الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » عناية الإسلام بحفظ النفس

عناية الإسلام بحفظ النفس

ملخص الخطبة

1-إنعام الله تعالى على البشرية بدين الرحمة.
2-من مظاهر رحمة الإسلام حفظ النفس.
3-من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده لقوّاد الجيوش.
4-الإسلام دين العدالة والسلام.
5-المستقبل للإسلام.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله فتقوى الله خير ما تزوَّد به العبدُ في سيره إلى الله، وأفضل ما اعتدَّ به المرءُ في قطع أشواطِ الحياة بمنْأًى عن العِثار، ومنجاةٍ من الأوضار والأوزار.

أيها المسلمون، إنَّ مما أتمّ الله به النعمةَ وأعظم به المنةَ وأكمل به الفضلَ وأولى به الجميلَ ما قدَّره بحكمته وقضى به بواسع رحمته حين أرسلَ رسولَه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وجعل رسالتَه رحمةً للعالمين، كما قال سبحانه في سياق الإنعام وفي معرض الامتنان:  (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ ) [الأنبياء:107]، والعاَلمُون ـ يا عباد الله ـ هم كلُّ ما خلق الله، وفي الطليعةِ بنو آدم على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وتنوّع ألسنتهم وتباين صورهم.

وإنّ جوانبَ هذه الرحمة العامَّة الشاملة في رسالة هذا النبيّ الكريم صلوات الله وسلامه عليه لتجلّ عن الحصر وتربو على العدّ، غيرَ أنَّ من أظهرِ تلك الجوانبِ وأعظمِها دلالةً على هذا المعنى وتصديقاً له وبرهاناً عليه ما جاءت به هذه الرسالةُ من عنايةٍ ظاهرة لا نظيرَ لها، من عنايةٍ بحفظ الأرواحِ وصيانةِ الدماء وعصمةِ الأنفس، تلك العنايةُ التي لم تكن مقصورةً على أهلِ الإسلام فحسب، بل شملت أيضاً غيرَهم.

وإنَّ من أوضَح الدلائل على هذه العناية ذلك المنهاجُ النبويّ الفذّ المتفرّد الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وأمرها بالأخذ به، ونهاها عن المخالفة عنه وتعدي حدودِه في وقت السلم والحرب على حدٍّ سواء.

أمَّا في السلم فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام الترهيبُ الشديد والوعيد الصارخُ لمن قتَل المعاهدَ وهو الرجل من دار الحرب يدخل دارَ الإسلام بأمانٍ من المسلمين، وذلكَ فيما أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من قتل معاهداً لم يَرح رائحةَ الجنة، وإنَّ ريحَها يوجد من مسيرة أربعين عاماً » (1) .، وإنه لوعيدٌ ـ يا عباد الله ـ مُرعِب مُرْهب تقضّ له مضاجعُ أولي النهي وتفرقُ منه نفوسُ أولي الألباب.

وأمَّا في حال الحرب فإنَّ في وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لقادةِ جيوشِه وأوامرِه لهم عند عَقد الأولوية ما لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى برهان؛ إذ هو يقيم الشواهدَ على أن للدماء حرمتَها، وللأنفس والأرواح قيمتَها، فلا يصحّ أن تُترَك نهباً للاجتهادات المبتنات على الآراء والظنون والتأويلات التي لا يسندها علمٌ ولا هدًى ولا كتاب منير، من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده وأصحاب السنن عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اغزُوا في سبيل الله، وقاتِلوا من كفرَ بالله، اغزُوا ولا تغُلّوا ولا تغدِروا ولا تمثِّلوا ولا تقتُلوا وليداً » الحديث (2) . ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: وُجدَت امرأة مقتولةً في بعض مغازي النبي ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان (3) ، وفي رواية لأحمد في مسنده وأبي داود في سننه: لمَّا رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم امرأةً مقتولةً قال: « ما كانت هذه لتقاتِل » ، ثم قال لأحدهم: « الحَق خالداً فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً » (4) يعني أجيراً.

