الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » قراءة في كتاب: روح الجهاد وحقيقته في الإسلام.

قراءة في كتاب: روح الجهاد وحقيقته في الإسلام.

قراءة في كتاب: روح الجهاد وحقيقته في الإسلام.
تأليف: محمد فتح الله كولن.
ترجمة: إحسان قاسم الصالحي.
ط5 دار النيل للطباعة والنشر سنة 2008.
عرض: مصطفى الأمين(1).

نبذة عن حياة المؤلف:

يعد الأستاذ فتح الله كولن الداعية الأشهر في تركيا وربما في العالم حسب استطلاع لنيويورك تايمز سنة 2007، وهو مرشد وزعيم لحركة دعوية اجتماعية تنتشر آثارها في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، ويتمتع بقبول في الشارع التركي جعل الكثير من المحللين يرونه وراء صعود الأحزاب الإسلامية للحكم في تركيا، وكذلك صاحب الدور الأكثر فاعلية في تأكيد الهوية الإسلامية لتركيا الحديثة بعد أن طال انحدارها أو اندثارها، دعوة تجمع بين ما دعاه ابن القيم رحمه الله نور الوحي ونور الفطرة، نور النقل ونور العقل، ويدعو الشيخ كولن وحركته الكثير من الدعاة والنشطاء المسلمين لزيارة مؤسساته في تركيا الخدمية والإعلامية والدينية والتعليمية، وهو ما جعل الكثير منهم يكتبون عنه كالشيخ سلمان العودة والدكتور عبد الحليم عويس والمغربي الراحل الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله.

وقد ولد الأستاذ محمد فتح الله كولن في 27 نيسان عام 1941 في قرية صغيرة تابعة لقضاء (حسن قلعة) ‏المرتبطة بمحافظة أرضروم، وهي قرية كوروجك ونشأ في عائلة متدينة، وكان والده (رامز أفندي) شخصاً ‏مشهوداً لـه بالعلم والأدب والدين، وكانت والدته (رفيعة خانم) سيدة معروفة بتدينها وبإيمانها العميق بالله، ‏وقامت بتعليم القرآن لابنها محمد ولما يتجاوز بعد الرابعة من عمره، حيث ختم القرآن في شهر واحد. وكانت ‏أمه توقظ ابنها وسط الليل وتعلمه القرآن.

وكان بيت والده مضيفاً لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة لذا تعود محمد فتح الله مجالسة ‏الكبار والاستماع إلى أحاديثهم. وقام والده بتعليمه اللغة العربية والفارسية.

درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلى (التكية) أيضاً، أي تلقى تربية روحية إلى ‏جانب العلوم الدينية التي بدأ يتلقاها أيضاً من علماء معروفين من أبرزهم (عثمان بكتاش) الذي كان من أبرز ‏فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد. ولم يهمل دراسة العلوم الوضعية ‏والفلسفة أيضاً. في أثناء أعوام دراسته تعرف برسائل النور وتأثر بها كثيراً، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية ‏شاملة بدأها وقادها العلامة بديع الزمان سعيد النورسي مؤلف (رسائل النور).‏
وبتقدمه في العمر ازدادت مطالعاته وتنوعت ثقافته وتوسعت فاطلع على الثقافة الغربية وأفكارها وفلسفاتها ‏وعلى الفلسفة الشرقية أيضاً وتابع قراءة العلوم الوضعية كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وعلم الأحياء…إلخ.

عندما بلغ محمد فتح الله العشرين من عمره عيّن إماماً في جامع (أُوجْ شرفلي) في مدينة (أدرنة) حيث ‏قضى فيها مدة سنتين ونصف سنة في جو من الزهد ورياضة النفس. وقرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى ‏الشارع إلا لضرورة.‏

بدأ عمله الدعوي في أزمير في جامع (كستانه بازاري) في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل ‏واعظاً متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غربي الأناضول. وفي خطبه ومواعظه كان يربي النفوس ويطهرها من ‏أدرانها، ويذكرها بخالقها وربها ويرجعها إليه.
كانت النفوس عطشى، والأرواح ظمآى إلى مثل هذا المرشد ‏الذي ينير أمامها الطريق إلى الله تعالى وإلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم‏.‏

