الأحد , 20 أغسطس 2017
الرئيسية » الخطب » نبذ التفرُّق والاختِلاف
نبذ التفرُّق والاختِلاف

نبذ التفرُّق والاختِلاف

الخطبة الأولى
الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي ألَّف بين قُلوبِ عبادِه المُؤمنين، وجعلَهم أنصارًا وإخوةً في الدين، أحمدُه – سبحانه – وأشكرُه، وأتوبُ إليه وأستغفِرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفِيُّه وخليلُه، أيَّدَه الله تعالى بنصرِه وبالمُؤمنين، وألَّف بين قلوبِهم فأصبَحُوا بنِعمتِه إخوانًا، صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وعلى آل بيتِه الطيبين الطاهِرين، وعلى أصحابِه الغُرِّ الميامِين، والتابِعِين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعدُ .. معاشر المؤمنين:
أُوصِي نفسِي وإياكم بتقوَى الله – عزَّ وجل -، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 102، 103].
أمةَ الإسلام:
لقد بعثَ الله تبارك وتعالى أنبياءَه لإقامةِ الدين والأُلفَةِ والجماعة، وتركِ الفُرقةِ والمُخالفَة، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].
فلذا كان من أولويَّاتِ دعوةِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – حين وطِئَت قدمُه الشريفةُ المدينةَ النبويَّة: بِناءُ مسجِد قُباء، والمُؤاخاةُ بين المُهاجِرين والأنصار، فانتقَلَ الناسُ من العداوَةِ في الجاهلِيَّة إلى الأُلفةِ في الإسلام، وأصبحَ غُرباءُ الدار إخوةً للأنصار، يُقاسِمُون دُورَهم وأموالَهم، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
ولم يكتَفِ – صلى الله عليه وسلم -، بتأسِيسِ أواصِرِ المحبَّة والأُخُوَّة بين أصحابِه؛ بل اعتنَى بها، وأوصَى بتعاهُدِها، وبيَّن فضلَها؛ حِرصًا على دوامِ الأُلفةِ وبقاءِ المحبَّة.
ففي “صحيح مسلم”: عن أبي هُريرة – رضي الله عنه -، عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، «أن رجُلًا زارَ أخًا له في قريةٍ أُخرى، فأرصَدَ الله له على مدرَجَتِه ملَكًا – أي: على طريقِه -، فلما أتَى عليه قال: أين تُريدُ؟ قال: أُريدُ أخًا لي في هذه القريةِ، قال: هل لك عليه مِن نعمةٍ ترُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أنِّي أحبَبتُه في الله – عزَّ وجل -، قال: فإنِّي رسولُ الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحبَبتَه فيه».
ولا يتحقَّقُ – يا عباد الله – اجتِماعُ القلوبِ ودوامُ الأُلفةِ إلا بلِينِ الجانِبِ، وشيءٍ من التطاوُعِ والتنازُلِ، ولهذا أوصَى – صلى الله عليه وسلم – مُعاذًا وأبا مُوسَى الأشعرِيَّ، فقال: «يسِّرَا ولا تُعسِّرَا، وبشِّرَا ولا تُنفِّرَا، وتطاوَعَا ولا تختَلِفَا»؛ رواه البخاري ومسلم.
وإن مِن دواعِي اجتِماع الكلِمةِ: التنازُلَ عن شيءٍ من حُطامِ الدنيا.
فها هو النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لما قسَمَ غنائِمَ حُنَين آثَرَ بها المُؤلَّفةَ قُلوبُهم، فوجَدَ الأنصارُ في أنفُسِهم شيئًا، فلما رأَى ذلك – صلى الله عليه وسلم – ذكَّرَهم بنِعمةِ الهِدايةِ واجتِماع الكلِمةِ، فقال: «يا معشَرَ الأنصار! ألَم أجِدكُم ضُلَّالًا فهداكُم الله بي؟ وعالَةً فأغناكُم الله بي؟! ومُتفرِّقِين فجمَعَكم الله بي؟!». فأقَرُّوا له بذلك، فطيَّبَ قُلوبَهم فقال: «ألا ترضَون أن يذهَبَ الناسُ بالأموالِ وترجِعُون إلى رِحالِكم برسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؟! فوالله لَمَا تنقَلِبُون به خيرٌ مما ينقَلِبُون به»، فقالوا: بلَى يا رسولَ الله قد رضِينَا؛ رواه البخاري ومسلم.
