السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » قراءة ونقد لكتاب نقد المقدسي للمراجعات

قراءة ونقد لكتاب نقد المقدسي للمراجعات

قبل وفاة الزرقاوي عام 2006 بقليل،  وبعده لفترة، كان الشيخ أبو محمد المقدسي في حرج شديد وصراع فكري محموم مع أتباعه وفي مقدمتهم أبي مصعب الزرقاوي ثم من بعده مع الزرقاويين الجدد، أو ورثة الأخير من الجهاديين في الأردن وبخاصة صهر الزرقاوي أبي قدامة إلهامي الذي كرر اتهام الزرقاوي للمقدسي بالتراجع في رسالته” الزرقاوي مناصرة ومناصحة” ورفض ذاتيته المفرطة وادعائه بأن الزرقاوي كان تلميذا له تلقى عنه، وسمى تنظيمه الأول في العراق قبل انضمامه للقاعدة( تنظيم التوحيد والجهاد) باسم موقع المقدسي تيمنا به، وهو ما رفضه الزرقاو  جدله الشديد مع شيخه أبي محمد المقدسي ورسالة الأخير” مناصرة ومناصحة للزرقاوي” وقد رد عليه الزرقاوي بما اعتبره تراجعات من أحد شيوخه، مستشهدا بثبات ونصوص من العلامة عبد القادر بن عبد العزيز( الدكتور فضل) بالطبع قبل ان تصدر مراجعات الأخير التصحيحية.

وبعد رحيل الزرقاوي واصل إلهامي ومجموعته نقد الشيخ واتهامه بمحاولة سرقة مجد الزرقاوي، وتجاوزه لخلافه معه، واتهم الشيخ المقدسي بالتردد وقد رد عليهم الزرقاوي، وانقسمت المنتديات الجهادية بين دفاع عن الشيخ كان أبرز ممثليه هاني السباعي، وبين نقد له كان أبرز ممثليه أبو الحارث المحضار صاحب منتدى مداد السيوف! ولا شك أن كتاب المقدسي” وقفات مع ثمرات الجهاد” يحتوى على نقد جزئي لممارسات القاعدة وتحديدا الزرقاوي، كما احتوى تأريخه لتنظيم بيعة الإمام والحركة الجهادية الأردنية على نقد مماثل وأسفا على تسرع الشباب في السفر لباكستان أو العراق، وتحفظه كذلك على العمليات الانتحارية ولكن الشيخ في رسالته” الثبات.. الثبات في زمن التراجعات” يعيد نفس حلقات المسلسل النقدي الذي وجه له وإن كان أكثر شدة ومداراة، فلم يحدد أسماء من ينقص، وإن كنا نظنه يقصد جميع تيار المراجعات كما تمثل في مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية وكذلك مراجعات جماعة الجهاد بقيادة الشيخ الفاضل عبد القادر بن عبد العزيز-الشهير بالدكتور فضل- ثم غيرها من المراجعات..

ولم يتجاوز الشيخ في هذه الرسالة التي تدعو ل” الثبات” مكررا ذاتية الشيخ الذي يؤكد على ثباته وعدم قبوله للمساومة على اعتقاده وفكره، وأنه رفض دائما هذه المساومة داعيا للثبات على المنهج ومحذرا للعناصر الجهادية من الوقوع في فخ التراجعات، ونظن أن الشيخ في إيراده كثير من محطات سيرته الذاتية إنما يؤكد لمنتقديه من أتباعه السابقين ثباته وبقاءه ليس أكثر على العهد الذي اتهموه بالتراجع عنه قبل قليل.

المدخل المغالط:

دخل المقدسي لموضوع نقده” المراجعات” من مدخل مغالط، فبدلا من أن يدخل لمناقشة مفهوم” المراجعة” ورفض التقليد والتعصب، الذي ذمه الله في الكافرين، إذا به يدخل من مدخل تقليب القلوب كما أورده حديث النبي- ص- الذي أورده، حيث يبدأ” عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك” رواه مسلم” ثم يختم المقدسي داعيا:” فاللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك” فالمساواة بين المراجعات وبين تقليب القلوب هو مغالطة، فأصحاب المراجعات لم يكفروا ولم ينقلبوا عصاة بعد أن كانواطائعين بل ما أعلن القوم من نوايا وما التزموه من توجهات جديدة، إنما هي الاقرب لجمهور الأمة وجمهور اهل الحديث في القديم والحديث على السواء.

