الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » القاعدة تعود في العراق.. استراتيجية جديدة وعمليات نوعية!

القاعدة تعود في العراق.. استراتيجية جديدة وعمليات نوعية!

المؤلف – أحمد على الشريف ، كاتب وخبير مصري في دراسة الحركات الإسلامية.

يلاحظ تراجع أمني ملحوظ في العراق خلال منذ منتصف عام 2009 حتى الوقت الحاضر، كان أحد أسبابه تغيير الخطة الأمنية في مواجهة القاعدة، التي بدأت منذ منتصف عام 2008 بالاعتماد على مجالس الصحوة في ضرب مناطق القاعدة في مناطقها، وهو ما أسقط دولة العراق الإسلامية، إلى استهداف هذه الصحوات ذاتها ليس من القاعدة وحدها ولكن من الأجهزة الأمنية قبلها مما أنهك وقضى على هذا الحل، وأعطى للقاعدة الفرصة كاملة في استعادة قوتها والقيام بعدد من العمليات النوعية في ضرب مناطق الصحوات( قرية الصوفية في الرابع من أبريل الماضي) أو ضرب السفارات المصرية والإيرانية والسورية في الخامس من أبريل) وغيرها من العمليات، بل أعطاها الفرصة في إنفاذ استراتيجيتها الجديدة التي تمارس فيها النقد الذاتي لمسارها السابق وتحاول من خلالها استعادة دولتها والمناطق التي سبق أن سيطرت عليها.
 
صدرت الوثيقة أو الاستراتيجية الجديدة للقاعدة في العراق أوائل هذا العام 2010- الموافق آواخر محرم سنة 1431 للهجرة، تحت عنوان:” خطة استراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية” وهذه الوثيقة حديثة الصدور تمثل استراتيجية جديدة تتحدد بها سيناريوهات القاعدة في العراق، وأولوياتها الجديدةحيث تحدد هذه الوثيقة ترتيب الأهداف والأعداء، وتعلن عن استراتيجية عسكرية جديدة، ومعاملة مختلفة للأقليات الدينية وشيوخ العشائر بهدف جذب قواعد اجتماعية مؤيدة لمحاولات القاعدة في استعادة دولتها التي تعترف بسقوطها ومعادية لأعدائها، و تكشف هذه الوثيقة- ذات الخمسة فصول- عن الأزمات البنيوية التي تواجهها القاعدة في الساحة العراقية، ويأتي في مقدمتها تشتت القوى الجهادية المسلحة وصعوبة توحيدها وكذلك أزمة الرمز السياسي عندها بعد رحيل أبي مصعب الزرقاوي سنة 2006 وخفوت رمزية أبي عمر البغدادي أو أبي حمزه المهاجر من قيادات القاعدة. 

يأتي الفصل الأول من الوثيقة معبرا عن أزمتها البنيوية وتشرذم القوى الجهادية، تحت عنوان ” السعى الجاد لتوحيد الجهود” وفيه تدعو القاعدة القوى الجهادية المختلفة للتوحد تحت راية دولة العراق الإسلامية

 بينما يأتي الفصل الثاني بعنوان” التخطيط العسكري المتوازن” ويمثل طرحا لاستراتيجية عسكرية جديدة تختصرها الوثيقة في التأكيد على ضرورة استهداف الصحوات قبل غيرها، حسب نصها تقول: ” توجيه تسع طلقات للمرتدين وطلقة واحدة للصليبيين” وتدعو الاستراتيجية الجديدة للتركيز على العمليات النوعية دون الحرب الموسعة ضد القوات الأمريكية.

بينما جاء الفصل الثالث دالا واستراتيجيا تحت عنوان” مجالس الصحوة الجهادية” وتدعو القاعدة فيه لاستقطاب وإقناع شيوخ العشائر وأفرادها من المناصرين للدولة، والناقمين على قيادات الصحوات، من أجل إقامة قوات للصحوة الجهادية بديلا عن الصحوات التي تصفها الوثيقة بالمرتدة، في مناطقها.

وجاء الفصل الرابع تحت عنوان” العناية بالرمز السياسي” معبرا عن أزمة الرمز في صفوف القاعدة في العراق بعد مقتل الرزقاوي، الذي كان مجمعا عليه بدرجة أكبر من خلفائه، مما ولد ضرورة إبراز رموز جديدة من داخل التنظيم أو من داخل التنظيمات المرتبطة به.

وجاء الفصل الخامس والأخير تحت عنوان” طمأنة المخالفين” وفيه تدعو الوثيقة- الاستراتيجية الجديدة إلى ضرورة طمأنة الأقليات الدينية، وتشير بها إلى المسيحيين، الذين دفعوا للدولة في عهدها السابق الجزية وهم راضون، مستدلة بموقف النبي من اليهود في صحيفة المدينة، ولكن لم تشر الوثيقة في هذا الفصل للموقف من الشيعة مطلقا مما يعني بقاء الموقف الزرقاوي السابق في القتل على الطائفة تكفيرا وتخوينا لكل أعضائها.

سقوط واستعادة دولة العراق الإسلامية:

تتهم الوثيقة الجديدة القوات الأمريكية بشن حرب إعلامية ضد القاعدة، بهدف تشويه صورتها، عبر قيام جنودها بعمليات ونسبتها للقاعدة، أو إقامة قناة فضائية تخصصت في تشويه صورة دولتها الإسلامية السابقة، والأهم في هذه الحرب الأعلامية الأمريكية، حسب هذه الوثيقة” تجاهل وجود دولة حقيقية” ووصفها بأنها ” إنترنتية و أنها مجرد كيلو بايتات على الشبكة العنكبوتية مرتهنٌ وجودها بالكهرباء” .

