الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » قراءة في كتاب * لاتطرف ولا إرهاب في الإسلام* للدكتور عباس الجراري

قراءة في كتاب * لاتطرف ولا إرهاب في الإسلام* للدكتور عباس الجراري

يقوم الدين الإسلامي في مبادئه الأساسية على توحيد بالله والإيمان برسالات أنبيائه بدءا من أدام إلى محمد, وبقواعد نظم بواسطتها السلوك البشري بكل أبعاده , فكل الناس متساوون في الحقوق والواجبات, والسلام والعدل وتحقيق الأمن الشامل, والتكافل الاجتماعي, وحسن الجوار, والحفاظ على الأموال والممتلكات والوفاء بالعهود, مما صنع منه حضارة قوية ساهم في إنشائها أناس لا ينتمون إلى الدين الإسلامي ولكن باعتبارهم ينتمون إلى عالم الإنسانية وبالتالي أصبحت حضارة إنسانية عظيمة والكل ساهم في إنشائها.
فإذا كان الإسلام بهذا الشكل فقد أقام معادلة بين الحياة البشرية,باعتبارها تجمع النقيض, العدل والجور, الخير والشر, الرحمة العنف,الحرب والسلم , وا لسلم بفتح السين, هو الصلح وا لسلامة وضد الحرب, كما يطلق على الخاضع والمستسلم,*ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاركون ورجلا سلما لرجل* .
وقد وردت لفظة السلم باشتقاقات لغوية كثيرة في القرآن الكريم * يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين* , فالدخول في السلم بالنهي عن الدخول في الحرب, ولأهمية السلم فإن لفظة الإسلام مشتق منه, وهو يعني الانقياد لأمر الله والإخلاص لعبوديته وعبادته, كما أنه من أسماء الله الحسنى* هو الله الذي لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن* , كما أن المسلمين قبل خروجهم من الصلاة يتلفظون بالسلام, وتحيتهم فيها سلام, قوله )ص(:* لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا, أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم*.
والسلم لا يعني الاستسلام أو التنازل أو الضعف, ولكن ينبغي أخذ الحق وتبادل العلاقات والمصالح على أسس وعهود ومواثيق تكون ملزمة لجميع الأطراف وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها* . فالإسلام يدعو إلى السلم لأسباب كثيرة منها :
أ – يقوم على التعاون والتعارف سواء بين الأفراد أو الجماعات, وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ يسود فيه التآخي والسلم والتعايش وتبادل المصالح والمنافع.
ب- يدعو إلى الحوار الذي يسعى إلى تبادل وجهات النظر وإبداء الرأي الآخر وحل المشاكل.
ت- يحث على تجنب الخصومات والنزاعات التي تؤدي إلى نتائج سلبية منها تحاقن الدم وهذا ما حذر منه القرآن الكريم على خطر الاعتداء بالقتل وحثه الحفاظ على الحياة* واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم* .
وهذه الأسباب التي ذكرها الإسلام لهي كفيلة لوجود السلام في مجتمع مترابط ومتماسك, تجمعه روابط اجتماعية قوية بعيدة عن التحكم الفردي, لأن هذه الفردية تستولي على القيادة فتعلن الحرب ولو بالمغامرة والمجازفة بالأمة لصالحها كما ذكر الدكتور عباس الجراري, لذلك دعا القرآن الكريم إلى الجنوح للسلم وهي رؤية حضارية والقدرة على تحمل المسؤولية, فكيف يكون الإسلام يجمع بين متناقضين اثنين السلام مع حثه على الجهاد؟
لقد عرف الجهاد لغويا ببذل الطاقة والجهد,في جميع الجوانب منها, الجهاد بالعمل السياسي, وجهاد الإنفاق المال, وجهاد النفس والذي هو أعلى مراتب الجهاد.أما الجهاد بمعنى القتال لا يكون إلا للضرورة لأن الإسلام يعتبر السلم هو القاعدة والحرب هي استثناء, أو هكذا يمكن أن يكون, والجهاد بهذا المعنى – أي القتال- هو رد لظلم وقع * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حف إلا أن يقوا ربنا الله* , *كتب عليكم القتال وهو كره لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون* . وهكذا يمكن أن نفرق بين الجهاد الذي نادى به الإسلام في مقابله المقاومة والتي ألزمها القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة وبين الإرهاب الذي هو عمل إجرامي, وبهذا الصدد يمكن رصد هذا الفارق بين الإرهاب والجهاد ثم الإرهاب والمقاومة من جهة أخرى.