وإن تراثنا الفقهي ومدارج الفهم الصحيح لسير العلماء ومساراتهم لتؤكد لنا أن المراجعة مفهوم إيجابي وليس سلبيا، فقد عرف عن أئمة مذاهب أهل السنة والجماعة جميعا إمكان عودهم عن رأيهم متى غلبهم الدليل أو بان لهم، وهكذا كان مذهب أهل الحديث كما أسسه أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- حيث اتباع الحديث، وهكذا كان يقول الإمام الشافعي قبله:” إني لأتدين بدين الحق أتوجه إليه متى وجدته” وهكذا تحملوا عن أن اراءهم اجتهادات تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، وهكذا تكلم أصحاب المراجعات وانطلقوا في مراجعاتهم، التي لو شئنا الدقة لوصفناها باجتهاداتهم الجديدة.. تقدمات وعيهم وليس تراجعاتهم حسبما دلهم عليه الخطاب عبارة وفحوى ودلالة في واقع مختلف كما يقول علماء الأصول.

أما مدخل” تقليب القلوب” فهو مدخل غير فقهي بل مدخل إيماني، يناسب عصر الفتن، ويناسب دائرة الطاعة والمعصية، أما المدخل الفقهي فيناسبه مدخل الدليل والاجتهاد، بل يحبذ فيه دائما خلق المراجعة وفضيلتها وهنا ينفض عنه مفهوم التراجعات السلبي الذي يعني الهروب والانهزام.

نظرية المؤامرة.. ساقطة هنا:

يدأب منظرو القاعدة دائما على وصف كل ما لا يروق لهم بأنه جزء من مخططات الأعداء، فمراجعات الدكتور فضل أتت في إطار الحرب على الإرهاب وكنتيجة لضغط الولايات المتحدة على الحكومة المصرية على الدكتور فضل، وإن كان ذلك يجوز مع الدكتور فضل فظني لا يجوز مع الجماعة الإسلامية المصرية التي بدأت مراجعاتها قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وظهور ما يعرف بالحرب على الإرهاب في عهد إدارة بوش، بادئة بسلسلتها في” تصحيح المفاهيم” فليت المقدسي بدأ من مفهوم التصحيح وهو المعنى الكامل والأكثر التصاقا بمفهوم المراجعة وليس مفهوم تقليب القلوب.. اللهم ثبت قلوبنا.

وكيف يفسر لنا المقدسي توجه قيادات الجماعة المقاتلة في ليبيا  مثلا للمراجعات والمصالحة في نفس الوقت الذي توجهت كوكبة منها- حسب تعبير الدكتور أيمن الظواهري- للانضمام للقاعدة في أفغانستان، لتصدر بعد ذلك مراجعاتها التي سمتها” دراسات تصحيحية”.

يقول المقدسي في تأكيده على نظرته التآمرية للمراجعات” إن المتدبر لآيات القرآن العظيم يعلم أن من أساليب أعداء هذا الدين على مر العصور المكر بالشبهات والشهوات ليردوا أصحاب هذه الدعوة عن أصولها وثوابتها (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (لأنفال: من الآية30).

ويبدو أن مفهوم المؤامرة لم يقنع الشيخ المقدسي وحده فاستعان بمفهوم ومنطق عصر الفتن، الذي هو من علامات الساعة الصغرى، وأن الرجل يمسي فيها مؤمنا ويصبح كافرا، فيقول:” وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم وحذرنا من سهولة تقلب أهل آخر الزمان وسرعة تراجعاتهم لكثرة الفتن وضعف الدين في نفوس الناس فقال: “إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ” رواه أبو داود والترمذي”

وهنا نقول للمقدسي هل كان أصحاب المراجعات مؤمنين ثم غدوا كفارا، وهل يكفر سماحته الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز بعد صدور مراجعاته، وهل يكفر أبا المنذر الساعدي من علماء الجماعة الإسلامية المقاتلة، وناجح إبراهيم منظر الجماعة الإسلامية المصرية، وهل يكفر شيخا كالشيخ عمر عبد الرحمن يؤكد ذووه وتؤكد الجماعة دائما  أنه وافق على مبادراتها لوقف العنف ومراجعاتها.

