الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » فتاوى العلماء » هل يشترط إذن الإمام للجهاد ؟

هل يشترط إذن الإمام للجهاد ؟

الجهاد من أعظم العبادات وهو شعيرة مهمة ، لذلك وضع الشارع لها ضوابطا وشروطا ، من هذه الضوابط والشروط إذن ولي الأمر .

قال ابن قدامة رحمه الله :

” وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك ” انتهى .

“المغني” ( 10 / 368 ) .

وإذن الإمام مانع من الفوضى التي يمكن أن تنشأ من إعلان بعض المسلمين الحرب على أعداء الله دون تقدير لظروفهم وقوتهم وقوة عدوهم .

قال علماء اللجنة الدائمة :

” الجهاد لإعلاء كلمة الله وحماية دين الإسلام والتمكين من إبلاغه ونشره وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه ، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش وتنظيمها خوفاً من الفوضى وحدوث ما لا تحمد عقباه ؛ ولذلك كان بدؤه والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين ، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك ، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه مخلصاً وجهه لله ، راجياً نصرة الحق ، وحماية الإسلام ، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي وعدم العذر : فهو آثم ” انتهى .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 12 ) .

واجتماع الناس من قبَل الإمام يزيدهم قوة ، فضلاً عن التزامهم بالواجب الشرعي في طاعته فيما لم يخالف فيه شرع الله ، وبذلك يكون المسلمون المجاهدون صفّاً واحداً يجتمعون على نصرة الدين وحماية شرع الله .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

” يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين , بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها ، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع , لحاجة بعضهم إلى بعض , ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس , حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ) رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وأبى هريرة , وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم ) فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع ؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة ، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود , لا تتم إلا بالقوة والإمارة , ولهذا روي ” أن السلطان ظل الله في الأرض ” ، ويقال : ” ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان ” والتجربة تبين ذلك ” انتهى .

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 390 ، 391 ) .

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :

” لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر ؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور وليس أفراد الناس , فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد , فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع ، إذا فاجأهم عدو يخافون شره وأذاه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم , لتعين القتال إذًا .

وإنما لم يجز ذلك لأن الأمر منوط بالإمام , فالغزو بلا إذنه افتيات عليه , وتعد على حدوده , ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى , كل من شاء ركب فرسه وغزا , ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة , فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو وهم يريدون الخروج على الإمام , أو يريدون البغي على طائفة من الناس , كما قال الله تعالى : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) الحجرات/9 ، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها – أيضاً – لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام ” انتهى .

” الشرح الممتع ” ( 8 / 22 ) .

والله أعلم

وتكميلا للفائدة الفقهية والعلمية هذا المبحث من الأستاذ محمد جميل حمامي :

فلقد ذهب جمهور الفقهاء الحنفية و المالكية و هو المعتمد عند الحنابلة و هو مذهب أهل الحديث إلى أنه يحرم الجهاد بدون إذن الإمام . وذهب الشافعية إلى كراهيته فقط .

و قالت الظاهرية بجواز الجهاد بدون إذن الإمام ..

و القول الأول هو أولى الأقوال بالصواب ، و من أدلة ذلك : 

أولاً : قوله سبحانه وتعالى : { وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر مِنهم لعلمه الذين يستنبطونه مِنهم ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته لاتبعتمُ الشيطانَ إلا قليلاً } [النساء 83] فالمسائل العظيمة التي تحل بالأمة – ومنها الجهاد – يكون القول الفصل فيها لأولي الأمر ، ليس لكل أحد أو أي أحد . 

ثانياً : قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} [ التوبة 38] ، فالإمام هو الذي يأمر بالجهاد و هو الذي ينادي إليه بالنفير و المسلمون هم المُستَنفرون المخاطبون بإذن الإمام و قوله .

ثالثاً : قول النبي صلى الله عليه وسلم { الإمام جُنَّة ، يُقاتَل من ورائه } [ رواه البخاري ] فهذا نص في المسألة ، وهو بين ظاهر .

رابعاً : قول النبي صلى الله عليه وسلم { إذا استُنفِرتم فانفروا} [ رواه الشيخان ] فالقيام بالجهاد يكون بعد الاستنفار وهذا يصدر من ولي الأمر ، قال النووي : ( معناه: إذا دعاكم السلطان إلى غزوٍ فاذهبوا ) [ شرح النووي على صحيح مسلم 9/128) . 

خامساً : هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه فلا يعرف أنه جاهد أحد من أصحابه ممن كانوا تحت إمرته بدون إذنه و علمه ولأجل ذلك جاء الخطاب الرباني في التحريض على الجهاد للنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو ولي الأمر في ذلك الحين فقال تعالى : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } [ الأنفال :65 ] ، ومثال ذلك :

– قوله تعالى : { عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } [ التوبة : 43]

– و قوله تعالى : { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً } [ التوبة : 83 ] فأمر الجهاد كان منوطاً بإذن النبي صلى الله عليه وسلم .