وتؤكد القاعدة اعترافها بسقوط دولة العراق الإسلامية، ولكن تتيقن الأمل في استعادتها مع انخفاض وأزمة انحسار الصحوات، حين تقول” إن الدولة كما سقطت بعد أن كانت قائمة على أصولها في كثير من المناطق، فإنها ستعود  ” وتستدل بتناقص عدد الصحوات، التي تقدرهم الوثيقة بحوالي 100 ألف مرتد صحوي”  وترى في تناقص كبير. 
 
المقاومة الوطنية والصحوات:

تشى استراتيجية القاعدة الجديدة بخوف كبير من نجاح العملية السياسية، وترى أن المقاومة الوطنية أكبر خطرامن الصحوات، لأنها محل دعم الأمريكان، والحل الأنسب للإدارة الأمريكية، وترى الوثيقة أن الولايات المتحدة تسعى إلى إيجاد” البديل المناسب الذي يمكن تطويعه، وهم الوطنيون من أصحاب المقاومة والتكنوقراط والديمقراطية”.

وتؤكد الوثيقة”   تحتاج إلى كثير من المرونة السياسية وكثير من الذكاء والاستخدام الإعلامي والدعائي الجيد أكثر من أي أمر آخر” ، فهؤلاء يستطيعون من خلال الخطاب السياسي والقدرات المادية والتمويلية كسب عواطف الناس وتوجهاتهم لصفوفهم، أما الصحوات فتظل على المستوى السياسي والمستقبلي أقل قدرة على المأسسة خاصة بعد انحسارها واستهدافها وعدم إمكانية مأسستها في تصور هذه الاستراتيجية الجديدة.

وتدعو الوثيقة للاستفادة من خطأ عدم تعجيل المواجهة مع الصحوات في المرحلة الماضية، تركيزا على القوات الأمريكية بالأساس، وترى قلب هذه الاستراتيجية بالتركيز على الصحوات والمقاومات الوطنية في المقام الأول. 

الحزب الإسلامي وقصم المشروع الجهادي: 

في إطار دعوتها لتوحيد القوى والمنظمات المسلحة المختلفة، ترى القاعدة أن الحزب الإسلامي يمثل خطرا على مشروعها الجهادي، بمشروعه السياسي وإمكانية سيطرته على المناطق السنية، وضربه مشروعها الجهادي برمته، وتشير الوثيقة إلى  دور الإخوان المسلمين في العراق في تأسيس الصحوات، في شكل قوى جهادية للاحتلال، بل وتؤكد مساعدة القاعدة لهم في البداية، ولكن كانت المفاجأة أنها قوى مسلحة لمواجهة القاعدة ذاتها، وتؤكد الوثيقة أن وحدة الجهاديين واستعادة الدولة الساقطة يمثل قاصما لمشروع الحزب الإسلامي السياسي في الاستقلال بالمناطق السنية قبل ظهوره .

استراتيجية عسكرية جديدة:

تقوم الاستراتيجية العسكرية الجديدة- كما تحددها هذه الوثيقة- على ثلاث خطوات أو خطوط عريضة هي: :
1-التركيز على تصفية الصحوات والقوى السياسية: وبتعبيرها أن يوجه 90% من القذائف على المرتدين( الصحوات والسياسيين) و رصاصة واحدة على الصليبيين( القوات الأمريكية)، وتؤكد القاعدة أن المعركة مع الخصوم العراقيين هي الأبقى والأخطر بعد جلاء الأمريكان كما تؤكد التجربة الأفغانية.
 
2-التطهير: ويقصد بها سيطرة القاعدة على البنى الأساسية وقواعد الاحتلال الأمريكي، سواء في حال الانسحاب أو في حال الاستهداف، وضرب البنى التحتية ما لم تتم الاستفادة منه.

3- الاستهداف: تؤكد الوثيقة على ضرورة العمليات النوعية شأن استهدا القيادات والكوادر عبر تجنيد الاستشهاديين في عناصر الحراسة و داخل الإدارات المهمة، أو استهدافها بعمليات نوعية انتحارية تصفي الرموز والكفاءات، وهي العمليات كبيرة الأثر والتأثير والواضحة في استراتيجيات القاعدة  الأخيرة، كما يتضح مثلا في عملية الانتحاري الأردني خميس البلوي في الرابع من يناير سنة 2010 في قاعدة خوست الأمريكية .

مجالس الصحوة الجهادية:

ترى الوثيقة الاستراتيجية الجديدة إمكانية إقامة مجالس صحوات جهادية، بديلا مواجها للصحوات القائمة والمنحسرة، وترى أن اجتذاب شيوخ العشائر وأعضائها المناوئين للاحتلال والرافضين للقيادات الحالية لها سيوسع نفوذ الدولة الإسلامية.، ويدخل المجتمع في صلب عملية بناء الدولة الإسلامية:

ومن أهم ما تشي به هذه الوثيقة اعتراف القاعدة في العراق بسقوط دولتها الإسلامية، التي تقر أحيانا بسقوطها، وقليلا بتقلص نفوذها، كما تضع عددا من السيناريوهات الجديدة لاستعادة قيامها، خاصة في مرحلة ما بعد الاحتلال، التي تراها المرحلة الأخطر التي عليها أن تعد نفسها لها- من الآن- مستشهدة بالحالة الأفغانية بعد خروج السوفيت.

**************************
الهوامش 
كاتب وخبير مصري في دراسة الحركات الإسلامية.
الوثيقة ص 3 و ص 4.
خطة استراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية، مفكرة الفلوجه محرم سنة 1431، http://www.zshare.net/download/726690555f027619/#  ص 5.
الوثيقة ص 6.
جريدة الشرق الأوسط- رويترز  في 6 يناير سنة 2010.

-- مركز البحوث - د. هاني نسيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*