وكان يجوب البلاد طولاً وعرضاً كواعظ متجول يلقي خطبه ومواعظه على الناس في الجوامع. كما كان ‏يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية.‏

ويعقد الندوات والمجالس واللقاءات الخاصة يجيب فيها على الأسئلة الحائرة التي تجول في أذهان الناس ‏والشباب خاصة ولا يعرفون لها أي جواب مما كان يلقي بهم في مهالك الشبهة والإلحاد. فكانت أجوبته هذه ‏بلسماً شافياً لعقول وقلوب هؤلاء الشباب والناس مما جعلهم يلتفون حوله ويطلبون إرشاداته. كما حثّ أهل ‏الهمة والغيرة على الاهتمام بمجال التعليم. ونتيجة لذلك قام هؤلاء الذين استفادوا من أفكاره – دون انتظار ‏أي نفع مادي أو دنيوي – وضمن إطار القوانين المرعية في تركيا بإنشاء العديد من المدارس والأقسام الداخلية، ‏وبإصدار الجرائد والمجلات وإنشاء المطابع وتأليف الكتب ومحطة إذاعة وقناة تلفزيونية. وبعد انهيار الاتحاد ‏السوفيتي انتشرت هذه المدارس في العالم بأسره، وخاصة في دول آسيا الوسطى التي عانت من الاحتلال ‏الروسي ومن الإلحاد الشيوعي سبعين عاماً تقريباً.

عرف عن الأستاذ فتح الله كولن الشجاعة في مواجهة الإرهاب والعمليات الانتحارية ربما أكثر من سواه من الدعاة والشيوخ الإسلاميين، فهو أكد منذ وقت مبكر على رفضه الإسلامي والإنساني للعمليات الإرهابية معلنا براءته وبراءة الفهم الصحيح للإسلام منها، ووصفها في بيان له عام 2005 بأنها ” من أسوأ الضربات من أسوء الضربات على كرامة الإنسان، لقد أولى الإسلام أهمية بالغة لحق الحياة الإنسانية، واعتبر قتل نفس بريئة كقتل البشرية كافة وساوى ذلك مع الكفر بالله” ومؤكدا على منهج هذه الفئات الضالة وأن:” المسلم الحقيقي لا يمكن أن يكون إرهابياً، كما أن الإرهابي لا يمكن أن يكون مسلماً” (2) رغم هدوء كولن ورغم ميوله الصوفي إلا أنه وعيه العالمي والإنساني كان أقوى في رفضه للإرهاب من كثيرين من الشيوخ الذين لا زالت مواقفهم ازدواجية وغير واضحة تجاهه.

كما أكد الأستاذ كولن في أكثر من موضع على أن” الإرهاب والفوضى  لا يملك أي جانب شرعي ولا بد أن تجتث جذورهما”(3) .
ويؤكد الأستاذ كولن في أكثر من مكان على رفضه للإرهاب وإصراره على إدانته فيقول:” كما نددتُ بالإرهاب من قبل مرات عديدة وبصورة واضحة، أندد به مرة أخرى أيا كان مصدره والجهة التي تقوم به” وهو يدعو سائر علماء ودعاة المسلمين إلى البراءة منه لأنه أخطر ما يسئ لهذا الدين، فيقول في حوار وفي لقاء معه نشر في جريدة الزمان التركية بتاريخ 22 آذار 2004: ” الإسلام مساء فهمه في أحسن الأحوال .. يجب على المسلمين ان يقولوا : لا إرهاب في الإسلام الحقيقي “(4) .
كتاب في فهم روح الجهاد وعدم تشويهه:

وإيمانا من الأستاذ فتح الله كولن بأهمية نقد الفهم المشوه للإسلام وبخاصة العلاقة بالآخر، قدم كولن عددا من الكتب والتأليفات والمقالات في تصحيح هذا الفهم، يأتي في مقدمتها كتابه” روح الجهاد وحقيقته في الإسلام” الذي نعرض له في هذه القراءة، والذي يؤكد فيه على أن الجهاد يتغير شكله بمقتضى الشرائط التي تتطلبها الظروف، فرضا في موضع وواجبا في آخر، ومباحا في غيره” (5).

كما يؤكد كولن في هذا الكتاب أن” الأصل في الإسلام هو السلم وليس الحرب” وقد أفاض في بيان أن الأسباب الموجبة للحرب هي الدفاع، والحد من الظلم وفتح باب حرية الإرشاد والتبليغ.

