الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » حرمة دم المسلم

حرمة دم المسلم

ملخص الخطبة

1-أصل سد الذرائع.
2-النهي عن الإشارة بالسلاح إلى المسلم.
3-الآداب التي ينبغي مراعاتها عند حمل السلاح.
4-الأماكن التي لا يحمل فيها السلاح.
5-ذم الغضب والخصومات.
6-النهي عن ترويع المسلم.
7-النهي عن الخذف.
8-الواجب الردع بالأهون فالأهون.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار » (1) .

أيها المسلمون، شريعة الإسلام جاءت لسدّ الذرائع، وإغلاق كل وسيلة تفضي إلى الشر، ولما كانت دماء المسلمين محترمة، وسفكها بغير حق من كبائر الذنوب توعَّد الله صاحبه بأعظم العقوبة:  (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)  [النساء:93]، هكذا حرمةُ دماء المسلمين، وهذه عقوبة من سفك دم مسلم بغير حق. إذاً فإغلاق كل السبل المفضية إلى هذه الجريمة وجعل الحواجز التي تمنع المسلم من الوقوع في هذه الجريمة النكراء أمرٌ مطلوب شرعاً، ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قال لنا: « لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح » ، نهى أن تشير عليه بالسلاح، كنت مازحاً أو كنت جاداً، لا تشر عليه بالسلاح وتشهره في وجهه، لترعبه وتخيفه، ولو كنت مازحاً. والسبب: لعل الشيطان أن ينزع في يديك، فيقع أمر محذور، فلعل هذا السلاح أن يصوَّب إلى أخيك فيقتله، فتقع في حفرة من حفر النار بقتلك ذلك المسلم بغير حق.

إذا كانت الإشارة بالسلاح منهياً عنها، فكيف بالقتل؟! كل هذا احتراماً لدماء المسلمين، ونبينا صلى الله عليه وسلم حذرنا إذا حملنا السلاح أن لا نحمله إلا بعد التأكد من سلامته وإغلاقه حتى لا يتسرع إنسان فيقع في المشكل، فإن عدو الله إبليس يفرح بالمسلم حال غضبه، وحال خصومته، فيغطِّي على قلبه، ويعمي بصيرته، حتى يقع في الأمر العظيم، ويندم ولا ينفعه الندم، ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من سفك دم مسلم بغير حق.

نبينا صلى الله عليه وسلم مرَّ بمجلس قوم، وهم يتعاطون السيف مُصلتًا بأيديهم، فقال لهم: « أما زجرت عن هذا؟! » أما زجرتكم عن هذا؟! ثم قال: « لا يعطين أحدكم أخاه السيف مُصْلتًا حتى يضعه في غمده » (2) فنهى عن تعاطي السيف إلا بعد وضعه في غمده، خوفاً من أن يقع ضرر على إنسان قصدت ذلك أو لم تقصده.

ونبينا صلى الله عليه وسلم يحذرنا أيضاً من الإشارة بالسلاح على أخينا فيقول: « من أشار على أخيه بالسلاح لعنته الملائكة حتى ينتهي، ولو كان أخاه من أبيه وأمه » (3) .

ورسولنا صلى الله عليه وسلم نهى المسلم أن يحمل السلاح في المسجد أو في مجامع الناس إلا أن يكون متأكِّداً منه، أنه لا ضرر في حمله ولا يهدد مسلماً بأي سبيل، فيقول صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً يحمل سهامه، وقد ظهرت نصالها فأمره بأن يمسك على نصالها، خوفاً من أن تخدش مسلماً، وقال: « من أتى سوقنا أو مسجدنا ومعه نبلٌ فليمسك على نصاله، وليقبض بيده، حتى لا يصيب أحداً من المسلمين بسوء » (4) ، ففي المساجد والطرق يكون السلاح معك محكماً إغلاقه، متأكداً منه، حتى لا تضر مسلماً.

إن البعض من الناس في خصامه ونزاعه لا يبالي بذلك، فيحاول الانتقام من خصمه بأيِّ سبيل ممكن، فلو كان معه سلاح لوجَّهه على أخيه من غير مبالاة، لأن الغضب الشديد يحمله على كل سوء، وعدو الله إبليس يتربص به الدوائر ويغتنم الفرصة التي يزجّه بها في الهلكة من حيث لا يعلم.

أيها المسلمون، كل هذا حماية لدماء المسلمين، حماية لدمائهم من أن تسفك بغير حق، وحماية للمسلم من أن يتحمل الآثام والأوزار.

إن نبينا صلى الله عليه وسلم نهانا أن نروِّع إخواننا المسلمين، فقال: « لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لا جاداً ولا هازلاً » (5) ، وفي بعض أسفاره صلى الله عليه وسلم : رجلٌ من الصحابة راكب فأصابه نعاس، فأخذ شخص سهامه من كنانته، فاستيقظ مُرتاعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يحل لرجل أن يروّع مسلماً » (6) .

أيها المسلم، إن الواجب عليك أن تتقي الله، وأن تحفظ كرامة المسلمين، وأن تبتعد عن كل وسيلة تؤدي إلى شر وضرر، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف بالحصى، وقال: « إنه لا يقتل صيداً، ولا ينكأ عدواً، وإنما يفقأ عيناً أو يكسر سناً » (7) .

أيها المسلمون، إن المزاح أحياناً قد يؤدي بالناس إلى الضرر، ففي مزاح المسلم يكون المسلم على بصيرة في مزاحه، فكم من مزاح سيئ أدى إلى الهلكة، كم فساد في مزاحٍ بأسلحة نارية أو بأمثالها، فيؤدي ذلك إلى أمر لا تحمد عقباه.