الإرهاب والجهاد عملان متناقضان ومختلفان ويكمن هذا الاختلاف في :
1- الإرهاب اعتداء, في مقابله الجهاد هو رد الاعتداء.
2- الإرهاب يكون باطلا, والجهاد يكون بحق.
3- الإرهاب يعاقب عليه, والجهاد يثاب عليه.
فقد نظم الإسلام الحرب, باعتبارها قائمة منذ الأزل, ووضع لها ضوابط وقوانين, حتى لا يكون هناك تعسف في خوضها مع العدو الذي ألزم بمجموعة من المقاييس السلوكية في اتباعها أثناء هذه الحرب :
1- ضرورة إعلانها حتى لا يؤخذ العدو بها على غرة وحتى لا تصبح غدرا.
2- النهي عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والمعتدين.
3- عدم التمثيل بالقتلى أوما إلى ذلك من هدر بحرمة الإنسان.
4- معاملة الأسرى بما يحفظ لهم إنسانيتهم وكرامتهم.
5- عدم العبث بالممتلكات وإفساد البيئة بقطع الأشجار وإتلاف الزرع.
6- الالتزام بالمواثيق والعهود.
وهذا ما يدل عليه الحديث النبوي الشريف : * لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة*, وفي حديث آخر : * لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا*, وفي موضع آخر :* لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع*.
وهذه الضوابط كلها جاءت لتنظم الحرب حين وقوعها وما بعد الحرب فيما يتعلق بالأسرى, فقد دعا وألزم الإسلام معاملتهم بالحسنى والرفق.
وبما أن الحرب هي استثناء يلجأ إليها حينما يستعصي حل النزاع بجميع الطرق المشروعة, لذلك فقد أباحها الإسلام لرد التسلط وردع الفساد, والدفاع عن النفس والأهل والمال.
في مقابله تأتي المقاومة والتي تنافي العمل الإرهابي وتتشابه إلى حد كبير مع مفهوم الجهاد, لكن هذا المصطلح – المقاومة- هو في الأصل مصطلح قانوني عسكري سياسي نظمه القانون الدولي الإنساني ومعاهدة جنيف الأربعة وميثاق الأمم المتحدة, في حين أن الإرهاب هو مصطلح سياسي عسكري غير قانوني, ويتجلى الفرق بين هذين المفهومين اللذان يمشيان على خطان مستقيمان, لا الأول يدرك الثاني, ولا الثاني سابق عن الأول, وفي هذا الصدد عرف الأستاذ أحمد المسلماني المقاومة بأنها :*فعل يقوم أساسا على شرطين الأول يتجه إلى عدو واضح ومحدد ومصور ويعلم من يقاتل من الجنود المستعمر, والثاني يتجه إلى تحقيق المصلحة وهي تحرير البلاد من الاستعمار*.كما عرفها الدكتور نصر عارف : * المقاومة تقوم على أساس الكارزماتية التاريخية , في كل تاريخ حركات المقاومة, وهذه المقاومة قيادتها تكون مثقفة, عالمة وقديرة, تعرف كيف تتعامل مع الدين ومع نصوص الدين,في مقابلها المقاومة الحالية فهي محاصرة حصارا شديدا في ظل ضعف المستوى العلمي, وضعف في قدرات القيادة, وضعف في العلاقة مع الدين*, واستطرد الدكتور عارف في حديثه الفرق بين المقاومة والإرهاب قائلا: *هناك ثلاث مفاهيم لفعل واحد أو فعل مشترك الإرهاب والمقاومة والعنف السياسي, وهي تحدد بناءا على من يقوم بالفعل, وأهداف الفعل والمستهدف بالفعل, فإذا كان الأمر يتعلق بتحرير الوطن والتوجه إلى المحاربين أو الجنود هو فعل مقاوم, وإذا كان هذا الأمر يتوجه إلى المدنيين لتحقيق مكاسب سياسية من طرف ثالث فهو عمل إرهابي, وإذا كان هذا الأمر موجه لحكومة الشخص لتحقيق مكاسب سياسية داخلية أو للتعبير عن رأي في صورة مظاهرات أو تكسير فهو عنف سياسي *.