ينقسم هذا الكتاب إلى مقدمة ومدخل وستة فصول.

يقول كولن في مدخل الكتاب ” ولقد كسب الجهاد في عصرنا الحاضر خواصاً متميزة، حيث تحولت دنيانا إلى ما يشبه القرية العالمية، وتوسعت فيها وسائل الاتصال والنقل توسعاً هائلاً قد لا يتصوره خيالنا، وقد أثر توازن القوى العالمية -إلى حد ما- بمعناه ومفهومه. لذا فلا شك أن شكل الجهاد سيكون أيضاً مختلفاً في هذا العصر. ولا يعني هذا تغيّر معنى الجهاد ولا مضمونه.

ويستلهم من بديع الزمان النورسي مفهوما جديدا للجهاد وهو مواجهة المعترضين من العلمانيين وغيرهم بالحجة والإقناع وليس بالحرب، يقول كولن:” وقد أضاف بديع الزمان سعيد النورسي بُعداً آخر جديداً لمصطلح الجهاد وذلك بقوله: “الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والإجبار”. فإذا ما تصوّرنا سيطرة تيار الفلسفة الوضعية والمذهب العقلي حتى على العالم الإسلامي، فضلاً عن العالم الغربي، فإن تبليغ الإسلام بلا شك إلى هؤلاء الناس سوف لا يكون ضمن ذلك المعنى الضيق للجهاد الذي ذكرناه آنفاً، أي “القتال”؛ إذ إن جهاد أولئك إنما يتحقق بإجراء مقارنة بين أسس النظم التي ارتضوها -الواحد تلو الآخر- مع أسس الإسلام. نعم إن جهادهم لا يتحقق إلاّ بهذا الأسلوب، أسلوب الإقناع(6).

يتناول الفصل الأول” مفهوم الجهاد” بالتحليل في ضوء الكتاب والسنة، كما يضع ” مفهوم الجهاد الأصغر والأكبر” بعد البحث المستفيض فيهما كلا في موضعه اللائق به، لأن كلا النوعين يفهم فهما خاطئا، فمن يقصرون الجهاد على الجهاد الأكبر يفهمون الجهاد أنه مجاهدة مع النفس الإنسانية فحسب، فتركوا جانب الدعوة في العالم الخارجي وانسحبوا إلى زاويتهم منشغلين بذكر الله وحده، في حين غيرهم تبنوا الجهاد الأصغر وحده، فلم يروا الجهاد غير النضال مع الأعداء حتى بلغ بهم الأمر إلى إهمال العبادات المفروضة…
ويقول كولن عن ضرورة تحقيق التوازن بين نوعي الجهاد” نعم، إن الجهاد الأصغر في معنى من معانيه جهاد مادي. أما الجهاد الأكبر الذي يشكل الجانب المعنوي من الجهاد فهو جهاد الإنسان لنفسه وعالمه الداخلي. فمتى ما أُوفى حق هذين الجهادين معاً فقد تأسس التوازن المطلوب. وبخلافه، أي إذا ما نقص أحد هذين الجهادين اختلت الموازنة الموجودة في روح الجهاد”.

والمؤمن الكامل في رأي كولن هو الذي يجمع بين الجهادين” فعلى الإنسان الذي ظهر على الأعداء في الخارج، أن يظهر على نفسه أيضا في عالمه الداخلي، ليتم جهاده ويكتمل” ويستنطق كولن عددا من الآثار النبوية التي تؤكد هذا المعنى، حين يقول” فعلى :” وفي ضوء هذا تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نـزول هذه السورة- أي سورة الفتح- يردد باستمرار: “سُـبحان الله وبحَمْده أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه سُبحانكَ اللّهم أستغفرك وأتوب إليك”، ويشير الأستاذ فتح الله كولن إلى أن الرسول جمع بين الجهادين في سيرته وسنته حين قال صلي الله عليه وسلم : “عَينان لا تَمَسّهما النارُ عَين بكتْ من خشية الله وعيْن باتتْ تَحْرسُ في سبيل الله”(7).