– و قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله و رسوله و إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه } [ النور : 62 ] ” و الأمر الجامع هو الذي يجمع له كالجهاد في سبيل الله ”

– وهذا هو هدي الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يستأذنون إمامهم – وهو النبي صلى الله عليه وسلم – في الخروج للجهاد ، فهذه عائشة تقول استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، فقال : { جهادكن الحج } [ رواه البخاري ] ، و هذا ابن عمر رضي الله عنه يقول عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشر فلم يجزني [ رواه البخاري ] 

سادساً : ومن ناحية النظر فأنه لابد من إذن الإمام و أمره لترتيب أمور الجهاد و تحديد العدو و وقت الجهاد ، فلا بد من وجود الإمام لتنظيم أمور الجهاد ، فلا يكون فوضوياً لا يثمر و لا يأتي بالمراد ، وهذا هو مقتضى العلم و العقل و الحكمة . 

سابعاً : وفي القياس فإن كان إذن الوالدين مطلوباً في الجهاد فإن إذن ولي الأمر أولى و أحرى .

ومن كلام العلماء في هذا الأمر : 

أولاً : قال الحسن البصري:[ أربع من أمر الإسلام إلى السلطان : الحكم و الفيء و الجهاد و الجمعة ] ( مسائل الإمام أحمد رواية حرب الكرماني 392 ] 

ثانياً : جاء في كتاب [ الإنجاد في أبواب الجهاد ] لابن المناصف القرطبي [1/133] 

[ الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام ومياسرة الرفقاء و ما جاء في آداب الحرب و الأمر بالدعوة قبل القتال .. 

( فعدد الشرط الأول من شروط صحة الجهاد وهو النية ثم قال عن الشرط الثاني من شروط صحته : ) 

فصل : في طاعة الإمام و الغزو مع كل أمير براً أو فاجراً ] ثم ذكر أدلته بنحو ما ذكر أعلاه .

ثالثاً : قال أبو البركات عبد السلام ابن تيمية : [ لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام ، إلا أن يفاجئهم عدو يخشى علبُه بالإذن فيسقط ] ( المحرر 2:341]

رابعاً : قال ابن تيمية : [ ويرون – يعني أهل السنة – إقامة الحج و الجهاد و الجمع مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً ] ( مجموع الفتاوى 3/158) و حكى مثل قول ابن تيمية الإمام الطحاوي وابن المديني و أبو زرعة وأبو حاتم الرازيين و الإمام أحمد بن حنبل وغيرهم كثير لا يحصون . 

وقال أيضاً : [ الجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور ] ( منهاج السنة 6:118)

خامساً : قال القرطبي : [ لا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام ليكون متجسساً لهم عضداً من ورائهم وربما احتاجوا إلى درئه ] ( الجامع لأحكام القرآن 5/177)

سادساً : قال ابن قدامة : [ أمر الجهاد موكول للإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك ] ( المغني 16:13 )

سابعاً : قال البهوتي : [ لا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير ؛ لأنه أعرف بالحرب و أمره موكول إليه ] ( كشف القناع 3:72)

ثامناً : قال ابن عثيمين : [ لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر ، لأن المخاطب بالغزو و الجهاد هم ولاة الأمر وليس أفراد الناس … فالغزو بلا إذنه افتيات وتعد على حدوده ، ولأنه لو جاز للناس أن تغزو بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى كل من شاء ركب فرسه وغزا ؛ ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة ] ( الشرح الممتع 8:25)

تاسعاً : قال الفوزان : [ الذي يأمر بالقتال وينظم القتال إمام المسلمين ، من صلاحيات الإمام إقامة الجهاد و تنظيم الجيوش وتنظيم السرايا يقودها بنفسه أو يؤمر عليها من يقودها فالجهاد من صلاحيات الإمام ولا يجوز للمسلمين أن يقاتلوا بدون إذن الإمام ] ( الجهاد وضوابطة 32) 

وهذا كله في جهاد الطلب ؛ أما جهاد الدفع فلا يشترط له هذا الشرط كما لا يخفى . 

ومما يجدر ذكره أنه لا يشترط في هذا الإمام أن يكون عدلاً بل لو كان فاسقاً يتحقق به هذا الشرط وعلى هذا أهل السنة وحكايتهم فيه مشهورة معروفة وأدلتهم بحمد الله ظاهرة غير مغمورة .

وإن للمخالف ما يتعلق به لا تقابل – قوة ودلالة – ما ذكرناه لك من أدلة ولعل أبرز ما يستدلون به قصة أبي بصير ، أنه كان يقاتل الكفار هو وجماعته لما هربوا من مشركي قريش بعد صلح الحديبية ، و الجواب عن استدلالهم كما قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : [ أبو بصير رضي الله عنه ليس في قبضة الإمام ولا تحت إمرته ، بل هو في قبضة الكفار وفي ولايتهم ، فهو يريد أن يتخلص من قبضتهم و ولايتهم ، فليس هو تحت ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرسول سلّمه لهم بموجد العهد و الصلح الذي جرى بينه وبين الكفار ، فليس هو في بلاد المسلمين ولا تحت قبضة ولي الأمر ] ( الجهاد أنواعه و أحكامه 94)

فهذا هو الحق و الصواب في هذه المسألة ، و الله الموفق لا رب سواه ..

-- موقع السكينة

التعليقات

  1. السلام عليكم، قد استفدت من هذه الموقع التي تنشر الوسطية في الناس، فما أحوجنا إليها في هذا الزمن التي فيها الغلو والإنحراف. أبوبكر عثمان التشادي من دعاة الوزارة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*