وقد جاء في ميثاق الأمم المتحدة في فصله السابع المادة 51 : * ليس في الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول, فرادى أو جماعات, في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة… والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس…* .
فالمقاومة والجهاد نقيض الإرهاب الذي اتسعت دائرته في الآونة الأخيرة, قال عز وجل : *وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم * .فليس الإرهاب هنا هو بالمفهوم الحالي, بل المقصود في الآية أن يكون تخويف الخصم ومنعه من الاجتراء على الاعتداء, ومفهوم القوة في الآية ليست فقط القوة العسكرية , بل القوة الاقتصادية, القوة العلمية, القوة النفسية, حتى يكون المسلمين مؤهلين لمواجهة خصمهم وفي هذا السياق قال تعالى :* ولولا دفاع الناس بعضهم لبعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا* . وقد سبق للفكر السياسي الإسلامي أن وفق هذه المعادلة الصعبة بين السلم والحرب وتتجلى عند أبي بكر الحضرمي المرادي الذي وازنها من خلال الرؤى الإسلامية فبعد أن تحدث عن أدب النفس انتقل إلى سياسة الملك, ثم إلى أخلاق الملك وشخصيته وتأثيرها على السلوك السياسي فقال : * ينبغي للملك أن يبدأ عدوه بالين والمسالمة والبذل وطلب المواصلة والسكون ولا يصل معه إلى الحرب حتى تعوزه الحيل كلها *, وقال بعض الحكماء في هذا الصدد: * إن العدو مثل الخراج الذي يبتدأ في علاجه بالترطيب والتحليل, فإن لم ينجح بذلك رجع فيه إلى الكي وهو آخر العلاج, والحرب آخر ما يجب استعمالها *.
وهكذا يتبن لنا أن الإسلام ينهى عن الحرب لأنها استثناء, وأن الأصل هو السلام , ولا يلجأ إليها إلا للضرورة القصوى كالدفاع عن النفس والمال والعرض, فهو أبقى الحفاظ على حياة الإنسان أي إنسان مهما اختلف جنسه ودينه, واعتبر أن جريمة القتل خطيرة يواجهها عقوبة صارمة * ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالد فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما * , وفي الحديث الشريف : * من حمل السلاح علينا فليس منا*.
فمن خلال هذا يتبن أن ظاهرة الإرهاب اتسعت وأصبحت غير منتسبة إلى مكان معين في بقعة هذه الأرض, وغير أهبة بالتفريق بين الحق والباطل,العدل والظلم, الأبرياء والمتهمين, وظهورها كامن في البعد الفكري المنحرف و الاعتقاد المتطرف, والذي أوجب على جميع الدول محاربته بشتى الوسائل لحقن دماء الأبرياء والتي تتساقط يوما بعد يوم,لهدف يراد الوصول له, فما هي أسبابه والدوافع التي يختبئ وراءها؟ وكيف يمكن معالجته إذا تمت معالجة ؟.

أسباب التطرف والإرهاب

إذا كان الإرهاب يعني الاستخدام المتعمد لوسائل ارتكاب الأفعال الضارة التي تعرض حياة الأفراد أيا كانت جنسياتهم للخطر، بالإضافة إلى الأضرار بممتلكاتهم المادية من خلال الحرق والتفجير وإشعال المواد الضارة واستخدام المواد الخانقة، وإثارة الفوضى في وسائل المواصلات وإعاقة خدمات المرافق العامة، وتلويث المياه وأتلاف المحاصيل والمنتجات الزراعية، فأن
التعريف يشير إلى استعمال القوة والعنف والتهديد لإثارة الخوف والذعر أو الترويع الذي يلجأ إليه الجناة لتنفيذ اتفاقهم الجنائي الفردي أو الجماعي بما يخل بالنظام العام ويعرض المجتمع للخطر الجسيم.
