الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » قراءة في كتاب » قراءة في كتاب: ((فقه الاحتساب على غير المسلمين)) للدكتور عبدالله الطريقي

قراءة في كتاب: ((فقه الاحتساب على غير المسلمين)) للدكتور عبدالله الطريقي

الاحتساب على غير المسلمين والمعاهدين في دار الإسلام كيف يكون؟ وما ضرورة الفقه بطبيعة التعامل مع فئات المجتمع المختلفة في مجال الدين والخلق؟ وما أهمية أن يكون لدى المسلم المعايير الثابتة التي يزن بها التصرفات بأنواعها في الحب والبغض والموالاة والمعاداة؟ أسئلة كثيراً ما تُثار في الذهن ويسأل العقل الحصيف على إجابات شرعية لها.

وإننا في ((الحسبة)) رغبة في إشباع نهمة قرائنا الكرام التمسنا عرضنا لكتاب يجيب على هذه الجوانب من خلال صفحات فقه ((الحسبة)) ألا وهو كتاب ((فقه الاحتساب على غير المسلمين)) للدكتور عبدالله بن إبراهيم الطريقي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

تعريف المصطلحات

بدأ المؤلف المبحث الأول بتعريف مصطلحات البحث، حيث ابتدأ بتعريف الاحتساب عند الماوردي وأبو يعلي بأنه: هو أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. كما عرض تعريف الشيخ المرشد بأنه: رقابة إدارية تقوم بها الدولة عن طريق والٍ مختص على أفعال الأفراد وتصرفاتهم، تصبغها بالصبغة الإسلامية، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وفقاً لأحكام الشرع وقواعده. وأما مصطلح (غير المسلم) فهو ظاهر المعنى، ويراد به: الكافر أياً كان دينه ومعتقده، سواءً أكان كفره أصلياً أم طارئاً، مثل (الكتابي، والوثني المشرك، ومن لا دين له)، ويجوز إطلاق لفظ (غير المسلم) على الكافر، إلا أنه لا يجوز هجر الألفاظ الشرعية الواردة كالكافر، والمشرك، وأهل الكتاب، واليهودي، والنصراني.

وأنواع الكفار من حيث علاقتهم بالمسلمين على نوعين: أهل عهد، ومن ليس له عهد. وأهل العهد ثلاثة (أهل الذمة، والمستأمنون، وأهل الصلح والهدنة) والذين لا عهد لهم صنفان: الكفار الأصليون المحاربون، والمرتدون عن الإسلام.

معالم العلاقة

ثم خصص المؤلف الحديث في المبحث الثاني: عن معالم العلاقة بغير المسلمين وأساسها وأهدافها، وضمن المبحث ثلاثة مطالب: الأول: معالم العلاقة بغير المسلمين: وتناول في هذا المطلب اختلاف نظرة الناس وتصوراتهم نحو العلاقة بالكفار، وذلك بحسب كل شخص وبيئته، والنشأة الأولى، والتحصيل العلمي الشرعي والقرب أو البعد من الكفار، فالناس ما بين متشدد نحو الكافر -وإن كان ذمياً أو مستأمناً- تقوم على الغلظة والعنف والمباينة المطلقة في كل معاملة، سواءً المحادثة أو المجادلة أو في الصلة والعقود ونحوها. ويرى البعض التساهل والتلاين مع الكافر، وأنه مثل المسلم في الجملة.

ويفند د. الطريقي هذين المسلكين، ويسرد القول الحق في العلاقة بين المسلم والكافر، فيشتركان في القيمة الإنسانية، والتسامح معهم في كثير من الأمور والمعاملة بالحسنى، والتعامل في شؤون الحياة الدنيا، والمخالطة لأمور شرعية، وتجب البراءة منهم ومن دينهم، كما يجب دعوتهم إلى الحق، وجهادهم إن استكبروا على الحق ووقفوا في طريق الدعوة، والأدلة على هذه الأمور كثيرة، بل قواعد الشريعة ومقاصدها تؤيد هذا المسلك.

وأما المطلب الثاني: فتحدث عن أسس العلاقة بغير المسلمين، واستخلص ثلاثة أسس بارزة، وهي: الكرامة الإنسانية، والتسامح، والبراءة. فالكرامة الإنسانية والمساواة في القيمة الإنسانية، كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ [النساء: 1] ، وشرع الإسلام خطاب الإنسان بالتي هي أحسن، ولو كان كافراً أو مسيئاً، فقال تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]، وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].

والتسامح والسهولة وعدم الخشونة تشمل الخطاب كما تقدم، ومطلق التعامل، وهذا من الرفق الذي أمر به الدين. ومن صور التسامح معهم، حل طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم، وتخييرهم بين الإسلام والجزية والقتال، والاستفادة من علومهم وخبراتهم بما لا يتعارض مع الإسلام، والتعامل معهم في المعاملات المالية، ومخالطتهم لأغراض مشروعة ووفق الضوابط الشرعية.