أم أن الشيخ يراهم عصاة بعد أن كانوا طائعين، فهلا حدد نوع المعصية فيما وصفوه هم تصحيحا وباركه جمهور علماء الأمة. 

وهل يرى فيهم المقدسي ما استشهد به من قول الحسن البصري بأنهم يبيعون دينهم بدرهمين أو بأقل من ثمن العنز..

ثم يقول المقدسي:” فالاستعانة بالرحمن واللجوء إليه والثقة به من أعظم عوامل الثبات في زمن التقلبات والتراجعات؛                                                                                                            (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:62) “

ويقول” ومعنى الإستقامة الاستمرار على الحق والثبات عليه حتى الممات؛ (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102). “

وهنا يصعد في وجهنا مفهوم الثبات على الحق الذي يستدعيه المقدسي هنا، ونود أن نسأله أليس هنا فرق بين الحق أي الثابت والمعلوم من الدين بالضرورة، وهناك مسائل خلافية يكون الأصح وصفها بالاجتهاد، ألم يكن مذهب الشافعي في بغداد حقا ارتأى له ومذهبه الجديد في مصر حقا ارتأى له، أليس الخلاف الشهير حول تكفير الحاكم والمجتمعات والخروج والقتل على الشبهة والتترس، وولاية الأسير والأمير بين الجماعات الإسلامية والجهادية ذاتها حقا ارتأى لكل منها، أم أنها ثنائية مصمتة للباطل والحق، أليس قتل المدنيين والقتل على الطائفة واللون وهو ما خالفتم فيه الزرقاوي مثلا، ولا زال يختلف منظرو القاعدة حوله،  مسألة اجتهادية اختلفت فيه رؤيتكما، أليس معنى ذلك أن هناك حقا لا يختلف عليه أحد وأن هناك رؤى للحق قد فلما ترفض وتتهم إذن ما رآه الآخرون حقا اتبعوه ببيع دينهم بثمن العنز!

الثبات على المنهج:

ثم ينطلق المقدسي في رسالته لمنطق غريب وهو ان الثبات على المنهج يعني صحته وسلامته، فيقول:” والثبات على المنهج دليل على سلامته، وداع إلى ثقة الخلق به واتباعه، وهو ثمن أو ضريبة النصر ومطية الظفر والطريق الموصلة إلى العز والرفعة والتمكين.

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24).يقول سفيان: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين).  ” 

وهنا يخالف المقدسي نفسه وكل منظري القاعدة، إذا كان الثبات على المنهج هو علامة صحته فلماذا تدعون الجماعات الأخرى لاتباع القاعدة وتبديل مناهجها، لماذا كانت القاعدة طفرة في فكر الحركات الإسلامية ومنهج أهل السنة والجماعة على العموم، لماذا اختلفت القاعدة وعولمة الجهاد عن الجهاد المحلي كما تمثل في تجربة الجهاد المصري أو تجربتكم في بيعة الإمام- حسب اسمها الإعلامي- أو مناصحتك للزرقاوي وأتباعكم الذين اتبعوه في الأردن.. ألا يعني ذلك أن ألصق الأمور بالمناهج هو تطورها أما المرجعيات- النصوص الثابتة والرافدة للرؤى والأحكام- فهو تطورها وتجددها لتوافق العصر والمتغيرات.

هلا اقتحمت لنا ما تراه تراجعا وحددت لنا ما تراه متغيرا والتحمت بخطاب المراجعات نقدا موضوعيا بدلا من هذه اللغة الخطابية والذاتية المتعالية، التي تريد أن تنفذ بيسر رغم صعوبة نفاذها حقيقة، وتتهم من لم تحضره في خطابها أو محكمتها!