وللإرهاب والتطرف أسبابهما وظروف انتشارهما والبيئة التي يجدها صالحة ليتغلغل فيها، ومن ضمن الأسباب التي تساهم بفعالية في أيجاد بيئة مناسبة لانتشار هذه الظاهرة الإرهابية التي تتعارض بصدق مع التوجهات الإنسانية للأديان السماوية، وتكشف بما لا يقبل الشك أن التنظيمات الإرهابية والمتطرفة تتخذ من الأديان والكتب السماوية ستاراً وبرقعاً لتبرير أعمالها، مثلما تسلك السلوك المتطرف من خلال السيطرة على النفوس الطائشة أو القابلة للتطرف وخصوصاً من الشباب ضعاف الشخصية والقابلين للانقياد بسهولة من قبل المتبرقعين بلبوس الدين الإسلامي، كما أن الفقر المدقع الذي تعج به المجتمعات التي تنتشر في أوساطها الظاهرة الإرهابية ودور المال في أيجاد الأنصار والمريدين، بالإضافة إلى تردي الأداء و تسلط النظام السياسي والهيكل الاجتماعي غير العادل وانتشار الفساد السياسي والاجتماعي أو الاستغلال المنحرف للدين، و ظهور التطرف الديني والانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان والتمييز والتهميش الاقتصادي والاستلاب الثقافي والتراجع المريع لدى المجتمعات وبقائها أسيرة القيم البالية والمتردية يمكن أن تكون ضمن الأسباب الجذرية للإرهاب، كما أن الصراعات الإقليمية يمكن أيضا أن تكون ذريعة للأعمال الإرهابية ولعمليات المنظمات الإرهابية.
وعلى هذا الأساس كانت المنطقة العربية البؤرة الصالحة والحاضنة المريحة لانتشار الفكر الإرهابي والمتطرف، خصوصاً تمكن المتطرفين من أيجاد غطاء ديني للعمل وتنمية وتقوية التنظيم السياسي بقصد تحقيق الأحلام المتطرفة بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة.
على الرغم من وجود قبول واسع بأن هناك عوامل معينة توفر بيئة مناسبة لنمو الإرهاب فانه من المهم أيضا أن نأخذ في الحسبان أن تحديد الأسباب الجذرية هي مهمة غاية في الصعوبة وعلى ذلك فانه بينما نقوم بتحديد العوامل الأساسية التي تؤدي إلى ظهور الإرهاب والتطرف مع الأخذ في الاعتبار أن عملية التحديد هذه لا نهاية لها.
وإزاء تنامي قدرة التنظيمات الإرهابية في المنطقة تحت شتى الأسماء والأهداف، بالإضافة إلى تمكنها من إنشاء قواعد وتنظيمات خارج المنطقة العربية، وضمن مساحة الدول الأوربية بحكم تمكن بعض العقول المتطرفة والمتحجرة من الهجرة إلى هذه الدول والحصول على جنسياتها أو الإقامة بها بشكل مشروع، مما يستدعي ويوجب على هذه الدول عدم منح الحماية القانونية تحت أية ذريعة لهذه النماذج لخطورتها الإجرامية على المجتمعات الإنسانية.
ومن خلال قراءة موضوعية لما يدور ويحصل في عدة مناطق ساخنة في العالم، خصوصاً العراق حيث اتخذت التنظيمات الإرهابية ساحة حرب ومعارك ضارية يسقط فيها كل يوم عشرات القتلى ومئات الجرحى وأبرياء مما ولد مشاعر عدم الاستقرار والخزف والذعر لدى الشعب العراقي و أصبح بذلك الإرهاب والتطرف يشكلان تهديداً مستمراً للسلم والأمن ولاستقرار جميع البلدان والشعوب ويجب ليس فقط إدانتهما والتصدي لهما بصورة شاملة من خلال اعتماد استراتيجية شاملة فاعلة موحدة وجهد دولي منظم يركز على الحاجة إلى الدور الريادي للأمم المتحدة.