وكان مِن سِياسةِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -: أنه يقضِي على أي بادِرةِ اختِلافٍ في مَهدِها، ويُطفِئُ فَتيلَها قبل اشتِعالِها؛ كلُّ ذلك لجَمع الكلِمة.
ففي “الصحيحين”: عن جابرِ بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: كُنَّا مع النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – في غزاةٍ، فكسَعَ رجُلٌ مِن المُهاجِرِين رجُلًا مِن الأنصار، فقال الأنصارِيُّ: يا للأنصار! وقال المُهاجِريُّ: يا للمُهاجِرين! فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «ما بالُ دعوَى الجاهلِيَّة؟!»، قالوا: يا رسولَ الله! كسَعَ رجُلٌ مِن المُهاجِرِين رجُلًا مِن الأنصار، فقال: «دعُوها فإنها مُنتِنةٌ».
بل نجِدُه – صلى الله عليه وسلم – وهو الرَّؤوفُ الرحيمُ يُغلِظُ المقالَ لمَن يُريدُ تفريقَ وحدة الأمة، ورفعَ شِعاراتِ الجاهلِيَّة؛ لعلمِه – صلى الله عليه وسلم – أن نارَ الخِلاف والفُرقةِ والفِتنةِ إذا أُوقِدَت فمِن العَسِير إطفاؤُها.
ففي “الصحيحين”: عن أبي ذَرٍّ – رضي الله عنه – قال: إنه كان بينِي وبين رجُلٍ مِن إخوانِي كلامٌ، وكانت أُمُّه أعجميَّة، فعيَّرتُه بأمِّه، فشكَانِي إلى النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فلَقِيتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم -، فقال: «يا أبا ذَرٍّ! إنك امرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّة»، قُلتُ: يا رسولَ الله! مَن سَبَّ الرِّجالَ سبُّوا أباه وأمَّه، قال: «يا أبا ذَرٍّ! إنك امرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّة».
فأذهَبَ – صلى الله عليه وسلم – عن المُؤمنين فخرَهم بالأحسابِ والأنسابِ، فكلُّهم لآدم، وآدمُ مِن تُرابٍ، لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا أبيضَ على أسودَ إلا بالتقوَى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
ونفَى – صلى الله عليه وسلم – الإيمانَ عمَّن لا يُحبُّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لنفسِه، ووعَدَ المُتحابِّين في الله بأنَّ لهم منابِرَ مِن نُورٍ يوم القيامة، وأنَّ الله يُظِلُّهم في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه.
ولا شيءَ – يا عباد الله – أكثرُ إخلالًا بالأمنِ والأمانِ مِن اختِلافِ الكلِمةِ وافتِراقِ القلوبِ، فلذا أمَرَ – صلى الله عليه وسلم – بالسَّمعِ والطاعةِ لوُلاةِ الأُمُور.
فعن العِرباضِ بن سَارِيةَ – رضي الله عنه – قال: وعَظَنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يومًا بعد صلاةِ الغَداةِ موعِظةً بليغةً ذرَفَت منها العيُون، ووجِلَت منها القلوبُ، فقال رجُلٌ: إن هذه موعِظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهَدُ إلين يا رسولَ الله؟ قال: «أُوصِيكُم بتقوَى الله، والسَّمعِ والطاعةِ وإن عبدٌ حبشِيٌّ؛ فإنه مَن يعِش مِنكم يرَى اختِلافًا كثيرًا، وإياكُم ومُحدثاتِ الأمور؛ فإنها ضلالةٌ، فمَن أدرَكَ ذلك مِنكم فعليه بسُنَّتِي وسُنَّة الخُلفاءِ الراشِدِين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجِذِ»؛ رواه الترمذي، وقال: “هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ”.
فلذا حرِصَ – صلى الله عليه وسلم – على سلامةِ الأمة ووحدتها، وشدِّ بُنيانِها واجتِماع كلِمتِها إلى آخر لحَظاتِ حياتِه.
