السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » خطابات الظواهري الأخيرة تكشف إفلاس تنظيم القاعدة

خطابات الظواهري الأخيرة تكشف إفلاس تنظيم القاعدة

وجّه الدكتور أيمن الظواهري، الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة، رسالة جديدة في 14 آب/أغسطس الجاري تناول فيها الأوضاع في عدد من الدول العربية على وجه الخصوص وأكد فيها تمسك تنظيمه بمواصلة “الجهاد”، بحسب وصفه للعمليات التي يقوم بها تنظيمه.

لكن رسالة الظواهري لم تلق، كما يبدو، اهتماماً يُذكر في كثير من وسائل الإعلام التي تجاهلتها إلى حد كبير، وهو أمر ندر أن يحصل في السابق عندما كان الزعيم الراحل للقاعدة أسامة بن لادن هو من يوجّه رسائل تنظيمه.

وعلى رغم أن تجاهل وسائل الإعلام لرسالة الظواهري ربما كان مرتبطاً بانشغالها في تغطية التطورات المتسارعة في العديد من الدول العربية، خصوصاً المواجهات الدامية في كل من ليبيا وسوريا واليمن، إلا أن هذا التصرف قد يكون مرتبطاً أيضاً بواقع بدأ مناصرو القاعدة أنفسهم يقرّون به وهو أن رسالة هذا التنظيم باتت هامشية لا تعبّر عن تطلعات غالبية الشعوب العربية الثائرة ضد أنظمتها.

ويحاول تنظيم القاعدة منذ فترة الدخول مجدداً على خط ثورات ما يُعرف بـ “الربيع العربي”، محاولاً إيجاد موطئ قدم له في دول عربية مستغلاً حال الفوضى الحاصلة بعد سقوط أنظمة، كما حصل في تونس ومصر، أو الصراعات الدامية بين المحتجين وقوات الأمن، مثلما يحصل في ليبيا وسوريا واليمن.

وجاء هذا الدخول المتأخر على خط الثورات بعدما فاجأت، كما يبدو، حركة الشارع العربي في تظاهراته السلمية القاعدة نفسها، كما فاجأت العديد من أنظمة الحكم العربية. إذ لم تتوقع القاعدة ولا الأنظمة العربية، على الأرجح، أن سقوط حكومات قوية تولت السلطة على مدى عقود يمكن أن يتم على يد محتجين ينادون بمطالبهم بطريقة سلمية في الشوارع والساحات العامة.

وقد جاءت هذه الاستفاقة المتأخرة للقاعدة على ما يحصل في العالم العربي في وقت شهد هذا التنظيم تغييراً مهماً في هرميته تمثّل بمقتل مؤسسه أسامة بن لادن في غارة لكوماندوس أميركي في باكستان في 2 أيار/مايو الماضي، وتولي الظواهري الإمارة خلفاً له.

وكان على الظواهري بالطبع المسارعة إلى إيجاد حل للمعضلة التي جعلت من القاعدة مجرد لاعب “هامشي” في ثورات “الربيع العربي”، إلى جانب اهتمامه بإعادة بناء تنظيم مفكك أقر بن لادن نفسه، بحسب ما نُقل عنه قبيل مقتله، بأنه لم يعد يعرف من هم قادته الميدانيون كونهم كانوا يُقتلون تباعاً بعد فترة وجيزة من توليهم مسؤولياتهم وقبل أن تتاح لزعيم القاعدة فرصة التعرف عليهم.

وبدا خطاب الظواهري، منذ توليه إمارة القاعدة خلفاً لبن لادن، “تصالحياً” إلى حد كبير إزاء الحركات الإسلامية، بما فيها الجهادية، محاولاً إعادة ترميم الجسور التي انقطعت مع كثير منها.

لكن الظواهري يعرف، بلا شك، أنه هو تحديداً من لعب دوراً رئيسياً في ابتعاد القاعدة عن بقية الحركات الاسلامية سواء تلك التي تؤمن بالعمل المسلح أو تلك التي تؤمن بالتعددية السياسية والعمل السلمي. فقد كان هو من أصدر كتابه الشهير (الحصاد المر) الذي شن فيه حملة شعواء ضد جماعة الإخوان المسلمين المصرية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. كما كان هو رأس الحربة في الحملة التي طالت قادة جهاديين مصريين من الجماعة الاسلامية ممن أصدروا مراجعات تخلوا فيها عن استخدام العنف ضد أنظمة الحكم في العالم الإسلامي وانتقدوا غلوّ القاعدة في التفجيرات.