وتجدر الإشارة إلى أمر مهم: وهو أن هذا التسامح إنما يكون مع من يصلح له من الكفرة من المعاهدين والجانحين للسلام. أما من حارب المسلمين ورفع راية الشقاق والعناد ولا سيما المرتدين، فالتعامل معهم يقوم على: العدل، والشدة والغلظة والجهاد، وقطع صلات التعاون. وأما الأساس الثالث: وهو البراءة من الشرك وأهله، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ *إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ *وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ [الزخرف: 26 – 28] والأدلة في هذا كثيرة، وتعني البراءة، إنكار الباطل والتبري منه، والبغض والعداوة، وهما أهم معالم البراءة، كما في موقف إبراهيم ﴿ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]. فلا موالاة قلبية أو عملية، فالأمور القلبية، مثل ميل القلب وتعظيم الكافر وحبه، والتشبه به. والموالاة العملية، بمعاشرته ومداهنته، وتقريبه، وجعله بطانة، وطاعته في غير ما شرع الله ومناصرته، والإقامة بين ظهراني المشركين من غير حاجة، ومشاركتهم في الأعياد وغيرها. ومن معالم البراءة الجهاد في سبيل الله، وذلك في حق غير أهل العهد، أما أهل العهد فلا يقاتلون إلا إذا نقضوه.

أهداف التعامل

وفي المطلب الثالث: ذكر د. الطريقي أهداف التعامل مع غير المسلم، وقال تختلف هذه الأغراض والأهداف بحسب المعاملات والظروف والملابسات، بل بحسب الأشخاص أنفسهم، ومن أهم الأهداف: إظهار الدين، وإبطال الكفر وقهره، والدعوة إلى الدخول في دين الله. فالداعي -وهو يتعامل مع الكافر بالقول أو بالعمل- يهدف إلى إظهار دين الله وإعلائه، كما قال تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33] . وأما الدعوة فهي أحد أهداف تعامل المسلم مع غير المسلمين القولية والفعلية، المباشرة وغير المباشرة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125] ، فكما أن المسلم وخاصة (العالم والداعي) يريد من معاملته مع الكافر إحقاق الحق وإبطال الباطل، فإنه كذلك يطمع في كسب هذا الكافر، وإدخاله في دين الله، لأنه يعلم الجزاء العظيم المترتب على ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئاً)).

حقوق وواجبات

وأفرد المؤلف الفصل الأول للحديث عن حقوق غير المسلمين في دار الإسلام وواجباتهم، حيث أوضح بأن معرفة الحقوق والواجبات تكون معياراً للإقرار والإنكار، فمن الحقوق: الحقوق الشخصية: وهي الأمن على النفس والمال والعرض، وحق المأوى والسكن، وحق التنقل والاجتماع، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)) وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها))[1]، وغيرها التي تضمن حقوقهم الشخصية.
ومن حقوقهم بيّن المؤلف الحقوق العقدية والفكرية: فالبقاء على عقيدتهم بحيث يتركون وما يدينون، فلا يكره على الدخول في الإسلام، كما قال سبحانه ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة: 256]، وحق تعلم دينهم، وتعليمه أولادهم، لكن يمنعون من تعليم المسلمين منعاً باتاً لما فيه من الضرر، ولا بأس من قبول أولاد الذميين في مدارس المسلمين ما دام في ذلك مصلحة، من وقوفهم على محاسن الإسلام وفضائله.

ولهم أيضاً حق إبداء الرأي، مثل إبداء التظلم ورفع الدعوى ضد أحد، أو إسداء النصيحة لأحد من الناس، أو إبداء وجهة نظر حول أمر دنيوي، أما السماح لهم بإنشاء وسائل إعلام مستقلة، كصحف أو إذاعة ونحوهما، فلا، لما لهذه الوسائل من أهمية بالغة وأثر عظيم على الناس، غير أنه يجوز للمعاهد أن يشارك ويسهم في وسائل الإعلام الإسلامية بما لا يتعارض مع القواعد العامة. وبعد ذلك تطرق لجانب الحقوق الوظيفية والحقوق الاقتصادية وما سواهما.

ثم تناول د. الطريقي في المبحث الثاني من الفصل الأول: الواجبات التي على المعاهدين في دار الإسلام، وقال: فكما أن لهم حقوقاً، فإن عليهم واجبات تلزمهم في أمرين: الأول: أداء الجزية بالنسبة للذمي، وما في معناها من خراج وعشور، وثانيهما: التزام أحكام الإسلام، وأشارت إليهما الآية الكريمة في قوله تعالى ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29] . والتزام أحكام الإسلام يشمل الذمي وغيره، والمقصود الأحكام والنظم العامة التي تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع من العقود والمعاملات والعقوبات، ونحو ذلك، ويستثنى من ذلك ما يعتقدون حله وجماع هذه الأحكام في نظر الفقهاء: الخضوع لولاية القضاء الإسلامي، واجتناب ما فيه ضرر على المسلمين، واجتناب ما فيه غضاضة على المسلمين في دينهم، وعدم إظهار المنكرات، والتزام الغيار.

