الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج » ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا )

( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا )

إن تعظيم حرمات الله من خصال المتقين الأبرار، هنيئا لمن توفاه الله وهو معظم لحرمات الله، ليس في عنقه مظلمة لأحد، ولم يعن على سفك الدم الحرام ولو بكلمة، يقول الله جل وعلا: ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ))، قال الإمام الحافظ ابن كثير: “أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيما في نفسه، فهو خير له عند ربه، أي فله على ذلك خير كثير وأجر جزيل”، وقال مجاهد في قوله ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)): “الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها” وكذا قال ابن زيد.

ومما عظَّمه الله وحرَّمه : المسجد الحرام الذي ببكة، قال الله جل وعلا: ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً))، قال الحافظ ابن كثير بعد أن نقل أقوال السلف في الآية قال: “فمضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية، أن الله يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا، من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحنُّ إليه، ولا تقضي منه وطرا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: ((فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ))، ويصفه تعالى بأنه جعله آمنا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا”. وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: “كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه فيه فلا يعرض له، كما وَصف في سورة المائدة بقوله تعالى: ((جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ)) أي: يُدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء”.

وبيَّن تعالى حرمة بعض الأشهر فقال: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)) سميت هذه الأشهر الأربعة حرما، لزيادة حرمتها وتحريم القتال فيها، عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: (ألا إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلنا، ثم قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: فإن دماءكم وأموالكم وأحسبه قال وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل من يُبلَّغه يكون أوعى له من بعض من سمعه) رواه الإمام أحمد والشيخان. وقوله جل وعلا: ((مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)).

وهذا مما كانت العرب في الجاهلية تحرمه، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، وحرم الله قبل الحج شهرا وهو ذو القعدة، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون بأداء المناسك، وحرم بعده شهرا آخر وهو المحرم، ليرجعوا فيه بعد الحج إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم شهر رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا، ((ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)) أي: في هذه الأشهر الأربعة المحرمة، لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف لقوله جل وعلا: ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ))، وكذلك الشهر الحرام، تُغلظ فيه الآثام، قال العلامة ابن باز غفر الله له: “والظاهر أنها سميت حرمًا، لأن الله حرم فيها القتال بين الناس؛ قال الله جل وعلا: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ))، ثم رجح سماحته أن حرمة القتال فيها باقية لم تنسخ”. فأي حرمة قد انتهكها هؤلاء المبطلون؟

وقال ربنا جل وعلا في البيت العتيق المحرم: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً)) يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس -أي: لعموم الناس- لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلون إليه، ويعتكفون عنده، ((لَلَّذِي بِبَكَّةَ)) يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام، وبكة من أسماء مكة.

قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل غير ذلك. وقد جعل الله في هذا البيت بركة كما قال جل وعلا: ((مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ))، أي: فيه دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم عليه السلام، وأن الله عظمه وشرفه، ومقام إبراهيم: يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد قال ربنا جل جلاله: ((وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)).

ثم بين تعالى ما امتن به على أهل الحرم من الأمن والاطمئنان فقال: ((وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً)) يعني: حرم مكة، إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: “كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج”، وقد قال ربنا جل جلاله: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ))، وقال ربنا جل وعلا: ((فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)).

ومن جملة تحريمها : حرمة اصطياد صيدها وتنفيره من أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت بذلك الأحاديث والآثار عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح –فتح مكة-: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)، وقال يوم الفتح –فتح مكة-: (إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.

فإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر)، ولهما واللفظ لمسلم أيضا عن أبي شريح العدوي رضي الله عنه أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير، أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم، الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به.

إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب). وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح) خرجه الإمام مسلم. ولقد روى عبدالله بن علي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: (والله إنك خير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه وصححه الترمذي.

ومن النعم التي امتن الله بها على قريش: ما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو آثارها من الوجود، فأبادهم الله وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذّاك أقرب حالا مما كان عليه كفار قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، فلم تنصروا يا معشر قريش على الحبشة لأنكم خير منهم، ولكن صيانة لبيت العتيق المحرم، الذي سيُشرف ويعظم ويوقر ببعثة النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولما دخل عبدالمطلب سيد قريش على أبرهة قال له: “ما حاجتك؟ فقال عبدالمطلب: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال له عبدالمطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني، فقال عبدالمطلب: أنت وذاك، فاستكبر أبرهة وجنوده وعَتوا عُتوا كبيرا، فعند ذلك حلت بهم عقوبة الجبار جل جلاله، وما ربك بظلام للعبيد، فانتقم الله لحرماته، ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ*فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ))، حتى قال بعضهم في أبرهة وجيشه:
ستون ألفًا لم يئوبوا أرضهم***بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم***والله من فوق العباد يقيمها.

في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب). وسماها الله في كتابه البلد الأمين فقال: ((وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)) يعني: مكة من دخله كان آمنا، فهل يعي هذا من يتهاون بحرمات الله؟

ومما يدل على عظم الذنب في الحرم : قوله جل وعلا: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) أنكر ربنا على الكفار صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه.

