الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله

وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله

ملخص الخطبة

1-نعم الله كثيرة ومن بينها الأمن والأمان الذي نعيشه.
2-أدلة وجوب طاعة ولاة الأمر على المسلمين إذا أمروا بالطاعة.
3-تحريم الخروج على الأمراء وإن جاروا وظلموا.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فإن الناس في أي زمان ومكان لا تستقيم أمورهم وشؤونهم وهم فوضى لا سراة لهم، وجميع البشر على وجه الأرض جعلهم الله درجات، فمنهم الحاكم والمحكوم والأمير والمأمور والرئيس والمرءوس، وهذه سنة كونية من الله عز وجل في عباده.

والمسلمون إذا طبقوا إسلامهم كاملاً ورضوا به حكماً في جميع شؤونهم فسوف يعيشون في غاية العزة والسعادة والرفعة بإذن الله في الدنيا، ولهم في الآخرة من الله الأجر العظيم.

الإسلام خير كله على أهله العاملين به والمقصرين، وهو خير كله أيضاً على البشرية جميعها، لم يترك فيه شيء إلا طرق، ولا مسألة أو مشكلة إلا وجد فيه الحل الأمثل. وإن من أهم الأمور التي يشطح فيها أبناء الإسلام وتزل بهم الأقدام وتتباين بهم حولها الآراء والاتجاهات والاختلافات والأهواء خاصةً في هذا الزمان الذي تعددت فيه المشارب والثقافات واختلط فيه الغث بالسمين ودُسَّ السّم في العسل وكثرت فيه الشبهات والشهوات واختلفت النيات والمقاصد، واختلط على كثير من الناس فهم ومعرفة طرق أهل الباطل وأساليبهم في كثير من دروب الغواية والضلالة الواضحة الجلية لأهل العلم والبصيرة، فضلاً عن أن يعرفوا أساليب وطرق بني جلدتهم الذين يتكلمون بألسنتهم ولغتهم وإسلامهم أحياناً.

فمن تلك الأمور التي شطحوا فيها طاعة أولي الأمر من المسلمين وبيعتهم، ولو أنصفوا من أنفسهم واتبعوا كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قراءة وتدبراً واستنباطاً بعد الفهم الصحيح الذي لن يكون إلا على أيدي العلماء المخلصين الخائفين من الله عز وجل والذين لا تطيش بهم الأهواء والآراء والاعتبارات أياً كانت، لو فعلوا ذلك لما تفرقوا شيعاً وأحزاباً كل بما لديهم فرحون. قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) [الأنعام:159]. وقال تعالى: ( وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) [الروم:31-32].

وإننا في هذا البلد الطيب المبارك بإذن الله محسودون بين الأمم المعاصرة لنا، ويوشك أن تداعى علينا تلك الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، محسودون حسد غبطة بين المؤمنين في بقاع الأرض حيث يتمنون الحياة الكريمة الآمنة التي يحكّم فيها شرع الله بيننا، ويريدون أن يكون حالهم كحالنا أو أفضل مع تقصيرنا الذي يعلمه الله، ومحسودون أيضاً حسد تمني زوال هذه النعم المتعددة التي نعيشها، محسودون من قبل أعداء ديننا الإسلامي الحنيف ابتداء من بني جلدتنا أصحاب الشهوات والشبهات والمعاصي والمنكرات والمنافقين والرافضة واليهود والنصارى والشيوعيين وجميع ملل الكفر ونحله، ولن يرضوا عما نحن فيه وعليه، ولن يقر لهم قرار أو يهدأ لهم بال في ليل أو نهار حتى يسعوا لتقويض معالم دين الإسلام بأي طريقة كانت، سواء منهم وبأيديهم أو بأيدي بني جلدتنا، فهم السلاح الفتاك الذي عن طريقهم تدخل الشرور وترتكب المعاصي والآثام دون انتباه عامة الناس لخطط الأعداء الألداء للإسلام والمسلمين، وقد بلغوا كثيراً مما أرادوه وخططوا له على غفلة من أهل الإسلام الغيورين، وكان نَفَسُهُمْ طويلاً خلال عشرات السنين ولكنهم مهما مكروا وفكروا ودبروا وقدروا فالله لهم بالمرصاد فهو سبحانه حافظ دينه وناصر لأهل طاعته وهو يدافع عنهم وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة  (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)  [الأنفال:30].

