الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » د. نسيرة : حرب الأفكار أنموذج عربي في حملة السكينة والمناصحة السعودية

د. نسيرة : حرب الأفكار أنموذج عربي في حملة السكينة والمناصحة السعودية

 “حرب الأفكار هي حرب تراكمية بطيئة لا تحسم نتائجها بوضوح شأن الحروب العسكرية، نظراً لطبيعة ساحتها ونوعية آلياتها”. نافلة قول بدأ بها الباحث في شؤون الحركات الإسلامية هاني نسيرة الفصل الخامس من كتابه “أزمة النهضة العربية وحرب الأفكار: قراءات في الخطاب العربي المعاصر” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

هذا الفصل الذي يؤدي إلى الفصل التالي الخاص بالنموذج العربي لحرب الأفكار متمثلاً حملة السكينة والمناصحة السعودية، يفاجئنا برؤية الكاتب المتخصص بأن وقت نهاية الإرهاب القاعدي ليس قريباً، على المستوى الفكري والأيديولوجي، خاصة مع ازدياد ونشاط التجنيد والفعل الجهادي، وحدوث تطورات فكرية وتنظيمية جزيئية داخل التنظيم، تتيح له البقاء رغم المواجهات التي تواجهه، فضلاً عن مناخ عالمي وإقليمي مازال مواتياً لخصوبة أفكاره وتأثيرها.

يقول الكتاب: عندما نقرأ الفكر الجهادي القاعدي فإننا نتحدث عن فكر ذرائعي وأداتي يمارس التبرير الأيديولوجي لإزاحة فعل العقل نفسه، وتسعى الممارسة الخطابية للسلفية الجهادية إلى إزاحة أي تصور ديني سلمي أو تاريخي يمكن أن يرفض ممارساته وأفكاره وتأويلاته الدينية والدنيوية.

يرصد نسيرة ويحلل نشأة وتطور فكر القاعدة أو السلفية وراءه مرجعيات الخطاب القاعدي وتحولاته وتوتراته، وتأثير هذه المراجعات، والفروق بين كل منها، وكذلك تحولات الخطاب السياسي والقيادي له.

في النموذج العربي لحرب الأفكار، تبرز تجربة المناصحة السعودية بقوة، فالتوجهات الفكرية المتطرفة لدى بعض الشباب، والقابلية الاجتماعية للعنف وتوافر روافد ثقافته التي تتأتي نتيجة تهميشهم، أو تصور صورة البطل والكاريزما عندهم التي تملأ الفراغات النفسية والمعنوية، تعني طبيعتها أنها ليست مرضاً نفسياً أو ذهاناً عقلياً، ولكن يمكن التعامل معها عبر الحوار الفكري والإصلاحي.

من هنا كانت جاذبية تجربة الإصلاح والمواجهة الفكرية للتطرف في المملكة العربية السعودية التي تقوم على محورين رئيسين هما: لجان المناصحة وحملة السكينة للعديد من المراقبين المهتمين بشأن حصار الإرهاب والتصدي له إقليمياً ودولياً، وهي تستمد أهميتها من كون كل منهما آلية نوعية ومنظمة في حوار المتطرفين والإرهابيين، الذين يمثلهم في هذه الحالة أعضاء وعضوات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وبدأت فكرة لجان المناصحة من داخل السلطات السعودية ذاتها، حيث مثّلت مضمون ورقة العمل الأساسية التي قدمتها السعودية في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد بالرياض في 5-8 فبراير/شباط 2005 والذي سعى لتحديد خطط الدولة في مكافحة الإرهاب. يذكر أن لجنة العقوبات المفروضة على الإرهاب التابعة للأمم المتحدة طلبت من السلطات السعودية معلومات وافية عن البرنامج الذي أعدته في هذا الصدد.

وفي حديثه عن السلفية ومنطق الفرقة الناجية، يسوق الكاتب تعريفاً لغوياً واصطلاحياً لكلمة “السلف” عند التيارات السلفية، “فهم الصحابة وتابعوهم وتابعو تابعيهم، أهل القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، وهم أهل العصمة”، حسب تعبير الشيخ محمد ناصر الألباني، الذي يؤكد نسبة السلفية كمدرسة دعوية وإسلامية خالصة إليهم.

ويرى نسيرة خطورة هذا التعريف “رغم أنه ينغلق عند التفسير الحنبلي وتفسير فئة من “أهل الحديث” للدين فقط، من كونه يصر ويؤكد أنه انتساب للعصمة، وعلى هذا يكون المنتسب – بكسر السين – وليس فقط المنتسب إليه – بفتحها – معصوماً. وبهذا يقول الألباني: الانتساب إلى السلفية يعني الانتساب إلى العصمة، فالسلف كما يؤكد هم من قال النبي (صلى الله عليه وسلم) فيهم: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”، ويرفض أن يشمل هذا الحديث خلفهم، وهم كذلك المقصودون بقوله: “هم الجماعة” في حديث الفرق المشهور.

ويعلق الكاتب “أخطر ما يمكن أن يلحظه باحث موضوعي يطالع مثل هذا التصور للسلفية المعاصرة حول نفسها ومقومات قيامها، وكلك نسق علاقاتها مع سائر التنوعات والفرق الأخرى، أن يفجأه هذا النزوع نحو سلطة الخطاب وهيمنته، وسيطرة منطق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة عليه”.