فالمسلم يحفظ لنفسه ولإخوانه كرامتهم، فلا يزجُّ بنفسه في أمور لا خير فيها، سواء كان من طريق المزاح، وسواء كان من طريق الجد. إن المسلم حينما يفكِّر في عواقب الأمور وما تنتهي إليه، عندها يفكر التفكير الجدي، يكون عنده توقٍ من الحرام، وحماية لنفسه من الوقوع في هذا الأمر السيئ.

أسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن الإنسان قد يكون عنده سلاح، ويصطحب السلاح في بيته وسيارته، وهذا أمر في حدّ ذاته لا مانع منه، لكن على المسلم أن يتعقل في ذلك، أن يتعقل في أمره، وأن لا يجعل السلاح وسيلة لكفاح كل شيء، وأن يردع الأمور بالأهون فالأهون ويتوقى الشر بالأسهل فالأسهل، وأما أن يجعل السلاح مفزعه في كل قليل وكثير، وفي أي نزاع، قلّ النزاع أو كثر، فلا شك أن هذا من نقص العقل، وقلة الإيمان، فكونك تجعل السلاح مفزعك، وتفزع إلى السلاح في أي نزاع قليل أو كثير، وفي أي اختلاف قليل أو كثير، هذا يدل على نقص العقل، وقلة التحمل، فليكن السلاح عند الضرورة التي تدعو إليه، عافى الله الجميع من كل سوء، وأمَّننا وإياكم من كل مكروه.

وأما أن يكون المسلم سريعاً في أموره كلها، في أي خصام لا يبالي، يضرب بما يليه، ويدافع بكل ممكن، ولو كان الأمر بإمكانه المدافعة والتخلص من هذا البلاء بالسبل والطرق المحمودة فذاك أفضل، فإن غضب الإنسان أحياناً قد يسيطر عليه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله رجل قال له: أوصني، قال: « لا تغضب » فردد مراراً، قال: « لا تغضب » (8) ، فإن الغضب أحياناً يوقع العبد فيما لا تحمد عقباه، يوقعه في أمر إذا أفاق من غضبه ندم على فعله، وتأسف على ما صدر منه.

إذاً، فيا أخي المسلم، إن علمت من نفسك سرعة الغضب وقلة التحمل فابتعد عن السلاح، ابتعد عنه في مخاصماتك ومنازعاتك، وتوقي الشر بكل ممكن، هذا هو الواجب عليك، ولا تلجأ إليه إلا في ضرورة قصوى، وأسأل الله لنا ولكم العفو والعافية، لكن المهم أن لا يكون السلاح بيد سفيه، وقليل العقل، والذي لا يبالي، ولا يقدِّر الأمور قدرها، فالسفيه الذي يحمل السلاح من غير مبالاة، هذا هو الذي لا يبالي بدماء الناس، ولا يهتم بشيء، وليس لنفسه ولا لنفوس الآخرين عنده قدر ولا قيمة، هذا هو الذي يجب أن يحال بينه وبين حمل السلاح، حتى لا يهدد به المسلمين، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: « من حمل علينا السلاح فليس منا » (9) ولهذا كان حمل السلاح أمراً محرَّماً، ونهي عن دخول السلاح في الحرم، لأن الحرم دار أمن، وقد جعله الله دار أمن، وألزم المسلمين باحترام أمره: ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) [آل عمران:97]، فنهى عن حمل السلاح في الحرم، وكانوا ينهون أيضاً عن حمل السلاح في مصليات العيد، وكل المجتمعات، حتى لا تكون سبباً لوقوع ما لا يُرضي.

نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد …

——————————————————————————–

(1) أخرجه البخاري في الديات (6874)، ومسلم في كتاب الإيمان (98) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) أخرجه أحمد (3/370) ، والبزار (3335- كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (2/30) من حديث جابر رضي الله عنهما ولفظ أحمد: أن رسول الله مرّ بقوم في مجلس يسلّون سيفاً ، يتعاطونه بينهم غير مغمود ، فقال: « ألم أزجركم عن هذا؟! فإذا سلّ أحدكم السيف ، فليغمده ثم ليعطه أخاه »، وصححه ابن حبان (5943) ، وقال الهيثمي في المجمع (7/291): “رواه أحمد والبزار ، ورجاله ثقات”. وله شاهد من حديث أبي بكرة عند أحمد (5/41)، وصححه الحاكم (4/323)، وجود إسناده الحافظ في الفتح (13/25).
(3) أخرجه مسلم في البر (2616) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري في الفتن (7075) ومسلم في البر (2615) من حديث أبي موسى رضي الله عنه بنحوه ، وليس فيه القصة.
(5) أخرجه أحمد (4/221) والبخاري في الأدب المفرد (241) ، وأبو داود في الأدب (5003) ، والترمذي في الفتن (2160) والحاكم (3/637) من حديث يزيد بن السائب رضي الله عنه ، وقال الترمذي : “حديث حسن غريب”. ونقل الحافظ في التلخيص (3/46) عن البيهقي أنه قال : “إسناده حسن”، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2808) ، وقال الترمذي : “وفي الباب عن ابن عمر وسليمان بن صرد وجعدة وأبي هريرة”.
(6) أخرجه الطبراني في الأوسط (2/188) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه ، وعزاه المنذري إلى الطبراني في الكبير وقال : “رواته ثقات” ، وكذا قال الهيثمي في المجمع (6/254)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2806).
(7) أخرجه البخاري في الأدب (6220) ، ومسلم في الصيد (1974) ، من حديث عبد الله بن مغفَّل المزني رضي الله عنه.
(8) أخرجه البخاري في الأدب (6116) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) أخرجه البخاري في الفتن (7072) ، ومسلم في البر (2617).

-- عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*