بدلا من تقريراتك العمومية التي لا يمكن حصرها بخصوصية الممارسة والفكر الجهادي كقولك:” والثبات يدعو إلى مزيد من الثبات؛ فثبات العلماء على دينهم وعدم تراجعهم أمام المغريات والضغوط والابتلاءات يدعو الناس إلى الاقتداء بذلك والثبات عليه .. والتراجع ولو بخطوة تعقبه خطوات وتراجعات لا حصر لها .. “.

أو إيحاءاتك المستمرة بالمؤامرة والمخططات الغربية التي تشكك بها دون تصريح في رفقاء سابقين بأنهم غدوا ألعوبة في يد الأعداء يبيعون دينهم بأقل من ثمن العنز، أو قولك:” يخططون ليل نهار للحصول على مثل هذه التراجعات ليوهنوا بها الصفوف ويفرقوا بها الجموع ويحبطوا بها الدعوة ويخذلوا بها عن الجهاد .. وسواء عندهم أحصلوا على هذه التراجعات بالضغط والقيد والأذى والإكراه والقتال”

هدف رسالة المقدسي:

يبدو أن المراجعات وآثارها استفزت الشيخ المقدسي فأراد تثبيت أصحابه في لغة عاطفية هائجة وثائرة، من خلال رسالته قائلا:” الثبات الثبات” ليس أكثر، وهو الهدف الذي لا يخفيه فيها، بل ويكرره أكثر من مرة فيها، حيث يقول:” أحببت أن أذكر هؤلاء وغيرهم من الخصوم والأعداء والشانئين ممن يتشوفون ويتشوقون لنكسات وتراجعات الدعاة والمجاهدين وأقول لهم في أول إطلالة لي على الشبكة العنكبوتية بعد طول غياب في السجون بأن هناك ثوابت في ديننا ودعوتنا يجب أن يعلم القاصي والداني والعدو والصديق والحبيب والبغيض والموالي والمعادي والودود والحسود أن لا تراجع عنها ولا خيار ولو قطعت الرقاب وهلك أو تشتت الأحباب؛”.

ويقول ايضا” أقلوا علينا أو أكثروا من ذلك؛ فلن تحرفونا ببغيكم عن الجادة بعون الله ولن تردونا بشغبكم عن الصراط .. فنحن نتأسى ونتتبع خطى قوم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ثابتون ظاهرون على الحق .. “.

وبدلا من أن يلتحم المقدسي بأدبيات ونصوص المرجعيات ويشتبك بها اشتباكا علميا وموضوعيا يلتحم بذاته فكأنه يثبتها قائلا لن ترجعي لن تراجعي ستثبتين حتى يعلم الجميع أنك لم تتراجعي ولن تتراجعي.. وأظنه في ذلك لا يخاطب تيارات المراجعات قدر ما يخاطب متهميه في الأردن من أتباع الزرقاوي أو بعض المنتديات الجهادية بالتراجع..

ويتمثل أقوالا وأمثالا من التاريخ الغربي ومن تاريخنا السلفي- على الترتيب- فيستشهد بموقف الإمام أحمد في المحنة وموقف الإمام ابن تيمية من التتار وموقف الشهيد النابلسي من العبيديين ومواقف صحابي جليل ك حبيب بن زيد من مسيلمة الكذاب وموقف آل ياسر من تعذيب الكفار..

أمثلة كثيرة سردها المقدسي يثبت بها نفسه وأصحابه رافضا للمراجعات التي يراها تراجعات..

ولكن غاب عنه شئ كثير وكبير لم يجب عليه ولم يوضحه وهو كيف يكون الاجتهاد والمراجعة التصحيحية مراجعة؟

ولماذا دافع عن نفسه أكثر مما تكلم عن زمن التراجعات ومن ينتقدهم؟

أما الثالث والأخير  والأهم برأينا فهو لماذا لم يرصد الشبه الواضح بين اتهاماته للمراجعات التصحيحية واصحابها وبين ما اتهم هو به نفسه ممن يحسبون على القاعدة والزرقاوي بالخصوص؟

ثقوب وثقوب تحضر من بعيد وأمام المرآة قد يخفيها الشعر وقوة العاطفة ولكن لا يخفيها العقل أو الفقه! كما لا تسترها الحقيقة!

-- هاني نسيرة - خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*