ثم توعد من أراد الإلحاد بالحرم بقوله: ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) أي: من يهم فيه بأمر فضيع من المعاصي الكبار، ((بِظُلْمٍ)) أي: عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بالمتأول، قال ابن عباس: “((بِظُلْمٍ)) أي: بشرك، وقال أيضا: ((بِظُلْمٍ)) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك، من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك، فقد وجب له العذاب الأليم”، وقال مجاهد: “((بِظُلْمٍ)) يعمل فيه عملا سيئا”، قال الحافظ ابن كثير: “وهذا من خصوصية الحرم، أنه يُعاقب البادي فيه بالشر إذا كان عازما عليه وإن لم يوقعه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) قال: “لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدَن أبْيَن، لأذاقه الله من العذاب الأليم” رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وإسناده صحيح على شرط البخاري.

ثم قال ابن كثير: وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما همّ أصحاب الفيل على تخريب البيت، ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ*فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)) أي: دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء، ولهذا ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بأولهم وآخرهم).

ومما يدل على تعظيم البلد الحرام : ما ورد في قصة الحديبية لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العام، يريد العمرة ولا يريد قتالا، فخرجت قريش لصده، فسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها، بركت به رحالته، فقال الناس: حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) خرجه البخاري. فصلوات الله وسلامه على النبي الخاتم.

ومما يدل على أهمية الأمن لقاصدي البيت الحرام: قوله جل وعلا: ((فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ))، وامتن الله على رسوله والمؤمنين بالأمن حال أداء نسكهم فقال: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً))، قال الإمام ابن كثير: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية، لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام.

فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا من قابِل، وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال صلى الله عليه وسلم: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطَّوِّف به)، ولهذا قال جل وعلا: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ))، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد، لا يخافون من أحد، وهذا كان في عمرة القضاء، في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه غيظا وحنقا، وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان، فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين يديه أصحابه يلبون، آمنين لا يخافون كما وعدهم الله جل وعلا”.

فاللهم احفظ حجاج بيتك الحرام من كل سوء، وآمنهم من كل خوف.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. يا أهل الإسلام، لا تَعرَّضوا لحرم الله وقاصديه بسوء، فإن الله جل وعلا يقول: ((لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً))، قوله جل وعلا: ((وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ)) يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها، لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة، فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ثم بيّن تعالى تحريم التعدي على قاصدي البيت الحرام فقال: ((وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً)) وهذا من تعظيم حرم الله، أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا.

وكذا من قصده طالبا فضل الله، وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، ثم نزل قوله جل وعلا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا ))، ولذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم عام تسع لما أمَّر الصديق على الحجيج، بعث عليا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسورة براءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، قال ابن كثير: “وما ذاك إلا لتشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بَعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها”.

وأمر الله مع ذلك بالعدل ونهى عن الظلم والعدوان فقال: ((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ)) أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل، قال زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية: ((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ))، “والشنآن: البغض” قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره.

عباد الله، لقد توعد الله من آذى قاصدي البيت الحرام ومنع من ذكره هناك فقال: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ))، قال ابن زيد: “هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخلوها، حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم، وقال لهم: (ما كان أحد يُصد عن هذا البيت)”، وقوله: ((وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)) قال: “إذا قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة” واختاره الحافظ ابن كثير.

وتوعدهم أيضا في آية أخرى فقال: ((وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)).

ومن الأمور المخلة بالأمن في البلد الحرام : القيام بالمسيرات والمظاهرات في مكة باسم البراءة من المشركين، ألا فاعلموا معاشر المؤمنين أن الله أوجب على عباده البراءة من المشركين في كل حين، وأنزل قوله: ((بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ)) الآيات، لكن هذه المظاهرات والمسيرات بدعوى البراءة، هي من المحدثات في الدين، قال العلامة ابن باز غفر الله له: “أما القيام بالمسيرات والمظاهرات في موسم الحج في مكة المكرمة أو غيرها لإعلان البراءة من المشركين، فذلك بدعة لا أصل لها، ويترتب عليه فساد كبير وشر عظيم، فالواجب على كل من يفعله تركه.

والواجب على الدولة وفقها الله منعه، لكونه بدعة لا أساس لها في الشرع المطهر، ولما يترتب على ذلك من أنواع الفساد والأذى للحجيج، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم مسيرات ولا مظاهرات في حجة الوداع، وهكذا أصحابه بعده رضي الله عنهم، وإنما الذي فعله عليه الصلاة والسلام بعد نزول سورة التوبة، هو بعث المنادين في عام تسع من الهجرة ليبلغوا الناس أنه لا يحج بعد هذا العام –يعني: عام تسع- مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، مع نبذ العهود التي للمشركين بعد أربعة أشهر، إلا من كان له عهد أكثر من ذلك فهو له مدته، ولم يفعل صلى الله عليه وسلم هذا التأذين في حجة الوداع، لحصول المقصود بعدما أمر به في عام تسع” انتهى كلامه مختصرا.

-- د. سلطان العيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*