السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » الفلسطينيون.. سقوط المحرمات حين يفقد المناضلون قضيتهم!

الفلسطينيون.. سقوط المحرمات حين يفقد المناضلون قضيتهم!

الفلسطينيون..
سقوط المحرمات حين يفقد المناضلون قضيتهم!

تأليف: عماد سيد أحمد- ط مركز الأهرام للترجمة والنشر سنة 2010.
عرض: أحمد الشريف.

إن أبلغ دلالة يحملها هذا الكتاب هي ضياع القضية الفلسلطينية في خضم صراع الفلسطينين، وهو صراع خطابات وممارسات وتحيزات وأيدي خارجية تزايد على القضية وتلعب بها من الداخل، كما أنه ضياع الحقيقة بين قوة الانفعال الأيديولوجي وجسارته وبين ضعف الإمكانات الواقعية وممكناته.

وبعيدا عن اتفاقتنا أو اختلافنا مع ما يطرحه الكاتب نرى أن الشأن الفلسطيني الحالي، والانقسام والحرب الخطابية والتخوين الوطني في الفضاء الفلسطيني هي أصل المأساة الفلسطينية ككل، قبل أن يكون القبول بمفاوضات السلام أو قيامها ثانية.
دخل مؤلف الكاتب إلى موضوعه من مدخل غير متحيز، بعيدا عن سيل الأخبار والتحليلات والآراء المتعلقة بالقضية الفلسطينية،  الذي لا نستطيع به إدراك حقيقة ما يدور حولنا على ساحة الصراع الفلسطيني / الفلسطيني ، أو الفلسطيني / الاسرائيلى،
حيث تتبدى المواقف المغلفة والآراء الجاهزة سلفا تلف بنا في حلقات مفرغة.

ويضيف:” اعتدنا سماع أنباء القتل وأخبار هدم المنازل وتشريد الفلسطينيين وخنقهم بالحواجز والحصار وبعد كل ذلك تجد من يقول لك بكل ثقة ، ويرصد الكتاب عددا من المحطات المهمة والدالة التي تساعدنا في كشف أصول المأزق الراهن، بعيدا عن خداع المتطرفين أو زيف البراجماتيين.

الأيام الاخيرة فى حياة عرفات:

فى هذا الكتاب يروى المؤلف عماد سيد أحمد القصة الكاملة لما جرى في المقاطعة في رام الله ..مقر القيادة الفلسطينية، أثناء الانتفاضة الثانية التي شهدت أشرس المعارك بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والأيام الأخيرة في حياة عرفات، ولغز وفاته.
يكشف الكتاب عن معلومات جديدة، خاصة أن المؤلف على صلة وثيقة بالدوائر والمنظمات الفلسطينية المختلفة.ويتساءل إذا كان ياسر عرفات هو المشكلة فلماذا لم تتحسن حياة الفلسطينيين بعد سنوات من رحيله ؟ ويقول، ربما يحتاج الأمر لسنوات أخرى حتى يمكن تقييم إرث عرفات.خصوصا أن الفلسطينيين مازالوا  يواجهون المشكلات ذاتها وبدرجة أكثر حدة، فضلا عن الانقسام في الصف الوطني والموت البطئ الذي تواجهه عملية السلام، وسكوت بنادق المقاومة.

 فحماس التي كانت تطالب بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بات حلمها الآن فتح معبر لتبقي على قيد الحياة. وفتح التي كانت تدعو لدولة على أرض 1967 ذات سيادة واستقلالية باتت تحلم بعودة غزة أولا، وتحول الأمر إلى انقسام حاد بين غزة والضفة الغربية، الأول يسيطر عليها فريق يدعو للمقاومة المسلحة ولا يفعل ، بل يلاحق من يقوم بذلك وينكل به، والثاني يدعو للسلام، والمفاوضات محلك سر لا تتقدم خطوة واحدة . والأبرياء في غزة والضفة يموتون جوعا وعطشا وقهرا وبالرصاص وفى كل وقت وفى أى مكان ، وهذا هو العادي وهذه هي الحياة في المنطقة التي تمضغ الشعوب فيها الأيام بلا احتجاج ،وكأن الحياة خلقت هكذا وهكذا ينبغي أن تكون.

كل ساعة تمر على الشرق الأوسط تصبح المشكلة أكثر تعقيدا ،وكلما تقادمت المشكلة هنا في الزمن احتاج حلها إلى شئ من تلاعب الأقدار.

