الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » حركة 20 فبراير المغربية ومحاذير الانحراف أو التبعية

حركة 20 فبراير المغربية ومحاذير الانحراف أو التبعية

تأسست حركة 20 فبراير بتأثير وتفاعل مع الحركات الاحتجاجية التي عرفتها تونس ثم مصر في المطالبة بالإصلاحات والديمقراطية .
وتميزت الحركة عن نظيراتها في المنطقة العربية بميزات أساسية حافظت على تميز التجربة المغربية واستثنائها ، ومنها :
أولا ، أنها حركة إصلاحية تتوخى التغيير من داخل النظام السياسي المغربي.

فهي لا تعادي النظام الملكي ولم ترفع شعار “ارحل” أو “الشعب يريد إسقاط النظام”.

بل حافظت الحركة على احترام ثوابت الشعب المغرب والانسجام معها ، مما وفر لها سندا شعبيا وحزبيا هاما جعل الدولة تتعامل مع مظاهراتها ومسيراتها برزانة وتفهم أغناهما ــ الحركة والدولة ــ عن كل مواجهة أو عنف.

الأمر الذي جعل الهيئات الحقوقية الدولية تثني على التعامل السليم  للسلطات العمومية مع الحركة الاحتجاجية التي اتسع مداها لتشمل كل المدن المغربية.

فالحركة أقرت ، منذ تأسيسها ، بشرعية النظام الملكي التاريخية والدينية والشعبة ، مما يجعل التغيير ممكنا ومتاحا من داخل النظام وبتوافق مع الملك  ولا يستدعي الأمر إسقاطه أو الثورة ضده.

وإذا كانت ثورتا الفل والياسمين انطلقتا من كون النظام في تونس ومصر غير قابلين للإصلاح أو التغيير ، لهذا رفع الشباب شعار “ارحل” ، فإن حركة 20 فبراير المغربية ارتبط ظهورها بمطالب سياسية ودستورية لا تمس طبيعة النظام السياسي  ، بقدر ما تطالب بمحاربة الفساد والاستبداد وتحقيق الديمقراطية والكرامة.

فظل مطلبها الأساسي هو “الملكية البرلمانية” بما تعنيه من صلاحيات واسعة للوزير الأول وللحكومة تجعل تدبير الشأن العام من مهام ممثلي الشعب وفق ما يقتضيه شعار”الملك يسود ولا يحكم”.

وهو شعار ومطلب يحافظ على الإطار السياسي للملكية ولا يرى في إسقاطها شرطا للتغير والإصلاح . إذن المطالب تركز على ممارسة النظام وليس طبيعته.

ثانيا ، أنها التزمت بالسلمية ، بحيث ركزت على توفير العناصر المكلفة بالحماية والأمن من بين أعضائها وأطرها حتى لا تمتد يد التخريب إلى الممتلكات العامة أو الخاصة.

فضلا عن استحضار العوامل التي قد تتسبب في الانفلات الأمني والإضرار بمصالح المواطنين ؛ لهذا كان التركيز على تنظيم الاحتجاجات في الساحات العمومية حيث تقل الكثافة السكانية وتتوافر شروط الضبط والتحكم في مسار المحتجين  منعا لكل اختراق أو انحراف.

وباستثناء اليوم الأول لانطلاق الحركة الاحتجاجية الذي عرف بعض أحداث التخريب في عدد محدود من المدن ، فإن باقي المواعيد التي حددتها الحركة لتنظيم مظاهراتها لم تعرف أية حوادث تتعلق بالتخريب أو النهب. 

ثالثا ،أنها لم ترتبط في وجودها وانطلاقتها بحادث ما تعلق بإحراق الذات أو تعذيب وقتل على يد الشرطة، سواء كان فرديا أو جماعيا على الشكل الذي  وقع في تونس أو مصر.

بمعنى أن الحركة لم تأت كردة فعل ، وإنما تفاعلا مع المناخ الإقليمي العربي واستثماره للرفع من وتيرة المطالبة بالإصلاحات الدستورية والسياسية.

رابع ، أنها خلقت تفاعلا إيجابيا مباشرا مع مطالبها لدى الملك الذي أعلن في خطاب تاسع مارس عن رزنامة من الإصلاحات الدستورية والسياسية تأخذ في الاعتبار مطالب الحركة وتشركها إلى جانب باقي الهيئات السياسية والمدنية في صياغة دستور جديد يحقق نقلة نوعية نحو الدولة الديمقراطية ويكرسها كمؤسسات وممارسة.