ففي “الصحيحين”: عن أنسِ بن مالكٍ – رضي الله عنه – قال: أن أبا بكرٍ كان يُصلِّي لهم في وجَعِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – الذي تُوفِّي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنَين وهم صُفوفٌ في الصلاةِ، فكشَفَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – سِترَ الحُجرةِ ينظُرُ إلينا وهو قائِمٌ، كأنَّ وجهَهُ ورقةُ مُصحَفٍ، ثم تبسَّمَ يضحَكُ، فهمَمنا أن نفتَتِنَ مِن الفرَحِ برُؤيةِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فنكَصَ أبو بكرٍ على عقِبَيْه ليَصِلَ الصفَّ، وظنَّ أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – خارِجٌ إلى الصلاةِ، فأشارَ إلينا النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أن أتِمُّوا صلاتَكم، وأرخَى السِّتر، فتُوفِّي مِن يومِه.
قال الإمامُ النوويُّ – رحمه الله -: “سبَبُ تبسُّمِه – صلى الله عليه وسلم -: فرَحُه بِما رأَى مِن اجتِماعِهم على الصلاةِ، واتِّباعِهم لإمامِهم، وإقامَتِهم شريعتَه، واتِّفاقِ كلمتِهم، واجتِماع قُلوبِهم، ولهذا استنَارَ وجهُه – صلى الله عليه وسلم -، على عادَتِه إذا رأَى أو سمِعَ ما يسُرُّه يستَنِيرُ وجهُهُ”.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم من كلَّ ذنبٍ، فاستغفِروه؛ إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي أمرَ عبادَه المُؤمنين بالاجتِماع، ونهاهُم عن الفُرقةِ والنِّزاع، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ .. معاشر المُؤمنين:
لئِن كان اجتِماعُ الكلِمة ضرورةً في كل وقتٍ وحِين، فالمُسلِمون اليوم أحوَجُ إليه مِن أي وقتٍ آخر، ولكن – يا عباد الله – إذا كُنَّا نُريدُ وحدةَ الأمةِ، فلا بُدَّ مِن استِيعابِ تعدُّد الآراء والاجتِهاداتِ في حُدودِ شرعِنا المُبارَك، نعم .. في حُدودِ شرعِنا المُبارَك.
فهؤلاءِ أنبياءُ الله – تبارك وتعالى – قد اختَلَفُوا فيما بينهم، وهم خِيرةُ خلقِ الله – جلَّ جلالُه وتقدَّسَت أسماؤُه -، فذكَرَ الله تعالى في كتابِهِ العزيزِ ما حصَلَ مِن خِلافٍ بين مُوسَى وهارُون – عليهما السلام -: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 92- 94].
فالخِلافُ قد حصَل، ولكن كلٌّ منهما للآخر قد عذَرَ.
ولا يجوزُ لأحدٍ أن يجعلَ مِن هذا الخِلافِ سببًا للفُرقةِ والنِّزاعِ واختِلافِ القلوبِ، وقد حذَّرَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – مِن ذلك.
ففي “صحيح البخاري”: عن ابن مسعُودٍ – رضي الله عنه – قال: سمِعتُ رجُلًا قرأَ آيةً، وسمِعتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – يقرأُ خِلافَها، فجِئتُ بِهِ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأخبَرتُه، فعرَفتُ في وجهِهِ الكراهَةَ، وقال: «كِلاكُما مُحسِنٌ، ولا تختَلِفُوا؛ فإن مَن كان قبلَكم اختَلَفُوا فهلَكُوا».
وكان أصحابُ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – على ما بينهم مِن المودَّةِ والرَّحمةِ والأُلفةِ قد يحصُلُ بينهم خِلافٌ، ولكن كانت نفوسُهم صافِيةً نقِيَّةً.
فهذا حسَّانُ بن ثابِتٍ – رضي الله عنه – قد خاضَ فيمَن خاضُوا في حادِثةِ الإفكِ، قال عُروةُ بن الزُّبَير: ذهَبتُ أسُبُّ حسَّانَ عند عائِشة، فقالت: “لا تسُبَّه؛ فإنه كان يُنافِحُ عن رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -“؛ رواه البخاري ومسلم.
وقد خالَفَ ابنُ عباسٍ زيدَ بنَ ثابِتٍ في بعضِ المسائِلِ، ورغمَ هذا الخِلافِ فقد كان ابنُ عباسٍ – رضي الله عنهما – يأخُذُ بخِطامِ ناقَةِ زَيدٍ ويقولُ: هكذا أُمِرنا أن نفعَلَ بعُلمائِنا وكُبَرائِنا، وكان زَيدٌ – رضي الله عنه – يُقبِّلُ يدَ ابنِ عباسٍ ويقولُ: هكذا أُمِرنا أن نفعَلَ بآلِ بيتِ نبيِّنا – صلى الله عليه وسلم -.