وتحت عنوان” ما يجب على إنساننا اليوم” يقول الأستاذ فتح الله كولن:” الجهاد موازنة بين فتح الداخل والخارج، ففيه بلوغ الكمال ودفع الآخرين إليه، فبلوغ الإنسان ذاته جهاد أكبر ودفعه الآخرين إلى الكمال جهاد أصغر، فإذا ما افترق أحدهما عن الآخر ينتفي معنى الجهاد عملياً،  فيتولد من أحدهما الذل والمسكنة ومن الآخر العنف والإرهاب، ونحن ننتظر ولادة روح محمدي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يمكن إلاّ باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر كما في كل أمر”.

ثم يعلق الأستاذ كولن:” فما أسعد أولئك الذين يبحثون عن وسائل لإنقاذ غيرهم مثلما يبحثون عنها لإنقاذ أنفسهم. وما اسعد الذين لا ينسون أنفسهم في خضم العمل لإنقاذ غيرهم”.

ويأتي الفصل الثاني من الكتاب بعنوان” وظائف الجهاد” ويبحث فيه الأستاذ كولن عن الجهات المختلفة للجهاد من الجانب الدنيوي، يبين أهمية الجهاد في” الجهاد منبع الحياة” ويقول يؤكد مؤلف كتاب” روح الجهاد وحقيقته في الإسلام” الأستاذ فتح الله كولن على مبدأ شمولية الإسلام، ولكنه مبدأ إنساني بالأساس يتسع للاختلاف والتنوع الإنساني أكثر مما يعني دمج الناس فيه، كما هو في فكر الحركات الإسلامية الأخرى، حاضرا فيها مفهوم الإنسان/ الفرد الكامل عند كولن، الذي يستمده من التراث الروحي الإسلامي بشكل كبير، يقول كولن:” إن الإسلام دين نظام إلهي شامل لجميع مرافق بمناهج متنوعة ترفد منابع الحياة وتزيدها عطاء وخصبا، ويحتضن الإنسانية كافة، بل الدنيا والعقبى، وأهم مراميه رفع الإنسان إلى ذروة الإنسانية وجعله إنسانا كاملا في أحسن تقويم ” (8) ويرفض كولن الفهم السائد للجهاد الذي يختصره في مرادفة القتال معتبرا أن كثيرا ممن ينتسبون أو” يظهرون كممثلين للإسلام” حسب تعبيره (9) ” لا يفهمونه حق الفهم ولا يبلغونه حق التبليغ ولا يعيشونه في حياتهم” ويلح كولن على المعنى والقبول الإنساني للدين وليس فقط للمنتمين إليه، فيقول:” النتيجة الطبيعية لهذا أن الإسلام على الرغم من أنه الدين الذي ارتضاه رب العالمين لا ينظر إليه غيرهم بالنظر نفسه”(10) .

لا يتجاهل كولن موضوعة الصراع بين الإسلام وغيره من الأديان، ولكنه لا يراه حكما مؤبدا وثابتا بل جزء من ظروف وسياقات لها ما يبررها، مؤكدا على أنه منذ ظهوره، وإلى الآن في صراع مع أعدائه، وحتى بالكفاح المسلح إذا اقتضى الأمر، فثم مقتول وثم قاتل ذلك لأنه كان في فترة انتشاره في شبه محاصرة من جميع الجهات، فمن الطبيعي أن يحارب ليفك عن نفسه الحصار، فاضطر إلى الحرب والقتال من أجل أن يجد فرصة للتعبير عن نفسه”(11)

=============================================

(1) كاتب وأكاديمي مصري
(2) فتح الله كولن، بيان بعنوان: جريمة ضد الكرامة الإنسانية، في 24 تموز- يوليو سنة 2005 على الرابط التالي: http://ar.fgulen.com/
(3) راجع حازم ناظم فاضل، قضية الإرهاب في فكر الأستاذ فتح الله كولن، منشور على موقع فتح الله كولن على الرابط التالي: http://ar.fgulen.com/
(4) نقلا عن المصدر السابق.
(5) فتح الله كولن، روح الجهاد وحقيقته في الإسلام، ط5 دار النيل سنة 2008 ص 5.
(6) المصدر السابق، ص 13
(7) رواه أحمد.
(8) فتح الله كولن، روح الجهاد وحقيقته في الإسلام، ط5 دار النيل سنة 2008 ص 5.
(9) المصدر السابق.
(10) المصدر السابق.
(11) المصدر السابق ص 6.

-- مصطفى الأمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*