هنا تعدت السلفية – في رأيه – كونها مجرد مدرسة دعوية أو تعليمية تدعو للالتزام بالكتاب والسنة والعودة لنهج السلف الصالح ومنهجهم في الفهم والعمل، والاعتناء الشديد بالحديث النبوي، بل تكون – بتعبير آخر – مصفاة لأهل السنة والجماعة عن أهل البدعة ممن ينتسبون إليهم، فهي منهج فرزي، وفق آليات خاصة، يفرز الحاضر بفرقه ومذاهبه، بانتقاداته ورفضه التبديعي والتكفيري، لما اتسعت له عباءة أهل السنة والجماعة تاريخياً منذ القرن الثاني الهجري حتى الآن.

ويحاول نسيرة البحث عن طريق آخر يمكن للشعوب العربية أن تسلكه وصولاً إلى نهضتها المنشودة بعيداً عن العقلية الجامدة والقوالب النمطية، وبعيداً أيضاً عن التصورات الجاهزة التي يحصرها الليبراليون في الديمقراطية، والقوميون في الوحدة، والسلفيون الراديكاليون (مثل القطبيين والجهاديين) في الحاكمية.

هذه النهضة التي تجاذب مسارها دائماً اتجاهان أحدهما أصولي لا يرى في الخارج سوى شر محض لا يأتي بخير ويحرم اقتباس أي شيء منه لأنه أساس كل مشاكلنا ومؤامراته علينا هي التي أودت بنا الى ما لا نرضاه ونعيش فيه، واتجاه إصلاحي لا يلقي بالمسؤولية على غيرنا رغم تحفظه على كثير من ممارسات الآخر إلا أنه يفرق بين خيره وشره والاستفادة من تجربة تفوقه وأطروحاته في تجاوز جمودنا وتخلفنا وبين بعض ممارساته التي لم يستهدف بها سوى مصلحته وإن أصابتنا بالضرر.

ويرفض هذا الاتجاه – بحسب الكتاب – خطاب الهوية الذي لا يرى في الآخرين غير أعداء ولا يرى في الذات وتجاربها الذاتية حتى السلبية منها سوى القداسة.

بالإضافة إلى المقدمة، يتضمن الكتاب 4 أقسام، ناقش أولها ما اصطلح الكاتب على تسميته بـ”النهضة المتوترة”، ولخص أهم سماتها في “ضعف الاهتمام بالعلوم الفلسفية وعمليات الترجمة وتعرض العالم العربي الى فترات طويلة من الاستعمار، وهو ما ساعد من المنظور الثقافي على التحصن داخل حدود الهوية الثقافية بغض النظر عن التماسات السياسية التي كانت تحدث بين آن وأخر مع الغرب”.

أما القسم الثاني فأولى عناية بشرح وتفسير أفكار بعض الفرق والجماعات المعاصرة، مشدداً على مدى نرجسيتها واعتبار كل منها لنفسها بأنها الفرقة الناجية ثم يتناول صدام الحضارات داخل المجتمعات العربية، لافتاً إلى أن الكثير من الأطروحات الفكرية والتجارب السياسية العربية لم تر في غير المسلمين سوى أعداء.

ويبرز الكاتب أهمية لجان المناصحة وعمليات المراجعات الفكرية التي تقوم بها حكومات بعض الدول للتغلب على الأفكار المناهضة لها في بعض التيارات والجماعات الأصولية.

ويركز نسيرة في القسم الثالث على إشكالية التفكير التآمري في الفكر العربي واستخدام نظرية المؤامرة في تبرير الفشل والهزائم التي تلحق بنا دائماً.

وفي القسم الرابع، يناقش المؤلف أفكاره عن الليبرالية والليبرالية الجديدة وتركيز الفكر العربي في بعض أوجهه على عمليات التحرر السياسي والاقتصادي خاصة وسط التيار المعروف بالليبرالين العرب الجدد فهم يعتنون بالليبرالية السياسية “الإصلاح السياسي” والفكرية “حرية الرأي والتعبير والاعتقاد”.

ويرى أن “الفكرة الليبرالية (التحررية) في العالم العربي بالمعنى السياسي مازالت مأزومة لا ينشط من أجلها إلا بعض المثقفين العرب في الخارج دون تأثير فعلي من الداخل في ظل توجس مجتمعي غالب تجاه فكرة التدخل الخارجي، ولكن تظل المطالب الليبرالية والحريات المطلب الشرعي الأول في فضائنا المعاصر ليس التزاماً نحو الغرب ولكن إنصافاً لتنوعاتنا وتعددياتنا وحماية لها من التفجر الطائفي القائم على الانتماءات الأولية القبلية والهوياتية، فدولة القانون والمواطنة هي الضمان الوحيد لحفظ الأوطان”.

يُشار إلى أن نسيرة باحث مصري من مواليد محافظة بني سويف عام 1973 حاصل على دراسات في مجالات الفلسفة والفكر السياسي، وله العديد من الكتب والأبحاث المنشورة سواء الفردية منها أو المشتركة مع آخرين وعمل بمجالات الإعلام وببعض المؤسسات المعنية بدراسات الفكر والسياسة المعاصرة، وله إسهامات بارزة في هذا المجال.

-- العربية نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*