الإثنين , 23 يناير 2017
الرئيسية » روح العزم » بيان شرعي في جمع الكلمة وترك التعصّب
بيان شرعي في جمع الكلمة وترك التعصّب

بيان شرعي في جمع الكلمة وترك التعصّب

الله – جل وعلا – قال لنا في كتابه العزيز ? إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ? [سورة الأنبياء : الآية 92] ، وقال ? إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ? [سورة المؤمنون : الآية 52] ، فأمتنا أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أمّة واحدة ، في أهدافها ، وفي اتجاهاتها ، وفي مناهجها ، وفي سلوكها ، وفي كل شئون حياتها ، لأنها لها رب واحد ، ونبي واحد ، آمنت بالإسلام دينا ومنهجا .
الأمة كالجسد الواحد
فهذه الأمة كالجسد الواحد ، وكالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضا ، أمتنا الإسلامية أمة واحدة ، آمنت بالله ربا ، وبالقرآن نظاما ودستورا ، وبالقبلة اتجاها وقصدا ، فالقبلة واحدة ، والكتاب واحد ، والسنة واحدة ، والمعبود هو الله – جل وعلا – نعبده لأنه كامل الذات والصفات ، فهو ربنا وإلهنا ومعبودنا وخالقنا ، ليس لنا رب سواه ، ولا نعبد إلا إياه.
إن الله أمرنا بالاجتماع والاتحاد وتآلف القلوب ، وحذرنا من الفرقة والاختلاف ، فقال ? وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? [سورة آل عمران : الآية 103] ، وحبله كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – نعتصم بهذا الحبل ، ونتمسك به ، ونجتمع على ذلك ، ونتواصى بالبقاء على هذا الاجتماع ، ويحذر بعضنا بعضا من الفرقة والاختلاف ، قال الله – تعالى – ? وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ? [سورة آل عمران : الآية 105] فإن الافتراق يسبب الاختلاف واضطراب الآراء وانقسام الأمة والله يقول ? يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [سورة الأنفال : الآية 45-46] .
والمؤمن يتعصب لكتاب الله ، ولسنة رسول الله ، بمعنى أنه يرى أنهما الحكمان ، وأنهما المرجعان حقا ، لأن الله يقول ? يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ? [سورة النساء : الآية 59] ، وذمَّ الذين لا يرجعون إلى أهل العلم والخير بقوله ? وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ? [سورة النساء : الآية 83] .
المسلم يتعصب للإسلام
فالمسلم يتعصب للإسلام ، ويدافع عن الإسلام ، ويدعو إلى الإسلام ، وينشر الإسلام ، ويحببه للقلوب ، ويبين محاسنه وخصائصه وفضائله ، والمسلم يدعو إلى اجتماع الكلمة ، وتآلف القلوب ، ويعلم أن أهل القبلة إخوانه الذين عبدوا الله ، ولم يشركوا به شيئا ، هؤلاء إخوانه وأعوانه ، يجب أن يسعى فيما يقرب القلوب ، ويجمع الكلمة ، ويوحد الصف ، ويقطع دابر النزاع ، ويُنهي الخصام والاختلاف .
فالاختلاف بين الناس واقع ، ولا بد ، ولا يمكن أن يخلو مجتمع من اختلاف وجهات النظر ، وتباين الآراء ، أحيانا لكن المؤمن – الذي قصدُه الله والدار الآخرة – لا يزيد الشر شرا ، ولا يزيد البلاء بلاء ، ولكن يعالج هذا البلاء ، ويعالج هذا الاختلاف ، فإن هذا الاختلاف بين الناس نار ، والنار إذا أُوقدت بالحطب زاد اشتعالها ولهيبها ، وعظم استعارها ، ولكن إذا قوبلت بما يُطفئ لهبها ، ويُضَيّق الخناق عليها ، تلاشت حتى تنطفئ ، وأنا أعلم أن في الساحة اختلافا ، لكن الواجب علينا جميعا أن نسعى فيما يجمع الكلمة ، ويلم الشأن ، فيما يعالج القضايا ، ويُنهي الخصام ، فيما يوحد الصف ، نسعى لننظر ما هي أسباب هذا الخلاف ؟ وهل هذا الخلاف يمكن أن نعالجه بحكمة وبصيرة ودعوة إلى الله وتحبيب الخير الناس ؟
مجرد الاختلاف لا يوجب المقاطعة
ومجرد الاختلاف لا يوجب المقاطعة ، أو الوقوف موقف العداء ، إلا إذا كان الخلاف ضد عقيدة أصل الإسلام ، وأساس الملة ، وأما الاختلافات في الأمور الجانبية ، فيجب أن نعالجه بحكمة وبصيرة ، وأن يسعى الجميع في لَمّ الشمل ، وألا نترك لعدو متربص يسعى في تفريق كلمة الأمة وتشتيتها وتقسيمها وتفريقها ، حتى تكون له السيطرة على الجميع .
أنا أعلم أن هناك من يخالفني ، ولكن ما موقفي مع هذا الخلاف ؟ هل أسعى في أن أزيده اتساعا ، وأزيده انتشارا ، أو أحاول تقليله وتضعيفه وتضييق الخناق عليه ، وتضييق شقة النزاع ، السعي للتآلف والتراحم بين الناس ؟
لا يمكن أن نرى أنه لا بد أن يتطابق الناس تماما ، إذ لا يخلو الأمر من خلاف ، ووجود منازع ، ولا بد أن نعالج هذا النزاع ، وهذا الخلاف ، وهذا التباين ، بالطرق الشرعية التي أوضح بها الحق ، وأبين بها الخطأ .
ثم قد يكون الذي يخالفني في شيء يتفق معي في أشياء كثيرة ، فما دام يوافقني في أشياء كثيرة ، فهذا الخلاف الذي بيني وبينه ، قد يكون لسوء الفهم ، وعدم إدراكه لأخطائه ، أو سوء تصوره لما عندي ، فلا بد إذا من مناظرات وحوارات هادفة ، نقصد من ورائها إيصال كلمة الحق ، وجمع الكلمة ، نقصد من خلالها وحدة الأمة ، فإن الأمة اليوم ممتَحَنة في دينها ، ممتحنة في عقيدتها ، مستهدفة من قِبَل أعدائها ، فيجب أن نسعى للمّ شملها ، وأن يكون هدفها إصلاح الأحوال ، مهما وجدنا لذلك سبيلا .
نسأل الله أن يوحد قلوبنا ، ويجمع صفوفنا ، ويعيذنا من الفرقة والاختلاف ، ويجمع قلوبنا على طاعته ، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، وألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، واهدهم سُبل السلام ، وأخْرِجهم من الظلمات إلى النور ، وجنبهم الفواحش ، ما ظهر منها ، وما بطن ، اللهم أصلح وليّ أمرنا ، وولي عهده ، ووفقهم لما فيه خير الإسلام والمسلمين ، واجمع بهما كلمة الأمة ، ووحّد بهما صفوفها على الخير والتقوى ، وصلى الله على محمد .
للأطلاع على كامل المحاضرة وتعليق سماحة المفتي العام مرفقة بأجوبته على اسئلة الحاضرين ، فضلاً قم بزيارة الرابط التالي:
التعصب للفرق والأحزاب المعاصرة [أسبابه ، وعلاجه]
——————
سماحة مفتي المملكة العربية السعودية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*