ضوابط الاحتساب

وخصص المؤلف الفصل الثاني لـ: ضوابط الاحتساب على غير المسلم، فبدأه بمدخل عن أهمية الاحتساب وتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع بالسفينة، وحمّل كل واحد مسؤوليته. وبذا يظهر أن مسؤولية الاحتساب ليست خاصة برجال الحسبة، وإن كانت عليهم آكد، فبنظرة في واقع نظم الدولة الحديثة، تعددت الجهات المسؤولة عن المراقبة، كل جهة بحسب اختصاصها: فالبلديات تراقب العمران وما يتصل به، ووزارة التجارة تراقب السوق التجارية، ورجال الأمن يراقبون وضع البلاد العام، ورجال المرور يراقبون حركة السير وهلم جرا، ومن ثم ضاق عمل رجال الحسبة، بحيث كان يشمل هذه الأعمال وغيرها، فقد أصبح محصوراً في الجوانب الخلقية والصلاة تقريباً، كما هو الجاري في هذه البلاد أعزها الله. ولذلك لزم التنويه … فهؤلاء داخلون في مجال الحسبة في المفهوم الشرعي.

وبعدها تناول المؤلف الضوابط الحاكمة لممارسة هذا الاحتساب، فالضوابط العامة، المتعلقة بالاحتساب بصفة عامة، بغض النظر عن نوع المحتسب عليه. والضوابط الخاصة، وهي المتعلقة بالاحتساب على الكفار على وجه الخصوص. ويأتي عرض سريع لها في المبحثين التاليين:

الضوابط العامة للاحتساب، ويمكن إجمالها: بالعلم بما يحتسب فيه، والقدرة، ومراعاة المصالح والمفاسد، والرفق مع الحزم، وظهور المنكر وعلانيته وأما الضوابط الخاصة بغير المسلمين، فأهمها: قيام أصل العلاقة على البراءة والبغض، وضرورة التفريق بين أهل العهد وغيرهم من الكفار، وضرورة التمييز بين ما هو حق للكافر وما هو واجب عليه، وتنوع أساليب الاحتساب، ومراعاة ظروف الأمة وأحوالها. فالأول والثاني سبق الحديث عنهما.

وأما ضرورة التمييز بين ما هو حق للكافر وما هو واجب عليه، وهذا هو مقتضى العدل الذي أمر الله ورسوله به، فإذا عرف المحتسب حق الكافر لم يعترض عليه في ممارسة حقه. وأما الضابط الرابع وهو تنوع أساليب الاحتساب في حق غير المسلم أكثر من أساليبه في حق المسلم. وأما الضابط الخامس: فمراعاة ظروف الأمة وأحوالها من حيث القوة والضعف.

وفي الفصل الثالث: تحدث المؤلف عن مجالات الاحتساب على الكافر وكيفيتها، وعرضها ضمن الجوانب الآتية: الجانب العقدي والفكري، والشعائر الدينية، والجانب السياسي والاقتصادي، والاعتداء على المسلم، وجانب التنظيمات الإدارية والآداب الاجتماعية العامة.

وقـفات

وفي نهاية الكتاب ختم د. الطريقي بوقفتين، الأولى: وصايا لرجل الحسبة تتلخص في التالي: الفقه في معرفة الحق، ومعرفة النفوس، والفقه التربوي المعين على الإصلاح والتقويم، والفقه بمعرفة المنكر والمخالفة، وفقه في كيفية التغيير، ثم الشجاعة والحزم. وفي علاقتك بالكافر تقوم شخصية المحتسب على عنصرين: التسامح والقوة، والحلم والأناة والصبر والعفو، والعمل ضمن الصلاحيات المخولة له، والرفع إلى ولي الأمر، والكلمة الطيبة، وهي أمضى سلاح.

أما الوقفة الثانية: فلكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، راعياً أو مرعياً، الحذر من التعامل مع غير المسلم وفق الميول النفسية والمصالح المادية الصرفة، بل حسب القواعد الشرعية، والآداب المرعية، والتعامل عادة يكون وسطاً، والتشدد في التعامل يعكس صورة قاتمة عن الإسلام، والتساهل يجر مصائب على الأمة والويلات، والمتأمل للتاريخ يدرك خطورة هيمنة الكفار على المسلمين، ثم إن الاحتساب دليل عزة الإسلام وأهله، والحمد لله الذي جعل هذه البلاد موطن عز للإسلام وأهل الإسلام.

-- موقع السكينة عـرض: بسام بن سليمان علي اليوسف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*