وبعد ان شعرت بعض الأقطار العربية بمدى فداحة الخطر الذي يجتاح منظومتها الإنسانية والشعبية نتيجة تنامي قوة الإرهاب وتغلغله حتى بين القيادات الدينية، شعرت هذه الدول بحاجتها لمخطط يتصدى للهجمة الشرسة والظالمة التي تشنها القوى الإرهابية من اجل خراب المجتمعات، ونشر الفوضى والرعب بين الناس. وبصرف النظر عن أية ذريعة يسوقها الإرهابيون تبريرا لأعمالهم فان الإرهاب لا يجد مبرراً له ولا أي مسوغ منطقي في الوجود السياسي أو الديني. كما أن الإرهاب تحت كل الظروف وبغض النظر عن كل الدوافع المزعومة يجب أن يدان وأن يساهم الجميع في التصدي له واجتثاثه وقلع مصادره ومنابعه دون تحفظ. كما ان طبيعة العنف التي يتميز بها الإرهاب تجبر المجتمع الدولي على التركيز على اتخاذ الإجراءات الكفيلة للقضاء على المنظمات الإرهابية ومنع الأعمال الإرهابية من أن تنتشر ضمن المجتمعات الآمنة. لذلك فهذه الظاهرة الغربية على المجتمع الإنساني لها أسبابها يمكن إجمالها في عدة نقاط حسب ما ذكر الدكتور عباس الجراري وهي كالتالي :
1- الجهل والأمية يعتبران الأكبر والأكثر تأثيرا في إذكاء نار التطرف ويبدأ بجهل بشؤون الدين إلى أن يصل لمختلف متعلقات المواطنة,وسواء أكانت هذه الأمية مرتبطة بالقراءة والأبجدية أومن حيث شكلها الثقافي الذي يمس فئة كبيرة من المتعلمين,مما يولد عقليات متحجرة وجامدة غير قابلة للنقاش وتكون لها قابلية كبرى الخروج للحرب والجهاد بمفهومه الخاطئ وهي لا تنعكس على الجانب الديني فقط وإنما على كل جوانب الحياة.
2- تعمق ظاهرة الفقر في البلاد العربية والإسلامية,بسبب إهمال تنميها بشكل كبير وسوء توزيع الثروة مع سوء التدبير والتسيير مما يولد الشعور بالظلم والقهر فيؤدي ذلك إلى النقمة والغضب على الحاكمين بل على المجتمع بكامله بل أكثر تكون هذه النقمة تبدأ من الذات نفسها.
3- انتشار البطالة بين الفئات الشابة والقدرة على الإنتاج والعمل, وهي تشمل المتعلمين الحاملين لشهادات جامعية عليا والأميين على حد سواء .
4- ضعف حرية التعبير إن لم تكن معدومة في كثير من الدول العربية الإسلامية,مما يولد الكبت والضغط على الأفكار,تنفجر عندما تتاح لها أول فرصة للتعبير.
5- ابتعاد بعض أنظمة الدول العربية والإسلامية عن سلوك النهج الإسلامي باستهلاك كل شيء غريب عن الدين, في مقابل بعضها المبالغة والتشدد في اتباع سلوك يتناقض كليا مع ما جاء به الدين الإسلامي,مما يولد تناقضا لدى الشعوب أي أسلوب ممكن نهجه, فيختار الأسلوب الثاني معتقدا أنه هو الطريق الأجدر لإثبات الوجود.
6- اختلال مرجعيان الأمة,وتقلص معالمها, وعجز ما بقي قائما منها عن أي تأثير بدءا من الكتاب القرآني إلى المسجد والزوايا والأضرحة وما يرتبط بها جميعا من هيئات علمية تربوية, دون إغفال سلطة السياسة في وجود المدارس والجامعات والجمعيات والأندية.
7- قلة التواصل بين الأجيال وكذا بين سائر فئات المجتمع مما زاد مسافة التباعد ثم الخلاف’ خاصة في أواسط الطبقة الشعبية وبين العلماء والمثقفين الذين انعزلوا والذين غدوا عاجزين عن أي تواصل,وأخلوا الأماكن للأميين وأصناف المتعلمين الذين نصبوا أنفسهم دعاة ويفتون في أمور الدين,فكان ضعف الوعي الديني للطبقات الشعبية ترتمي في أحضان هذه الأجهزة والتي تدفعهم لرفع التحديات بأساليب القوة والعنف.
8- وضع الإعلام المتردي في معظم الأقطار العربية والإسلامية واعتماده على الخنوع أو التقليد على ما يمده الإعلام الغربي.
9- عدم اهتمام الجهات المعينة والمسؤولة بتكوين الوعاظ والمرشدين والخطباء.
10- إهمال جانب التربية الدينية الصحيحة والملائمة في برامج التعليم.
11- غياب عنصر التربية الملائمة في الأسرة التي أهملت الأطفال وتخلت عن مصاحبتهم وتوجيه تفكيرهم وملاحظة سلوكهم وتقويمه عند الحاجة.