والذي أريده بعد هذه التوطئة هي الذكرى التي ينتفع بها المؤمنون وشكر الله عز وجل على جميع النعم التي أنعم الله بها وأسبغها علينا نعماً ظاهرة وباطنة والاعتصام بحبل الله وعدم التفرق والاختلاف والتعاون على البر والتقوى، ونعم الله علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن تلك النعم المفقودة في العالم والتي نتفيؤ ظلالها ونعيش تحت مظلتها ونجني ثمارها ونعيش أمنها ورخاءها هي نعمة تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة حدودها والترابط والتآلف بين ولاة الأمر من الحكام والعلماء وبين المؤمنين الصادقين وعامة الناس، هذا الترابط والتلاحم والاعتزاز بالإسلام وأحكامه يزيدهم عزة ورفعة بين الأمم ويشيع الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع، يفرح بهذا المؤمنون وتنشرح صدورهم ويزداد المنافقون والفاسقون والكافرون غيظاً وحقداً وحسداً وكفراً ونفاقاً.

لقد جاءت الأدلة في القرآن الكريم والسنة النبوية تدل على وجوب طاعة ولاة الأمر من المسلمين ولزوم جماعة المسلمين والنهي عن الفرقة والاختلاف ومعصية ولاة الأمر. قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  [النساء:59]. وقال تعالى:  وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا كَذلِكَ يُبَيّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَـاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)  [آل عمران:103]. ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَـاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ ) [آل عمران:105-107].

فالآية الأولى نص صريح في وجوب طاعة أولي الأمر من الحكام والأمراء والعلماء من المسلمين، وجاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن هذه الطاعة لازمة وفريضة في المعروف، فيجب على المسلمين طاعة ولاة الأمر في المعروف وليس في المعاصي، فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون فيها، ولكن لا يجوز الخروج عليهم بأسباب تلك المعاصي أو الأمر بها، بل على المسلم السمع والطاعة في المعروف واعتزال المعصية وعدم الخروج على ولي الأمر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة، فإن من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية» .

وقال صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، في اليسر والعسر، في المنشط والمكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنه يكون أمراء تعرفون منهم وتنكرون» . قال بعض الصحابة رضي الله عنهم جميعاً فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم وأسالوا الله الذي لكم» .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فلا يجوز للمسلمين منازعة ولاة أمورهم المسلمين ولا الخروج عليهم إلا إذا رأوا كفراً بواحاً قائم البرهان، لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً يختل به الأمن وتضيع معه الحقوق ويصعب ردع الظالم ونصرة المظلوم، ويروع الآمن، وتنتهك الحرمات والأعراض وتختل السبل وتقطع الطرق ولا يأتيها الأمان.

وخير شاهد على هذا ما تعيشه دول العالم اليوم، ومنها الدول الإسلامية، وإن كانت الشواهد قائمة منذ الصدر الأول في الإسلام عندما سنّ الخوارج تلك المآسي في تاريخ الإسلام في عهد الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وما بعدهما إلى هذا الزمان. قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» [البخاري ومسلم].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» [البخاري]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» [رواه مسلم].

ومن مقتضى البيعة النصح لولي الأمر، ومن النصح الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل والبطانة، ومن أسباب صلاح الوالي ومن أسباب توفيق الله له أن يكون له وزير صدق يعينه على الخير ويذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه» [رواه أبو داود على شرط مسلم].

ومن مستلزمات الدين النصيحة والمناصحة والوفاء بالبيعة الواردة في عدة أحاديث، ومنها: عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة (ثلاثاً) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» . وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف» .

فعلينا أن نتقي الله تعالى ونشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومنها نعمة الأمن والاستقرار والطمأنينة ورغد العيش والاعتصام بالكتاب والسنة والبعد عن الشقاق والخلاف بين الراعي والرعية، ومن كان في شك في هذه النعم التي يعيشها ولا يعلم عنها فلينظر في دول العالم القريبة منه والبعيدة ويتأمل وينظر في واقعها وواقع شعوبها وحياتهم المليئة بالحروب الدامية التي أكلت الأخضر واليابس منذ عشرات السنين، وأمواج الفتن التي تعصف بهم والفقر والجوع والخوف وانتهاك الأعراض والحرمات وسفك الدماء ، ومن لم يكفه التدبر والتأمل وقصر نظره عن ذلك وعميت بصيرته قبل بصره وفكره فليذهب إلى بعض تلك الدول ليعيش الواقع ويرى فضل الله ونعمته عليه وعلى جميع من يعيش على هذه الأرض الطيبة، وعندها يعرف الفرق ويعيش الضد، لأن من لا يعي ويثمّن مقدار النعمة التي يعيشها ولم يعرف ضدّها لا يقدرها حق قدرها إلا إذا عاش ضدّها، وأمثلة الواقع كثيرة، قال تعالى:  (وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) [النحل:53]. ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)  [إبراهيم:34].

 (أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَـاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـاهِرَةً وَبَاطِنَةً)  [لقمان:20].

-- سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*