلى ما يشبه الاستجواب ومحاكم التفتيش في الفضائيات وفي غيرها، وهذا الذي دفع جيل السبعينيات إلى تبني ما تبنى.

فالجماعة في حاجة الآن إلى خطاب دعوي موحد منضبط شرعًا يُعلم للأتباع، ويُصرَّح به في الفضائيات، وفي كل المحافل العامة، ويطبَّق في السلوك العملي للجماعة.

7- تحتاج الجماعة إلى مراجعة موقفها من العمل السياسي، ومدى تأثيره على العمل الدعوي، لا سيما في ظل التنازلات التي تـُطلب فيه، وكذلك تحتاج الجماعة أن تتقي الله في الاتجاهات التي ترى عدم مشروعية الانتخابات، ونتمنى أن تختفي من قواميسهم عبارات: “خيانة الأمانة”، و”كتم الشهادة”!! ونحوها من الأوصاف التي ينعتون بها من أدَّاه اجتهاده إلى عدم المشاركة في اللعبة السياسية، بينما الجماعة قاطعت الانتخابات أكثر من مرة بدعوى عدم جدوى خوضها، وها هي الجماعة تشهد انقسامًا عنيفـًا سببه الرئيسي إيقاف قاطرة الاندماج السياسي التي يقودها جيل السبعينيات.

8- صرف الإخوان همهم في قضية الولاء والبراء إلى اليهود بصفتهم مغتصبين لأرض المسلمين، وبالغوا في مجاملة النصارى؛ متذرِّعين في ذلك بموقف للأستاذ “البنا” الذي عيَّن “موظفين نصارى” في “مكتب إرشاد الإخوان”، متناسين عدة أمور منها:

– أن كلاً يؤخذ من قوله ويترك، ولا ينبغي أن يكون مستند دعوة كبيرة كدعوة الإخوان في قضية خطيرة كهذه موقفـًا فرديًّا لمؤسسها، لا سيما وأنه يحتمل التأويل.

– أن دعوة الإخوان آنذاك كانت مشحونة بمن يقومون بالتصدي الفكري لعقائد النصارى ولشبهات المستشرقين، حتى لو كانوا محسوبين على الجناح القطبي في الجماعة، فقد كان في النهاية أحد أجنحة الجماعة.

– أنه حتى على فرض أن هذا الموقف سليم شرعًا؛ ولكن انتشار حمى التنصير توجب على أكبر جماعة إسلامية أن تتخذ خطوات عملية في مواجهة التنصير، حتى لو احتفظت بنفس رؤيتها في التعامل مع النصارى الذين لا يعملون بالتنصير.

9- نفس الأمر يُقال حول موقف الإخوان من الشيعة؛ فلا ينبغي أن يُجعل من سعي الأستاذ “البنا” إلى التقريب مع الشيعة حاجزًا من الوقوف أمام تيار التشيع الذي أخرج الشيخ “القرضاوي” عن صمته، مما عرَّضه لحملة شيعية عنيفة للأسف خذله الإخوان فيها ولم يقفوا بجانبه!

وهذا الموقف بالإضافة إلى حاجته إلى المراجعة الشرعية كأصل يحتاج إلى المراجعة الواقعية بعد ما تبين أن مفهوم التقريب عند الشيعة مفهوم واحد؛ هو تحوُّل السنة إلى شيعة، والسماح للشيعة بممارسة دور دعوي بين السنة، وأما العكس فلا، وهو ما لم يكن واضحًا في زمان الأستاذ “البنا”، وهو ما أدركه بعض رموز الإخوان من خارج مصر: كالدكتور “مصطفى السباعي”، والأستاذ “سعيد حوى” -رحمهما الله-.

نعم؛ صدر موقفٌ معلن فى تصريحات للمرشد الجديد الدكتور “محمد بديع” تؤكد عدم انسحاب الإخوان من العمل السياسي، وثبات موقفهم من قضية النصارى، ولكن تبقى هذه مواقف عامة، ولم يكن متصورًا تغييرُها جملة وتفصيلاً؛ ولكن نأمل أن تساهم المراجعة الشاملة في إعادة الاعتبار إلى العمل الدعوي والتربوي، وضبط سائر الأنشطة قدر الإمكان.

وفي نهاية الأمر نسأل الله أن يجعل هذه النصائح خالصة لوجهه، وأن يوفق جميع المسلمين إلى أرشد أمرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يرى بعض المحللين ومنهم المهندس “أبو العلا ماضي” أن جيل المحافظين أكثر حدة على المخالفين، إلى حد وصفه للدكتور “محمد بديع” الذى أُعلن عن اختياره مرشدًا جديدًا للإخوان بأنه حادٌّ مع كل مخالفي الإخوان إلى درجة التكفير.

ونحن لا نريد أن نصدر أحكام مسبقة، لا سيما وأن الجماعة بصدد تقييم مواقفها بصفة عامة، ونرجو أن يكون موقفها من الجماعات الأخرى على رأس قائمة الموضوعات.

www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

-- موقع صوت السلف - عبد المنعم الشحات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*