ورغم رفض الحركة تقديم اقتراحاتها للجنة المكلفة بصياغة الدستور الجديد ، فإن النظام المغربي لم يواجه مطالب الشباب في الشارع بالعصا ، وإنما بالإصغاء والاستجابة التدريجية ، بدءا بالإعلان عن طبيعة الإصلاحات الدستورية وإشراك كل الفاعلين في صياغة الدستور الجديد   مرورا بالموافقة على حل البرلمان والحكومة مباشرة بعد الاستفتاء على الدستور في فاتح يوليوز 2011.

إذن ، فالحركة والنظام لم يتخذا موفق المواجهة والعداء من بعضهما البعض ، وإنما اختارا الانفتاح والتعقل بما يساهم في ضمان الاستقرار وإنجاح مشروع الإصلاح .

فهل حافظت الدولة والحركة على الاستثناء المغربي ؟

منذ الانطلاقة الأولى للحركة الاحتجاجية في 20 فبراير ، لم تتوعد الدولة باللجوء إلى العنف لقمع المتظاهرين المطالبين بالإصلاح.

لكن الأحداث التي عرفتها عدد من المدن المغربية يوم 22 مايو تطرح سؤالا مفصليا على الدولة والحركة معا : ما الذي استجد حتى تم اللجوء إلى استعمال العنف ؟

هل الأمر يتعلق “بضيق صدر” الدولة ، كما يفسر البعض ، ونفاذ صبرها إزاء استمرار حركة الاحتجاجات واتساع نطاقها لتشمل مدنا صغرى نائية رغم الإصلاحات المعلنة والمنتظرة؟

أم بتغيير في تكتيك وإستراتيجية الحركة أخرجاها عن الإطار السياسي والسلمي الذي رسمه مؤسسوها أنفسهم عند الانطلاقة الأولى وتعاقدوا بشأنه مع باقي المكونات الحزبية والمدنية التي التحقت بالحركة وساندت مطالبها ؟

 قبل البحث عن الإجابة عند الأطراف المعنية نفسها تنبغي الإشارة إلى كون العنف شمل 10 في المائة من المواقع الاحتجاجية المائة يوم الأحد 22 مايو .

مما يفيد بأن استعمال العنف ضد المتظاهرين ليس قاعدة وخيارا وحيدا لدى الدولة .

وفي محاولة لتبريره ، قال الناصري ، الناطق الرسمي باسم الحكومة ، لرويترز “إنهم لا يريدون الإصلاح الديمقراطي وانه كان على السلطات أن تتصدى لأشخاص يستغلون حركة 20 فبراير لخدمة جدول أعمال ثلاث جماعات” ؛ ويقصد بها : جماعة العدل والإحسان ، اليسار الجذري والسلفيين الوهابيين والجهاديين معا على حسب قوله.

مما يفيد أن الحركة باتت تخدم أجندات سياسية خاصة بأطراف معينة ليس من مصلحتها إصلاح النظام وإنما إسقاطه.

 وما يزكي هذا التوجه ، تصريحات صدرت من أطراف تساند الحركة وتدعم مطالبها .

ومنها ما صرح به الأستاذ مصطفى الرميد لجريدة التجديد جاء فيه  ”إنني إذ أساند حق المواطنين في التظاهر، وأعتبر نفسي جزءا من فعاليات 20 فبراير، فإني أصر على الحاجة إلى تقييم الاختيارات التي تقضي بالتظاهر في الأحياء الشعبية والتي تؤدي إلى ضياع الرسالة الواضحة لفعاليات 20 فبراير”.

بالإضافة إلى تشديده على عامل آخر من عوامل الانحراف التي ستفقد الحركة استقلاليتها وسلميتها ، وهو المتعلق بعد احترام وضوح الشعارات ، على اعتبار أن ”شعار الملكية البرلمانية، هو شعار المرحلة الذي يحمي اللحظة التظاهرية، ويؤسس لإصلاحات عميقة”.

مما يعني أن الحركة ، في عدد من المدن ، بدأت تفقد استقلاليتها لصالح الأطراف المعادية للنظام الملكي ، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان باعتبارها تمثل قوة عددية وازنة قياسا إلى أعداد اليساريين الجذريين والسلفيين.

وتصريحات الأستاذ الرميد تركز على عاملين رئيسيين محرضين على استعمال العنف ضد المتظاهرين :

ــ العامل الأول يتعلق بنقل الاحتجاجات إلى الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية . وهذا تكتيك جديد دفعت إليه أطراف داخل الحركة لأهداف معينة أهمها:

أ ـ حشد قاعدة شعبية واسعة تساند الحركة وتدعم مطالبها ، حتى تزيد من زخم الحركة وتحول الفئات الشعبية إلى وقود يلهب حماس المتظاهرين ويحرضهم على رفع سقف المطالب .