كانت فلسطين معمل اختبار بكل ما تحمل الكلمة من معنى بعد 11 سبتمبر. إفرايم هاليفى ، رئيس الموساد الأسبق، الذي شارك فى وضع خطة تغيير النظام الفلسطيني التي تبناها شارون 2002 وأقنع بها بوش، يقول: ” كانت هذه هي المرة الأولى التي يتبنى فيها النظام الدولي خطة لتغيير وضع داخلي ونظام ما من الخارج”. لم يكن مستغربا أن يوافق بوش على خطة شارون التي وضعها الموساد الإسرائيلي بالأساس ، لكن المدهش للغاية ، بتعبير هاليفى ، أن عواصم عربية كبيرة وافقت على الخطة كما هي،دون أي تحفظ !

قامت الخطة على تقليص سلطات عرفات للحد الذي يصبح معه مجرد ديكور ، ونقل صلاحياته لرئيس وزراء (استحدث المنصب في 2003) ، تمهيدا لإزاحته بالكلية واختفائه من مسرح الأحداث. وإصلاح المؤسسات الفلسطينية وإجراء عملية ديمقراطية شاملة، كل ذلك قبل البدء في تطبيق خريطة الطريق وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة . ولكن لا شئ جلبته هذه الخطة على الفلسطينيين سوى المزيد من الفوضى ، وما أقسى أن تخضع لروشتة علاج يصفها لك عدوك !

بعدما تخلصت إسرائيل من عرفات تعاملت مع أبو مازن المعاملة نفسها ، وعندما استجاب الفلسطينيون وأجروا انتخابات حرة نزيهة، فإنهم تعمدوا معاقبة الشعب على اختياره، بل خنقه لأنه اختار حماس. فالمسألة إذن ليست البحث عن شريك، يدعون أنهم يفتشون عنه في كل مكان، بل هي قتل الشريك أيا كان ، حتى يتحقق السلام الوحيد الذي يرتضونه، وهو سلام القبور، ليدفنوا فيه الطرف الآخر. ويبنوا فوق جثته مزيدا من المستوطنات.

إنها الفوضى الهدامة وليست الخلاقة مثلما كانت تقول كونداليزا رايس ، تلك النظرية التي وضع أساسها “ميكافيللى” ، وطورها مايكل ليدن العضو البارز في معهد “أمريكا انتربرايز” المعروف بأنه قلعة المحافظين الجدد ، ومايكل ليدن من أكثر الشخصيات التي ارتبطت بنظرية التدمير البناء وهو مشروع التغيير الكامل في الشرق الأوسط ، الذي انطلق من فلسطين وتوقف نتيجة انهياره في أفغانستان وانكساره في العراق .

لا أحد يعفى الفلسطينيين من الخطأ، فعلى يديهم سقطت المحرمات وأصبح الدم الفلسطيني أرخص من ماء البحر، وارتكبوا سلسلة أخطاء متتالية بمساعدة العرب، جعلتهم على ما أصبحوا عليه الآن.

هذا الكتاب نتاج عمل متواصل ومتابعة يومية امتدت لعشر سنوات (2000- 2010) في تغطية ومتابعة الشأن الفلسطيني، ونتاج اتصال دائم بالمنظمات الفلسطينية المختلفة وقياداتها الفاعلة على الأرض. والكثير مما يرد فيه من معلومات وأفكار يستند على مقابلات مع القيادات الفلسطينية أو بيانات خاصة بالمنظمات أو وثائق ، وغير ذلك مما يعتمد عليه الصحفي في عمله ويلهث وراءه طوال يومه .

والكتاب يتضمن أربعة فصول ، أولها يعالج نتائج أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانعكاساتها على الوضع الفلسطيني وحدوثها في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية واندلاع الانتفاضة الثانية ، وتفاصيل الخطة التي وضعها الموساد الاسرائيلى لتغيير هيكلية النظام الفلسطيني ورد فعل السلطة الفلسطينية وما ترتب على المضي قدما في تنفيذ هذه الخطة ودعم العديد من الأنظمة العربية لها ،وتشكيل أول حكومة فلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) وسقوطها بعد مائة يوم.

ثنائية الحكم فى فلسطين:

يتناول الكتاب الانتخابات الفلسطينية وفوز حركة حماس وتشكيلها الحكومة وتحولها من حركة معارضة إلى الحكم، والحصار الدولي الذي فرض عليها. والصراع مع فتح، والانفصال بين غزة والضفة الغربية، ويفرد الفصل الثالث لحكم حماس في غزة بما له وما عليه، من خلال الوقوف على الأوضاع المختلفة في القطاع. ومحاولات حماس المستميتة لتحقيق ما يعرف بالتأسيس الثاني لمنظمة التحرير ، لتتخلص مما تراه معوقا لدورها وهو ثنائية الحكم في فلسطين لتكون المرحلة حمساوية مثلما كانت فتحاوية في الماضي، وتحايلت على ذلك بأفكار عديدة، باءت جميعها بالفشل، ولازالت تحاول. وواجهت حماس انتقادات عنيفة نتيجة سياساتها في القطاع، فضلا عن أنها ورطت غزة في حرب مع إسرائيل دفع ثمنها الأبرياء من الفلسطينيين.