وعلى هذا النَّهجِ سارَ التابِعُون وتابِعُوهم عند اختِلافِهم؛ فحفِظُوا حُقوقَ الأخُوَّةِ الإيمانيَّة التي تجمَعُهم.
فالمسائِلُ التي خالَفَ فيها الشافعِيُّ أبا حنيفَةَ في الفِقهِ كثيرةٌ، ومع ذلك قال: “الناسُ في الفِقهِ عِيالٌ على أبي حنيفَةَ”.
ويقولُ الإمامُ أحمد: “لم يعبُرِ الجِسرَ إلى خُراسان مثلُ إسحاق، وإن كان يُخالِفُنا في أشياء؛ فإن الناسَ لم يزَلْ يُخالِفُ بعضُهم بعضًا”.
وقال يُونسُ الصَّدفِيُّ: “ما رأيتُ أعقلَ مِن الشافعِيِّ، ناظَرتُه يومًا في مسألةٍ ثم افتَرَقنا، ولقِيَني، فأخذَ بيَدِي ثم قال: يا أبا مُوسَى! ألا يستَقِيمُ أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفِق في مسألةٍ؟!”.
فهذه المواقِفُ النيِّرةُ – يا عباد الله – مِن تاريخِ سلَفِنا هي المُوافِقةُ للمقاصِدِ الشرعيَّة الآمِرةِ بالتآلُفِ والتراحُم الذي يجِبُ أن يسُودَ بين المُسلمين جميعًا، لا أن يكون الشِّقاقُ والنِّزاعُ هو الأصلُ في كل خِلافٍ، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: “وأما الاختِلافُ في الأحكام فأكثَرُ مِن أن ينضَبِطَ، ولو كان كلما اختلَفَ مُسلِمان في شيءٍ تهاجَرَا، لم يبقَ بين المُسلمين عِصمةٌ ولا أُخُوَّة، ولقد كان أبو بكرٍ وعُمرُ – رضي الله عنهما – سيِّدَا المُسلِمين يتنازَعَان في أشياء، لا يقصِدَان إلا الخير”. اهـ كلامُه – رحمه الله -.
ثم اعلَمُوا – معاشِرَ المُؤمنين – أن الله أمرَكم بأمرٍ كريمٍ، ابتَدَأَ فيه بنفسِه فقال – عزَّ مِن قائِلٍ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهم عن الخُلفاء الراشِدِين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائِرِ الصحابةِ والتابِعِين، ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك وجُودِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، واحمِ حَوزةَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا، وسائرَ بلادِ المُسلمين.
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ يا ذا الجلال والإكرام، اللهم فرِّج همَّهم، ونفِّس كربَهم، اللهم احقِن دماءَهم، واحفَظ أعراضَهم، واشفِ مرضَاهم، وتقبَّل شُهداءَهم، اللهم عليك بعدوِّك وعدوِّهم يا قويُّ يا عزيزُ، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا نسألُك بفضلِك ومنَّتِك، وجُودِك وكرمِك أن تحفَظَ بلادَ المُسلمين مِن كل سُوءٍ ومكرُوهٍ، اللهم احفَظ بلادَ الحرمَين، اللهم احفَظها بحفظِك، واكلأها برعايتِك وعنايتِك، اللهم أدِم أمنَها ورخاءَها واستِقرارَها برحمتِك يا أرحم الراحمين.
اللهم من أرادَنا وبلادَنا وبلادَ المُسلمين بسُوءٍ فاجعَل تدبيرَه تدميرًا عليه يا قويُّ يا عزيزُ، يا ذا الجلالِ والإكرام.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمَين لما تُحبُّ وترضَى، واجزِه عن الإسلام والمُسلمين خيرَ الجزاء، اللهم اجمَع به كلمةَ المُسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق جميعَ وُلاةِ أمور المسلمين لِما تُحبُّه وترضَاه.
اللهم انصُر جنودَنا المُرابِطين على حُدودِ بلادِنا، اللهم أيِّدهم بتأيِيدِك، واحفَظهم بحفظِك، اللهم سدِّد رَميَهم، وثبِّت أقدامَهم، اللهم كُن لهم مُعينًا ونصيرًا برحمتِك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفِر للمُسلمين والمُسلِمات، والمُؤمنين والمُؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتِك يا أرحم الراحمين.
سُبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
————————–
فضيلة الشيخ ماهر المعيقلي – حفظه الله –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*