الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » التحدث إلى العدو… الإيمان والأخوة وصناعة الإرهابي.

التحدث إلى العدو… الإيمان والأخوة وصناعة الإرهابي.

 أثارت العمليات الإرهابية التي تعرضت لها أوروبا والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة مجموعة من الأسئلة حرضت الوسط الأكاديمي والاستخباراتي للبحث في ملابسات تلك العمليات ودراستها، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضاً من ناحية سوسيولوجية، أي تفسيرها من زاوية تختلف عن المقاربات الثقافية أو الأمنية التي حاولت فهم ظاهرة الإرهاب في البلدان الغربية. وأحد الذين تصدوا لدراسة الإرهاب والبحث من خلاله عن الأسئلة المغيبة، يبرز الأنثروبولوجي الأميركي “سكوت أتران” في كتابه الأخيرة الذي نعرضه هنا، “التحدث إلى العدو… الإيمان والأخوة وصناعة الإرهابي”.

فمنذ هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، ثم ضرب قطارات الأنفاق في لندن عام 2005، تظهر تفاصيل بين الحين والآخر لتزيد من حيرة الدارسين لظاهرة الإرهاب حول طبيعة هؤلاء الإرهابيين والدوافع التي تجعل أشخاصاً عاديين، جداً كما يتضح من تفاصيل حياتهم الشخصية، يقدمون على قتل أنفسهم في عمليات انتحارية! جزء من الجواب الذي يقدمه لنا الكاتب، ويختلف عن باقي الأجوبة الأخرى التي درجنا على سماعها في السنوات الماضية، هو أن هؤلاء الإرهابيين الذين يُُصورون في وسائل الإعلام وكأنهم مخلوقات فضائية غريبة عن البشر، هم في الأساس كائنات اجتماعية بامتدادات عادية وطبيعية داخل المجتمعات التي يعيشون فيها، لا يكاد يفرقهم شيء عن باقي الناس، فنجدهم أعضاء في نواد رياضية، أو منظمات مجتمع مدني، كما أنهم آباء أو شباب ومراهقون صعبو المراس… لذا فهم عندما يتبنون فكراً متطرفاً وينفذون عمليات انتحارية لا يفعلون ذلك من أجل قضية ما بقدر ما يضحون بأنفسهم من أجل بعضهم البعض ومن أجل الرابطة الاجتماعية التي تضمهم.

لكن هذا التفسير أو المقاربة لطبيعة الفرد الإرهابي، كانت ستبدو في العامين 2002 و2003 خروجاً على المألوف في الدراسات الأمنية. ومع ذلك فإن “أتران” يصر على مقاربة الإرهاب من زاوية العلوم الاجتماعية حتى لو اعتبرت أفكاره بعيدة عن السائد في الأوساط الأكاديمية المنكبة على دراسة الإرهاب وتقريبه من أفهام الأمنيين الساعين إلى محاصرته قبل استفحال أمره في الغرب. ففي تلك السنوات لم يكن يخطر ببال أحد في الأوساط الأمنية أن مواطنين ولودوا وعاشوا في الغرب سيتحولون إلى إرهابيين، بل كان الاعتقاد أن “القاعدة” سترسل مسلحين إلى الغرب، أو تستقطب المهاجرين ليتحولوا إلى خلايا نائمة. وحتى عندما بدأت السلطات الأمنية في بريطانيا تفكك خلايا تضم مواطنيها الذين ذهبوا إلى باكستان للتدريب، فقد اكتشفت أن عملية التشبع بالإفكار المتطرفة كانت في الداخل وليس في أي مكان آخر من العالم.

وبدا واضحاً أن دوافع أولئك الفتية إلى التطرف لم تكن الدوافع التقليدية التي يسوقها الأمنيون من تعرضهم لعملية غسيل دماغ، أو استقطابهم من قبل أشخاص محترفين وغير ذلك، بل ظهرت عوامل أخرى.

ومع ذلك بقيت الحيرة مسيطرة على المراقبين، إذ كيف لأشخاص عاديين جداً لديهم حياة اجتماعية طبيعية أن يتحولوا إلى الإرهاب؟!وعلى غرار قلة من علماء الاجتماع الذين بدأ يستعين بهم رجال الأمن في رسم ملامح الإرهابي، رأى المؤلف أن التركيز يجب أن يكون لفهم الشخص الإرهابي على الأسئلة المتعلقة بـ”كيف” وليس بـ”من” هو الإرهابي أو “لماذا” أصبح إرهابياً؟وبالنسبة للكاتب فإن ما يهم في فهم الإرهاب هو دراسة عملية تحول الفرد إلى التطرف، فالإرهابيون وخلافاً لبعض التحليلات النفسية، ليسوا أناساً مخبولين، أو فاقدين للتوازن النفسي، كما أنهم ليسوا فقراء على غرار ما تذهب إليه المقاربات الاقتصادية، بل ليس بالضرورة أن يكون الشخص الإرهابي قد خضع لإذلال مثل الذي يعانيه الفلسطينيون، ذلك أن الإذلال يقلص قدرة الفرد على الرد ويكرس في نفسه الانكسار.

لكن من ناحية أخرى يساهم تصور الإذلال الذي تعاني منه جماعة بشرية في إذكاء مشاعر التطرف لدى الفرد الذي يشعر بأنه يقتسم معها روابط وصلات ثقافية أو دينية.

ويخلص الكاتب في النهاية إلى أن ذلك الشعور القوي بالانتماء إلى المجتمع، أو إلى جماعة أوسع، قد تكون “الأمة” مثلاً، هو المكان الذي يتعين البحث فيه عن جذور العنف. فالروابط الاجتماعية أقوى من الاعتبارات النفسية والثقافية، أو حتى الاقتصادية في تحفيز الإرهاب وخلق عناصر مستعدة للتضحية بنفسها من أجل النواة الاجتماعية التي تنتمي إليها.

زهير الكساب
—————————————–
الكتاب: التحدث إلى العدو… الإيمان والأخوة وصناعة الإرهابي.
المؤلف: سكوت أتران.
الناشر: إيكو

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*