حماس وقعت فى الخطأ الذى تجنبته كافة الفصائل والقوى الفلسطينية على مدى عقود طويلة من تاريخ الثورة.  

ويروى الكتاب ما حدث عقب دخول قوة الردع العربية إلى لبنان في خريف عام 1976 مثلا، حين حاولت سوريا إقناع قيادة فتح بالتصدي لفصائل الرفض وتصفيتها، والتي كان بعضها مرتبطا بالنظام العراقي آنذاك، وكان قوام الاقتراح تحديدا أن تتولى عملية التصفية فتح أو الصاعقة أو أن تتولى المنظمتان معا القيام بهذه العملية مشتركين، فرفضت فتح الصيغ الثلاث المقترحة جميعها. وقال عرفات فى وقتها ، لن أتورط فى ذلك أبدا، ولا في  أى عملية لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية المتنافسة.   

وبعد كل هذه السنوات وكل هذه التجارب والخبرات التي مرت بها الثورة الفلسطينية  تورطت حماس فيما تورطت فيه ، لأنها أرادت أن تبدأ من الصفر، وأن تهدم كل شئ لتعيد بناء كل شئ وهذا مستحيل، وان تهيل التراب على الجميع وعلى مكتسبات الثورة التي مهما اختلفنا في تقديرها فإنها موجودة، وذلك عندما جعلت من نفسها في لحظة من اللحظات أداة لصالح إيران، ولم تفرق بين عداوتها لإسرائيل ومواقف الآخرين في شتى أرجاء الأرض وأصبح كل عدو لإيران عدواً لها وكل صديق لإيران صديقاً لها باستثناء تناقض مواقفهما في العراق ، حيث أبدت حماس اعتراضا على سلوك الحرس الثوري الإيراني هناك.

وحماس بعد أن شكلت الحكومة انطلقت من موقف براجماتي شديد ، حيث قدمت مصلحة التنظيم على مصلحة الوطن ، وأرادت أن تجعل من برنامج الحركة الإسلامية برنامجا لفلسطين وهو ما لا يمكن أن يكون أبدا. وقد انعكس هذا بشكل سلبي على المواطن الفلسطيني الذي لا يطمع في ظل هذه الظروف وقبل كل شئ في أكثر من ملاذ آمن مهما يبلغ صغره ، وإلى قنصلية وكيان شرعي يعترف به المجتمع الدولي يستطيع اللجوء إليه إذا ما أوذي أوهدد. وإذا كانت فتح قد بالغت في تقدير ذاتها وتعاملت بعد أوسلو بمنطق الدولة وليست “سلطة الحكم الادارى الذاتي المحدود”،فإن حماس بعد نجاحها في الانتخابات تعاملت بمنطق الإمبراطورية ، وبدا أن برنامجها أوسع وأكبر من فلسطين وهذا ما يؤخذ عليها ، كما أنها تتعلق بأوهام لا أول لها من آخر .وماضية فى ذلك وتعرض عن المصالحة الفلسطينية وتنفر من أى تحالف على برنامج وطني كانت ولازالت كذلك ،وهذا ليس كلام المؤلف لكنها شهادة رجل مخضرم في ساحة العمل الفلسطيني هو لحماس اليوم أقرب من فتح ،إنه نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.وهذه الشهادة تدفعنا إلى ضرورة مراجعة منطلقات وثوابت حركة الأخوان المسلمين داخل فلسطين وخارج فلسطين وفى ذلك ما يتفق مع حركة حماس ومواقفها ويعززه ، مثلما قال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين السابق في مصر مهدي عاكف حينما قال إنه يفضل أن يكون رئيس مصر مسلما من ماليزيا أفضل من مسيحي مصري. وربما يفسر لنا هذا جانبا من تصرفات حماس في الساحة الفلسطينية.

