السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » أحداث مكة الأسباب والعلاج

أحداث مكة الأسباب والعلاج

ملخص الخطبة

1-أهمية مطلب الأمن.
2-فوائد الأمن وثمراته.
3-مفاسد اختلال الأمن.
4-جريمة الإخلال بالأمن.
5-الموقف الصريح الصحيح من أحداث مكة.
6-ضلال الخوارج وجرائمهم.
7-أسباب انحراف هؤلاء المفسدين.
8-خطورة الغلوّ.
9-صفات الغلاة.طريق الإصلاح وسبيل العلاج.
10-التحذير من توسيع دائرة الاتّهام.
11-واجب وسائل الإعلام والخطباء وأئمة المساجد والمعلّمين والآباء والأمّهات.
12-ضرورة الاعتصام بحبل الله والحذر من التفرّق.
13ضرورة الإحساس بالمسؤولية والتحذير من التساهل والتهاون.
الخطبة الأولى

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عزّ وجل، فاتّقوا الله ـ رحمكم الله ـ ما استطعتم، فمن ابتغى غنًى مِن غير مال وغزًّا بغير جاه ومهابةً من غير سلطان فليتّقِ الله، فربُّكم سبحانه مغزُّ من أطاعه واتّقاه، ومذلُّ من خالف أمرَه وعصاه، سبحانه وبحمده، لا يذلُّ من والاه، ولا يعزُّ من عاداه، لا إلهَ غيره، ولا ربّ سواه.

أيّها المسلمون، الأمنُ مطلبٌ عزيزٌ وكنـزٌ ثمينٌ، هو قِوام الحياة الإنسانيّة كلّها، وأساس الحضارة المدنيّة أجمعها، تتطلّع إليه المجتمعات، وتتسابق لتحقيقِه السّلطات، وتتنافس في تأمينه الحكومات، تُسخَّر له الإمكانات الماديّة والوسائلُ العلميّة والدراسات الاجتماعيّة والنفسيّة، وتُحشَد له الأجهزة الأمنيّة والعسكرية، وتُستنفَر له الطاقات البشريّة.

مطلبُ الأمن يسبق طلبَ الغذاء، بغيرِ الأمن لا يُستساغ طعام، ولا يهنَأ عيش، ولا يلذُّ نوم، ولا يُنعَم براحة، قيل لحكيم: أينَ تجِد السّرور؟ قال: في الأمن، فإنّي وجدتُ الخائفَ لا عيشَ له.

في ظلِّ الأمن تحفَظ النفوس، وتُصان الأعراض والأموال، وتأمن السبل، وتُقام الحدود، ويسود العمران، وتنمو الثّروات، وتتوافر الخيرات، ويكثر الحرثُ والنّسل. في ظلّ الأمن تقوم الدعوة إلى الله، وتُعمَر المساجد، وتُقام الجُمَع والجماعات، ويسود الشّرع، ويفشو المعروف، ويقلُّ المنكَر، ويحصل الاستقرار النفسيّ والاطمئنان الاجتماعيّ.

وإذا اضطرب الأمن ـ عياذًا بالله ـ ظهرت الفتَن، وتزلزلت الأمّة، وتخلخَلت أركانُها، وكثُر الخبث، والتبَس الحقّ بالباطل، واستعصى الإصلاح على أهلِ الحقّ. إذا اختلَّ الأمن ـ عياذًا بالله ـ حكم اللّصوص وقطّاع الطريق، وسادت شريعةُ الغاب، وعمّت الفوضى، وهلك النّاس. وتأمّلوا بلدانًا من حولِكم اختلَّ فيها الأمن، فهلك فيها الحرث والنّسل، وسُلِبت الأموال، وانتُهكت الأعراض، وفسد المعاش، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.