وقد استمسَك بهذا الهديِ النبويّ ومضى على هذا النهج المحمَّدي خلفاءُ النبي صلى الله عليه وسلم من بعده وأمراءُ المؤمنين على تعاقب العصور، يبدو ذلك بيِّناً جليًّا في وصاياهم لقوَّاد جيوشهم عند بعثِهم لمصَاولة الأعداء، فمن ذلك أنَّ الخليفة الراشدَ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى يزيد بن أبي سفيان أحدَ قوَّاده الذين بعثهم إلى الشام فقال له: (إنِّي موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطع شجراً مثمراً، ولا تخرّب عامراً، ولا تعقرنّ شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلة ـ أي: لطعام ـ، ولا تعقرنّ نخلاً ولا تحرقه، ولا تغلل) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (5) . ومن ذلك ما أوصى به أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوَّادَ جيوشه عند عقد الأولوية، إذ كان يقول لهم: (بسم الله، وعلى عون الله، سيروا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله ولزومِ الحق والصبر، فقاتِلوا في سبيلِ الله من كفَر بالله، ولا تعتَدوا إنَّ اللهَ لا يحبّ المعتدين، ولا تجبُنوا عند اللقاء، ولا تمثِّلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتُلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً، واجتنبوا قتلَهم إذا التقى الصفَّان وعند شنِّ الغارات) (6) .

وما من أمير من أمراءِ المؤمنين ـ يا عباد الله ـ إلا وقد نُقل عنه من الوصايا لقوَّادِه مثلُ هذه الوصايا الجليلة المضيئة المشرقة المسفرة عن وجه جمال هذا الدين وجلاله وعدالته ورحمته، والتي تعبِّر بحقٍّ وتصوِّر بصدق وتعكس التطبيقَ الحيَّ الفاعل لمدلول قوله سبحانه:  (وَقَـاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَـاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)  [البقرة:190]. إنه قتال لله وفي سبيل الله، لا لأجل الظفَر بمغنمٍ من مغانم الحياة الدنيا، وهو قتال عادلٌ لقضية عادلة، فلا مجال فيه للعدوان ولا للتخريب ولا للفساد في الأرض.

ودينٌ جاء كتابُه ونبيّه صلوات الله وسلامه عليه بمثل هذا الضياء الذي انجابت به ظلماتُ الأرض أفلا يكون جديراً بأن تُشرق شمسُه على الدنيا اليوم كما أشرقت بالأمس؟! ثم أليس هذا الدينُ الحق خليقاً بأن يوصَف بالعدالة والسلام والحرية الحقة، لا أن يوصَف بالإرهاب والقتل والتعطّش لسفك الدماء؟!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَـافِرُونَ)  [التوبة:32].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي كتبَ الظهورَ لدينه إلى يوم الدّين، أحمَده سبحانَه يُعزُّ المؤمنين ويتولَّى الصالحين، وأشهد أن لا إله إلاً الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه الأئمة الأخيار المتقين.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا اللهَ، واذكروا على الدوام أنَّه مهما اغبرَّ وجهُ الحق وغشِيته غواشي الباطل فإنَّ الظهورَ والغلبةَ والعزَّ والتمكينَ هو لدين الله في نهاية الأمر، فهو سبحانه كما أنزل الذكر وتكفل بحفظه وعدَ أيضاً بإظهارِ دينه ورفعِ لوائه، ووعدُه حقّ لا يتبدّل ولا يتخلَّف، فقال عز اسمه: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)  [الصف:9].

فعلى المؤمنِ إذاً أن يحسنَ ظنَّه بربّه، وأن يثقَ بوعدِه ويوقِن بموعوده، ويأخذَ نفسَه بالعمل للظفَر بهذا المَوعود، ويحذَر من اليَأس والقنوط أن يتسرَّبا إلى قلبه أو يخالطا نفسَه، فليسَ ذلك شأنَ المؤمنين ولا خلق المتقين.

ألا وصلوا وسلموا على خاتم النبيين ورحمة الله للعالمين، فقد أمرتم بذلك في الكتاب المبين، حيث قال الربّ الكريم قولاً كريماً:  (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً)  [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيّدنا ونبيّنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة…

——————————————————————————–

(1) انظر: المدونة (3/7).
(2) أخرجه مسلم في الجهاد (1731).
(3) أخرجه البخاري في الجزية (3166)
(4) أخرجه أحمد (3/488)، وأبو داود في الجهاد (2669)، والنسائي في الكبرى (8625، 8626)، وابن ماجه في الجهاد (2842) من حديث رباح ـ ويقال: رياح ـ بن ربيع رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (4789)، والحاكم (2565)، والألباني في صحيح أبي داود (2324).
(5) أخرجه مالك في كتاب الجهاد (982)، ومن طريقه البيهقي في السنن (9/89) عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر رضي الله عنه. وأخرجه أيضا عبد الرزاق (5/199)، وابن أبي شيبة (6/483).
(6) أخرجه البخاري في الجهاد (3015)، ومسلم في الجهاد (1744).

-- أسامة بن عبد الله خياط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*