ماذا تريد حماس؟

يقول المؤلف ، عماد سيد أحمد : مشكلة حماس اليوم أنها لا تريد أن تتخلى عن السلطة رغم الظروف المأساوية لأهل غزة ، بل  إن حماس تحاول كسب الوقت من أجل اكتساب المزيد من السلطة ، والحصول على مساحات أكبر للنفوذ، فبعد تشكيلها الحكومة تسعى لإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية ، وفى السيطرة عليها ،  ولا أعلم لماذا ،ولا أفهم كيف تكون معارضة لاتفاق أوسلو بعد ذلك ،وكل طموح حماس الزائد وأطماعها فى السلطة يستند إلى نتيجة انتخابات واحدة حصلت فيها على أغلبية،و تعلم حماس جيدا أن الناس اختاروها لمعاقبة فتح على الفساد الذي استشرى في مؤسسات السلطة.ولم تختر حماس فى حد ذاتها،  ويا ليتها استجابت للدعوات الكثيرة التي انهالت عليها منذ البداية واكتفت بدور المعارضة في المجلس التشريعي، تراقب وتحاسب لا أكثر ولا أقل. لكن حماس أرادت أن تكون كل شئ ،(حكومة ومعارضة ومقاومة). وياليت مشعل استجاب لنصيحة أستاذه أسد عبد الرحمن . الذي نصحه في أكثر من مناسبة بأن تكتفي حماس بالمقاومة وبالعمل على خدمة الشعب الفلسطيني، وقال له ” أنك لا تستطيع أن تحكم الناس بمواعظ   وجمعيات خيرية وبنادق طوال الوقت”.

حكومة حماس لم تؤدى أفضل من حكومة فتح ، بل إن أول حكومة شكلها أبو مازن عام 2003 كانت أفضل من الحكومات التي تعاقبت بعدها بما فيها حكومة حماس . رغم أن حكومة أبومازن استمرت مائة يوم فقط. الآن لا بديل سوى الاحتكام لصناديق الاقتراع،وإجراء انتخابات في الضفة وغزة. وهو ما ترفضه حماس بشدة. لأنها صعدت على سلم الديمقراطية ثم أرادت أن تزيحه بقدميها حتى لا يصعد خلفها أحد . الانتخابات هى مفتاح الحل بعدها يقرر الحزب الفائز أي طريق سوف يسلك ..”المقاومة” أم “المفاوضات”، أو سيجمع بين الخيارين مثلما فعل عرفات، ومع ذلك دفع الثمن. ولا أظن أن أي فصيل فلسطيني يستطيع الذهاب إلى خيار من هذه الخيارات بدون غطاء عربي أو عمق استراتيجي يمكنه التحرك في إطاره.ويري المؤلف أن موقف الرئيس محمود عباس كان واضحاً وصريحاً ويحكمه جدول زمني، عندما قال للعرب في مقر الجامعة العربية في القاهرة ، إذا أردتم الذهاب للحرب فسأكون في المقدمة ،وإذا أردتم  الاستمرار في طرح مبادرة السلام ، فإنني ملتزم بها لحين إشعار آخر.

 مشروع أبوما زن/فياض:

يتناول المؤلف مشروع أبو مازن/ فياض ،المعروف خطأ بمشروع سلام فياض، أو ما يسميه البعض الآخر ، وبشكل خاطئ أيضا ، مشروع السلام الاقتصادي. والواقع أنه مشروع الرجلين فلولا الأول ما كان للثاني دور في السلطة الفلسطينية ، وليس معنى ذلك التقليل من دور سلام فياض في هذا المشروع ، فلا شك أن للرجل دورا كبيرا ، وإن لقى انتقادات في كل مكان ، وفى الداخل أكثر من الخارج ، حتى إن البعض يصفه بأنه عدو الفصائل الفلسطينية رقم واحد ، لكنه استطاع إقناع الاتحاد الأوربي والطرف الأمريكي بمصداقية الفلسطينيين وبحسن نواياهم، لذا يلقى دعما وتأييدا كبيرين منهم، غير أنه بدون عملية سياسية جادة من قبل إسرائيل يظل مستقبل مشروع كهذا غامضا يتأرجح على السلم.

وإذا كان المرء يدفع ثمن أخطائه لاحقا، فنحن والفلسطينيون نحصد ما اقترفته أيدينا عندما أيدنا الخطة الإسرائيلية تأييدا أعمى، مرة ، وعندما تعاملت حماس وقوى أخرى بعشوائية قادت إلى حرب أهلكت غزة ، مرة أخرى . كأن ليس فى الحياة سوى الأبيض والأسود، متجنبين الخيارات الوسط، فاستمر الانقسام، واستمر التلاعب الإسرائيلي بالعرب الذين لا يدركون فعلا خطورة ما يجرى حولهم.       
                                                                             

-- أحمد الشريف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*