لهذا ، تراهن الأطراف المتشددة داخل الحركة  من نقل الاحتجاج إلى الأحياء الأكثر تضررا ومعاناة من التهميش والهشاشة ، على استغلال القوة العددية للمتظاهرين لقلب ميزان القوة لصالحها ، ومن ثمة التحول إلى ثورة شعبية وعصيان مدني غايتهما إسقاط النظام . وقد لاحت بوادر هذا من الدعوة إلى الاعتصام المحدود زمنيا في بعض المواقع كمقدمة للاعتصام المفتوح .

ب ـ إرباك الخطط الأمنية على اعتبرا أن التظاهر في الأزقة الضيقة والمتشعبة يطرح صعوبات حقيقة على الأجهزة الأمنية لضبط الوضع والتحكم فيه دون حدوث انزلاقات أو انفلاتات أمنية يستغلها المنحرفون في أعمال التخريب والنهب . وكل تدخل أمني قد يصيب مواطنين لا علاقة لهم بالمحتجين ،سيولد فيه مشاعر الغضب ويدفعهم إلى الاحتجاج .

ج ـ توسيع قاعدة المعنَّفين (بفتح وتشديد النون) من عموم ساكني الأحياء الشعبية حتى تُسَوّق الأطراف المتشددة داخل الحركة صورة النظام “القمعي الدموي” الذي يعتدي على المواطنين العزل ويصادر حقهم في التظاهر السلمي .  

ــ العامل الثاني عدم الالتزام بالشعارات المتوافق بشأنها من قبل الأطراف السياسية والمدنية المشكلة لحركة 20 فبراير  . فقد رفع المتظاهرون في بعض المواقع شعار”إسقاط النظام” في خرق واضح لما تم الاتفاق عليه داخل الحركة على المستوى الوطني .

ومن شأن هذه الانزلاقات التي تعرفها الحركة الاحتجاجية في بعض المدن أن يفقدها سندها الشعبي والحقوقي والسياسي الذي وفر لها كل الظروف للتظاهر السلمي والتأثير المباشر على وتيرة الإصلاحات الدستورية والسياسية.

وأول سند قد تفقده الحركة هو المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي دافع أمينه العام الأستاذ محمد الصبار على استعمال العنف لتفريق المتظاهرين بقوله “القانون المغربي كما هو الشأن في البلدان الأوروبية يضع شروطا قانونية لتنظيم المظاهرات وذلك بتقديم تصريح للسلطات يوقع عليه ثلاثة أشخاص ويتطرق إلى موضوع المظاهرة والطرق التي ستسلك منها وتوقيت البداية والنهاية.

” مضيفا أن “تدخل البوليس في مظاهرة يوم الأحد بسبب أن الحركة الشبابية فضلت تنظيم تظاهرات في أحياء شعبية تتميز بكثافة سكانية.” وتساءل “هل تستطيع الحركة تأطير مظاهرات في مثل هذه الأحياء.” مما يفيد أن الحركة دخلت في مرحلة المغامرة بأمن الوطن ، ومسئولية الدولة هي ضمان الأمن والاستقرار .

إن المغرب يمر بمرحلة دقيقة تتعلق بورش الإصلاحات الدستورية والسياسية ، مما يستدعي تكثيف الجهود لتوفير كل الظروف والشروط لإنجاح الإصلاح ، وفي نفس الوقت تجنب كل المزالق التي قد تحجز ديناميكية الإصلاح بما فيها استعمال العنف ضد المتظاهرين الذي قد يدفع حتى الأطراف الديمقراطية والمعتدلة إلى تبني مواقف متشددة.

وكما ستفقد الحركة سندها الحزبي والحقوقي ، ستفقد الدولة هيبتها ومصداقيتها فينهار جدار الخوف وتخرج فئات الشعب إلى الشارع تطلب كل شيء إلا الأمن والاستقرار . كما على الدولة تسريع وتيرة الإصلاحات ومحاربة الفساد عبر فتح الملفات وتقديمها للعدالة وإعفاء المشبوهين أو المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري من مهامهم إلى حين صدور الحكم في حقهم.

في المقابل يتوجب على مؤسسي وأعضاء حركة 20 فبراير الانتباه إلى المزالق والانحرافات التي بدأت تظهر على مسار الحركة ، والتي حتما ستجعلها رهينة بيد أعداء الإصلاح والديمقراطية.

الأمر الذي سيدفع الدولة والمجتمع إلى المجهول ويعصف بنعمة السلم والاستقرار التي يتمتع بها المغرب، والتي جعلته  يحافظ  على المرتبة الـ58 عالميا في قائمة الدول الأكثر أمنًا وسلامًا في العالم لـ 2011، بحسب تصنيف عالمي صدر الأربعاء 25 مايو 2011  عن معهد الاقتصاد والسلام الأميركي للعام الخامس على التوالي.

-- خاص بالسكينة.سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*