12- الانعزال عن الأسرة والمجتمع,جعلت جهات معينة- داخليا وخارجيا-أن تستغل صغر سن الأطفال وطراوة الشباب, كما تستغل تعلمهم المحدود والضعيف وإحساسهم بالظلم والحرمان فتستدرجهم وتغسل أدمغتهم وحشد الأفكار عن طريق إبراز غايات مغرية,كالدفاع عن الإسلام, وإصلاح أحوال العامة, والجهاد والدخول إلى الجنة,مما يؤدي إلى تطبيق كلما يصدر إليهم من أوامر ولا يرجعون عنها حتى تثبت أقدامهم في سلوكيات يكتشفون أنها في النهاية ليست المقصودة بما يتطلعون
13- التواصل المستمر لجهات أجنبية غير إسلامية إلى نشر التطرف بين المسلمين, وإذاعة التعاليم المشددة بينهم, وتشويه الإسلام وتقديمه على نحو يتعارض مع حقيقته.
14- رد فعل الجماهير العربية والإسلامية من الاستعمار بجميع أصنافه,وجهلهم الفرق بين المقاومة المشروعة والعنف والجهاد.
15- التعبير التلقائي الشعبي العربي والإسلامي الرافض الموقف الغربي في المنطقة,وما يترتب عنها من تغيير الخريطة السياسية داخل المنطقة العربية والإسلامية.
يمكن أن نجمل من خلال أسباب التطرف المفدي إلى الإرهاب إلى أنه نتاج واقع معقد يطغى على مجتمعه الأمية والفقر وغياب مرجعيات حقيقية فاعلة وفعالة, لذلك لايمكن إعطاء أي تصور دقيق لعلاجه واستأصله من جذوره, لكن يمكن تقديم اقتراحات وتوصيات لابد أن تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الاعتبارات :
أولها : ضرورة نهج أسلوب جيد في سياسة الاقتصاد وتقديم مخططات تهدف إلى تحسين أوضاع الفئات المعوزة, والتخفيف الفوارق الاجتماعية, مع توفير التعليم وفرص العمل وكل احتياجات المجتمع اليومية.
ثانيها : العمل على نشر الوعي الديني والوطني الهادف لتكوين المواطن الصالح, وذلك لفتح باب النخبة المؤهلة, عبر تشكيل مؤسسات تقوم بالإشراف المباشر على البرامج التعليمية والإعلامية , بوضوح لكي تتمكن الأسرة أن تقوم بدورها, والمدرسة ووسائل الإعلام كذلك.
ثالثها : بذل الجهد الأمني للدولة الذي يعتبر مركز قوتها دون تضييق الحريات, أو فتحها أو خنقها , دون الحرمان من سائر الحقوق.
رابعها : عدم الخلط بين الإرهاب وما تقوم به الجماعات الإرهابية من تدمير وقتل الأبرياء وبين المقاومة التي هي حق مشروع للدفاع عن الوطن وتحريره من الاستعمار , كما تنص عليه معادة جنيف الأربعة, والقانون الدولي الإنساني.
خامسها : التذكير بالحركات المتطرفة والإرهابية التي تنشط في الغرب وليست لها أية صلة بالإسلام والمسلمين, كحرة إيتا الباسكية في إسبانيا , والأولوية الحمراء بإيطاليا .

خلاصة

انطلاقا من هذا التحليل يمكن أن نخلص من المبادئ الأساسية في الإسلام ومن قيمه السمحة والوسطية التي يمتاز بها وعن دعوته للسلم والتعايش مع الآخرين , وهذا ما شكل الفكر السياسي الإسلامي , والذي قامت على أدراجه الدولة على عهد النبي محمد والخلفاء الراشدين من بعده , وما أعقبها من تكوين دول ظهرت في المشرق والمغرب, وبناءا على هذه القيم السمحة في الإسلام نشأت حضارة وثقافة تميزتا على الحفاظ على هذا التراث والإقبال على الثقافات والحضارات الأخرى والانفتاح عليها, مع الأخذ بالصالح وتطويره والإضافة إليه , بدون أي تشدد أو تعصب, وهذا ما نلاحظه من خلال ما أبدعه العرب والمسلمين في مجال العلوم والفنون والآداب والحرف وكافة الصنائع لهو دليل كاف على المرتكزات التي انطلقوا منها من الدين الإسلامي السمح, وبلوروا هذا السلوك وتعايشوا مع غيرهم من غير المسلمين , وهذا يظهر في كل من الأندلس وفلسطين, حيث ثم التعايش بين اليهود والمسلمين و المسجيين وحتى مع أجناس أخرى من المجوس طوال عقود عديدة وهذا تحت مظلة الإنسانية .
