الأحد , 4 ديسمبر 2016

التيسير من قواعد الدين

في هذه الأيام من أيام الحج، وفي يوم التروية الذي هو سابق ليوم عرفة ويوم الحج الأكبر، يجدر بنا أن نشرح قاعدة من قواعد الدين العظام، وهي قاعدة التيسير في الفتوى ومراعاة أحوال الناس والظروف التي تحيط بالعبادات أثناء أدائها، فالمريض يجوز أن يصلي جالساً، ولابس الخف يشرع له أن يمسح عليه، وفي الحج تظهر قاعدة (افعل ولا حرج)، وهذه القاعدة النبوية وإن كانت قد خرجت لمعالجة إشكالات معينة في الحج مع تعيين التمسك بسنة الاقتداء ابتداءً، إلا أن خروجها من مشكاة النبوة وطريقة سياقات الخطاب تجعلنا ندرك أن مراميها لا تقف عند أحوال الحج، بل في كل الأحوال التي يصلح القياس عليها؛ لأن هذا النص النبوي لا ينفك عن كليات التشريع الإسلامي وقواعده كمنظومة متماسة وأيضا متناسقة تتفق فيما بينها في كل المتماثلات وتفترق في كل المختلفات؛ ولذلك لا يمكن القول إن هذا النص النبوي (افعل ولا حرج) قاصر على أفعال الحج دلالة ومعنى، ويشهد لهذه النص النبوي القاعدة العامة.

إن الدين يُسْر وإن من مزايا الشريعة الإسلامية: التيسير، والإسلام يُسْرٌ كله؛ ولذا أوصى الرسول – صلى الله عليه وسلم – معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن فقال: ”يَسّرا ولا تُعَسّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفّرا”.

وقد أخبر الله تعالى بأنه: ”يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ” (البقرة: 185).

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ”إنَّ دِينَ الله يُسرٌ، ولَن يُشَادّ الدِّين أَحدٌ إلاَّ غَلَبَهُ”.

وأفراد التوجيهات النبوّية في وقائع الأعيان تبيّن ذلك وتقوده.

عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: ”كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم إذا أَمَرَهُم أَمَرَهُم من الأَعمَال بما يُطيقُون”.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ”لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة”.

وعن عمار بن ياسر – رضي الله عنه – قال: بعثنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حاجة فأجنبْت فلم أجد ماءً، فمرغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، ثم أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبرته فقال: ”إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا” ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه.

وقد أراد عثمان بن مظعون – رضي الله عنه – ترك النكاح والامتناع عنه، وعَزَم على التّبتل فنهاه النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك.

في أمثلة كثيرة تقرر أن التيسير ورفع الحرج من قواعد الدين ومقررات الشرع، فاتباع الشرع والالتزام به سلوك لسبيل التيسير، ولهذا مزيد بسط.

ومن هنا تميّزت سيرة سلف الأمّة بهذا المنهج النبوي. قال عمر بن إسحاق: ”لما أدركت من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أكثر ممن سبقني منهم؛ فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقلّ تشديدا منهم”.

ومن الأصول التي تتفق مع القاعدة النبوية وتتفق مع مقررات الشريعة، وشواهدها في رفع الحرج فيها أنها جعلت الضرورة مبيحة للمحظور ورافعة للتحريم.

قال تعالى: ”فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (المائدة: 3)، وقال: ”وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ” (الأنعام: 119).

وعن جابر بن سمرة – رضي الله عنه – أن أهل بيت كانوا بالحرّة محتاجين، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، فرخص لهم النبي – صلى الله عليه وسلم – في أكلها، قال: فعصمتهم بقية شتائهم.

واستنبط أهل العلم من نصوص متوافرة قاعدة الاضطرار هذه فقالوا: لا محرم مع اضطرار، والضرورات تبيح المحظورات.

ومفهومها أن حالات الاضطرار تجيز ارتكاب المحظور، أي المنهي عنه شرعا؛ فكل ممنوع في الإسلام يستباح فعله عند الضرورة إليه.

فينبغي للمفتي أن يتنبه لذلك فلا يحرم فعلا قد أباحته الضرورة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله: ”ومن الأصول الكلية، أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب، وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور؛ فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد، ولم يحرم ما يضطر إليه العبد”.

والعلماء جعلوا الحاجة تنزل منزلة الضرورة، ولذا يجب على المفتي مراعاة أحوال الناس في كل العالم الإسلامي وألا يقيس الظروف المحيطة به بظروف غيره، ويجب على المفتي أن يسلك في التيسير إرشاد المستفتي إلى المخارج الشرعية لمشكلته بما لا يتجاوز حدود الشرع، فلا يُوهِمُهُ بحرمة فعله ثم يتركه حائرا لا يعرف ما يصنع.

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: جاء بلال إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بتمر برني، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم: ”من أين هذا؟ قال بلال: كان عندي تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – عند ذلك: ”أوّه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر ثم اشتر به”.

فأنت ترى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبر بالحل الشرعي الميسر له.

فإذا دل المفتي المستفتي على شيء من ذلك دون إعلان بعد أن عرف منه الصدق والإخلاص وقدرته على تمييز المفاسد والموازنة بينها، فقد يكون له وجه مندرج تحت قاعدة احتمال أدنى المفسدتين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ”فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها.. وذلك ثابت في العقل كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين.. وهذا باب التعارض، باب واسع جدا، ولا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها”، ثم ضرب لذلك أمثلة كثيرة.

إن الآثار العملية لهذا النص النبوي وإطلاقه في موسم الحج لعموم الحجاج في عهد النبوة والذين تقادموا من كل مكان لمرافقته – صلى الله عليه وسلم – ولم يلاحظوا كل التشريعات الإسلامية، ومع ذلك لم يذكر تقييدات لها أو معاني أو إشارات تضيق مفهومها؛ مما يحتم علينا التأسيس عليها في تطبيقات الحج والعمرة وسائر التشريعات الإسلامية المتماثلة معها في الظروف وفق المقاصد الشرعية.

تقبل الله من الحجاج حجهم وأرجعهم إلى أهاليهم سالمين غانمين، ومن العايدين وكل عام وأنتم بخير.

————-

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد اللطيف القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*