وجاءت الرسالة الجديدة للظواهري والتي تم تجاهلها إعلامياً إلى حد كبير، لتعكس جهوده المستميتة للدخول مجدداً على خط ما يحصل في العالم العربي، بعد أكثر من محاولة سابقة بدت أنها فاشلة.

فقد حاول الظواهري الدخول على خط الأزمة في ليبيا محذراً من أن يسعى الغرب إلى “احتلال” هذا البلد الإسلامي، وهو أمر سارع المجلس الوطني الانتقالي الذي يمثّل الثوار وباتت دول عالمية كبرى تعترف به كحكومة شرعية تمثّل ليبيا، إلى الرد عليه بطريقة غير مباشرة من خلال التمسك بالاستعانة بالمجتمع الدولي، وعلى رأسه حلف الناتو، للمساعدة في حماية الشعب من نظام العقيد معمر القذافي.

وحصل الأمر نفسه في سوريا من خلال تأييد الظواهري للمتظاهرين ضد حكم الرئيس بشار الأسد، وهو أمر سارع المحتجون إلى النأي بأنفسهم عنه من خلال إعلان تمسكهم بسلمية الاحتجاجات ورفضهم تحويلها إلى عمل مسلح، وهو الأمر الذي يمكن أن يحصل فيما لو دخلت القاعدة على هذا الخط.

أما في مصر ، فقد حاول الظواهري أيضاً الدخول على الخط من خلال دعوته إلى إقامة نظام حكم يقوم على تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو أمر لا يبدو محل إجماع بين صفوف التيارات المختلفة المنضوية تحت لواء الثورة التي أطاحت حكم الرئيس السابق حسني مبارك.

وحاول الظواهري في رسالته الأخيرة التي وُزّعت في 14 آب/أغسطس تذكير الجهاديين بأن الإسلام لم يمت بوفاة النبي محمد، وأن القاعدة بالتالي لن تنتهي برحيل بن لادن. وشدد على أهمية “معركة الإقناع” لربح العقول والقلوب وأنها توازي في أهميتها المعركة الميدانية، داعياً الحركة الجهادية إلى قيادة هذا الجهد لأنها – كما قال – “تعرف طبيعة العدو” وتعرف كيف ترد على ما اعتبره “تشويهاً وكذباً” يطالها. وطالب في هذا الإطار باستغلال الحريات الإعلامية التي باتت متوافرة بعد سقوط النظامين في تونس ومصر، بهدف نشر الأفكار الجهادية.

وتحدث زعيم القاعدة أيضاً عمن سماهم “الجنود المجهولين” الذين يقودون الحملات الجهادية الإعلامية واعتبرهم “فرسان الجهاد”. ودعا هؤلاء الذين يعملون في الإعلام الجهادي الى توحيد جهودهم، في إشارة موجهة على ما يبدو إلى المشرفين والمشاركين في العديد من المنتديات التي تصف نفسها بأنها جهادية وتنشر في العادة البيانات التي يصدرها تنظيم القاعدة بفروعه المختلفة.

وختم الظواهري رسالته بدعوة مناصري القاعدة الى محاربة الولايات المتحدة وإلحاق الهزيمة بها، في تأكيد على تمسكه برسالة سلفه بن لادن في حربه ضد الولايات المتحدة والغرب عموماً.

وهي الرسالة نفسها التي ساهمت في تفكك القاعدة بعدما صار اسمها مرادفاً للقتل العشوائي الذي يستهدف المدنيين، سواء كانوا في طائرات مدنية أو أبراج تجارية أو قطارات وباصات أو حانات ومطاعم أو حتى كانوا مجرد سياح يزورون دولاً إسلامية.

ويعرف الدكتور الظواهري، بلا شك، أن هذه التصرفات تحديداً لم تفقد القاعدة فقط أي تفهم وتأييد في الرأي العام الغربي، بل ساهمت أيضاً في خسارتها الرأي العام العربي، بما فيه الجهاديون، الذين وجد كثيرون منهم في تصرفات التنظيم عبثية لا تؤدي إلى أي نتيجة، بحسب ما قالوا في المراجعات العديدة التي صدرت عنهم في السنوات القليلة الماضية.

-- الشرفة :راجح سعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*