وعلى الرغم من أن المنصفين من المفكرين الغرب ومؤرخيه يشهدون للمسلمين بهذا التسامح النابع من دينهم, والاعتراف بحضارتهم وثقافتهم وما قدموه من تراث انطلقت منه النهضة الأوربية الحديثة , فإن الجهل بحقيقة الدين الإسلامي عند بعض الغربيين الذين يقولون أن الدين الإسلامي دين غير متسامح وهذا ما نلمسه بشكل واضح في الرسوم المسيئة للنبي محمد, وهذا جهلا منهم بحقيقة الدين الإسلامي الذي يدعو للتسامح والتعايش والتساكن مع الملل الأخرى و الإقرار بوجودها , وينهى عن التعصب والتطرف , بل ذهب إلى حد اعتبار أن من يقتل فردا واحدا من الناس كأنما قتل الناس جميعا ,
وقد كان لأحداث 11 من أيلول بالولايات المتحدة الأمريكية انعكاسا واضحا على العالم بأسره , وذلك من خلال التقيد بفهم الإرهاب والتعامل معه , كظاهرة لابد من معالجتها واستئصالها من جذورها , وقد كانت هناك تصريحات عالية المستوى قالت :*– أنها حربا صليبية ضد المسلمين على أنهم المسؤولون عما وقع- على الرغم أن جميع الدول الإسلامية أدانته وثم الاعتذار عن مثل هذه التصريحات , فقد تناقلت وكالات الأنباء ما كتبته بعض المجلات الأمريكية اليمينية , داعية إلى ضرب مكة المكرمة بقنبلة نووية * , وفي وقائع الأحداث التي وقعت في سبتمبر أو التي أتت بعدها في كل من مدريد 2004 , والمملكة العربية السعودية 2004 , وتفجيرات عمان 2005 و تفجيرات لندن في يونيو 2005وتفجيرات بولاية فلوريدا الأمريكية في إحدى جامعاتها 2007ناهيك عن التفجيرات التي لحقت بالمغرب في 2003 وما أعقبها من تفجيرات 2007, لهي دليلا واضحا أن منفذوها أشخاصا إرهابيين تلاشت آمالهم بين أروقة الضياع و الفقر والأمية ,وبذلك لا يمكن إطلاق العنان كل العنان لإدانة الإسلام كدين, ولكن لابد من تقصي حقيقة منفذي هذه الأعمال التخريبية وعدم إلحاق التهمة بالمسلمين وهو ما لم يحدث ولا يبرر الطعن في الإسلام كدين وإلصاق وصمة الإرهاب به والمنتمين إليه كافة. ولو تم البحث عن حقيقة ظاهرة الإرهاب في العالم , وحددت الأسباب المباشرة والغير مباشرة لفعله لتبين أنه لا علاقة له بالإسلام والمسلمين وهذا يظهر جليا من خلال التحليل السابق في التعريف بالتطرف والإرهاب ومناطق ظهوره ,
وتعتبر القضية الفلسطينية وقضية العراق إحدى مواطن النقاش في العالم,حيث وقع خلط بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب , ومن يستغل هذه الظروف التي تمر بها كل من فلسطين والعراق للقيام بأعمال إرهابية وتخريبية يذهب ضحيتها العديد من الأبرياء,فبالنسبة لفلسطين بعد تبني قمة بيروت 2002 المبادرة السعودية في الدخول مع إسرائيل في مفاوضات والتطبيع معها , عبر سلسلة من المفاوضات المباشرة من كامب ديفد الأولى مرورا بمؤتمر مدريد اتفاقات أوسلو وكامب ديفد الثانية, إلى أن تم مؤخرا في شهر مارس الماضي 2007 بإعادة طرح هذه المبادرة وتفعيلها إلا أن الأخذ والرد لا زال قائما بين كل من إسرائيل والعرب , وأما فيما يخص العراق فإن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون ووزيرة الخارجية الأمريكية كنديليزا رايس لعقد مؤتمر في شرم الشيخ مع دول الجوار لمساندة الحكومة العراقية , وإمكانية مساعدة العراق لإعادة إعماره من طرف دول الجوار على حد تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية.

خاتمة

و يمكن القول أن الإسلام بقيمه السمحة ووسطيته واعتداله وسلميته هو عقيدة ونظام , عقيدة تقوم على تطبيق الفضيلة المتمثلة في تلك القيم والمبادئ , ونظام بجوانبه التربوية والعلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تمس مختلف حياة البشر.
ومن ثم فهو منهج إلاهي متروك بيد المسلمين في تطبيقه , وهذا التطبيق لا يعني بالضرورة العودة إلى التجربة الإسلامية الأولى كما هي بشكلها الحرفي , بتعصب وتشدد وتطرف, وإنما بشكل يتماشى ومقتضيات التطور الذي تعيش عليه الشعوب الآن , وإلا كان في تطبيقها تعجيز ووضع العوائق أمام هذا التطور, مع إعطاء صورة مشوهة ومرعبة للإسلام, بل يمكن أخذ التجربة الأولى كاستفادة منها من تلك القيم التي نادى بها الإسلام,*و تطويرها وإعادة قراءتها بالتوفيق بين الواقع ومشكلاته وقضاياه, وما يلزمه العصر بعولمته ومن أفكار ونظريات* .
ولعل هذه الظروف التي يمر بها العالم بأسره لهي نتاج واقع مملوئ بتناقضات عدة , منتجها الإنسان ومستهلكها الإنسان ذاته, وذلك بتفاقم الفقر, الأمية , الجهل بحقيقة الدين الإسلامي ومبادئه السمحة , ناهيك عن الإحباطات التي مر بها العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث بصورة عامة, بعد كثرة الهزائم فلم يتحقق الأمل المنشود إليهم في حياة الرغد, فملوا الوعود سواء منها على ألسنة الأحزاب السياسية أو على ألسنة المريدين, فلا اشتراكية رفعت من ذواتهم إلى ذاك الأمل و لا تقدمية انتشلتهم من واقع الألم ومرارة العيش, فبدوا منحصرين بين عولمة العولمة وبين الرجوع إلى الدين, فكانت أحضان تلك الجماعات التي بسطت يدها إليهم حاملة معها مشعل الأمل و العيش الكريم واحتضنتهم بين ذراعيها متأكدة أنهم سيكنون رهن إشارتها باتخاذ الدين كوسيلة لتحقيق أهدافهم, متناسين أن كل شيء في هذا الوجود إنما له مقابل , لكن هذا المقابل الذي غرسوه فيهم ما بعد الحياة الدنيا, أما تلك الجماعات فهي تعيش حياتها الدنيا, وبذلك فظاهرة الإرهاب التي تظهر بين الفينة والأخرى من تفجيرات هنا وهناك لهي أكبر دليل على أن مريدي هذه الجماعات يحيكون خلف الستائر, يقدمون أشخاصا بعد عملية غسل الدماغ إلى تنفيذ هذه الأعمال الإجرامية وهم بعدين عن ساحة الموت, فهم صانعوا الموت بكل أشكاله وتقنياته, فليست دول المنطقة العربية والإسلامية هي مركز ثقل الإرهاب , فجميع دول العالم تعاني منه,من سنغفورة إلى الهند وكاشمير إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوربا والعالم العربي, وما حدث مؤخرا في ولاية فلوريدا في شهر أبريل لأكبر دليل على أن الإرهاب ظاهرة عامة, وعلى الساسة والمريدين والأكاديميين والباحثين والقانونيين, البحث عن مكمن الخلل لمعالجته واستأصله, مع تظافر الجهود المكثفة مع الشعوب بالتوعية والتعاون حتى يسكن الأمان العالم, وهذا يبقى مأمل كل شعوب العالم التي تريد أن يعيش فيها المسلم مع اليهودي, المسلم مع المسيحي , المسلم مع البوذي, المسلم مع المجوسي, تحت غطاء راية واحدة راية الإنسانية,فالوطن للجميع والدين لله.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*