ومِن أجل هذا فإنّ كلَّ عملٍ تخريبيّ يستهدف الآمنين ومعصومي الدّماء والنّفوس فهو عملٌ إجراميّ محرّم، مخالفٌ لأحكام شرع الله، فكيف إذا كان القتل والتخريبُ والإفساد والتدمير في بلدٍ مسلم، بلدٍ يُعلي كلمةَ الله، وترتفع فيه راية الدِّين والدعوة وعلمُ الشرع وحكمُ الشّرع؟! ثمّ كيف إذا كان ذلك في مهبط الوحي ومبعَث الرسالة المحمّدية، في الحرَم الحرام، في أقدس المقدّسات؟! ثمّ كيف إذا بلغ الضّلال بأصحابه، فجعلوا القرآنَ الكريم وسيلة للتّدمير ووضعوا بين دفّتيه أدوات التّفجير، كما جعلوا ماءَ زمزم الطاهر أداةً للتضليل والتّمويه؟! إنّ ذلك كلّه يزيد الحرمَة حرمةً والإلحاد إلحادًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فكم من نفس مسلمة بريئة أزهِقت، وكم من أموالٍ وممتلكات محتَرمة أتلِفت، وكم من نفوس آمنة رُوِّعت. مفاسدُ عظيمة، وشرور كثيرة، وإفساد في الأرض، وترويع للمؤمنين والآمنين، ونقضٌ للعهود، وتجاوزٌ على إمام المسلمين. جرائمُ نكراء، في طيّها منكرات. أين يذهَب هؤلاء من قول الله عزّ وجلّ: ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) [ النساء:93]؟! وأين يذهبون من قوله صلى الله عليه وسلم: « لزوال الدّنيا أهون عند الله من قتلِ رجل مسلم » أخرجه النسائي والترمذي (1) ، ومن قوله عليه الصلاة والسلام: « لا يزال المسلم في فسحةٍ من دينه ما لم يصِب دمًا حرامًا» ؟! (2)

أعمالٌ سيّئة شرّيرة، تثير الفتنَ، وتولِّد التحزّب الذي يدمّر الطاقات، ويشتِّت الجهود، ويهدر المكتسَبات، ويؤخِّر مسيرةَ الإصلاح، ويخذل الدعوةَ والدعاة، ويفتح أبوابَ الشرّ أمام ألوانٍ من الصّراعات، بل ربّما هيّأ فرَصًا للتّدخّلات الخارجيّة والمحاولات الأجنبيّة، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

إنّ الموقفَ الصّريح الذي لا لبسَ فيه، ولا يُختَلف عليه هو إنكارُ هذا العملِ واستنكاره ورفضُه وتجريمه وتحريمه، ولْيحذر مَن أراد الخيرَ لنفسه من عمَى البصيرة وتزيين الشيطان، فيرى الحقّ باطلاً، والباطل حقًّا عياذًا بالله.

إنّ من المعلوم أنَّ الخوارجَ كانوا أهلَ عبادة، وفيهم مظاهرُ الصّلاح وإظهارٌ لبعض الشعائِر كما جاء من أوصافِهم في الحديث: « تحقِرون صلاتكم عند صلاتهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوِز حناجرَهم » (3) . هؤلاء الخوارجُ ظهروا في خير القرون وأفضلها، في عهدِ صحابة نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم فوصل بهم الحال، إلى أن حاربوا الصّحابة والمسلمين، بل قتلوا الخليفتَين الرّاشدَين عثمان عليًّا رضي الله عنهما.

ألا يكفي زيفًا وضلالاً أن يُجهِّل الخوارج صحابةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفِّروهم ويحاربوهم؟! لقد كان عند الخوارج شيءٌ من حماس و نوع مِن إخلاص، ولكن لم يكن عندَهم عِلمٌ صحيح ولا فِقه عميق، حاربوا الصحابةَ، وقتلوا الخلفاء، زاعمين أنَّ هذا هو طريق الإصلاح. حارب الخوارج مِن أجل القضاء على حُكم بني أميّة زاعمين أنّ هذا هو الطريق إلى الخلافة الراشدة، والذي حصل أن جاء حُكم بني العباس على أنقاضِ بني أميّة وجُثَث الخوارج على حدٍّ سواء، ومَن تجاهل التاريخ تجاهله الواقع، فافقهوا سننَ الله، واستقيموا على الحقّ، وخُذوا بالعلم الصّحيح مِن أهله.

سبحانَ الله، إنّ إخلاصَ الأمِّ الجاهِلة لا يفيدها في تربية ابنها على نحو سليم، وإنّ لوعة الأب وخوفَه على ابنِه لا يغنيه عن علاج الطبيب، وبعضُ محبِّي الإسلام اليومَ لا ينقصهم إخلاصٌ ولا حماس، ولكن ينقصُهم العلم الصحيح والفقه الدقيقُ وحسنُ التديُّن، الإخلاص والحماسُ يولَد في زمنٍ قريب، أمّا العلم والفقه فيحتاج إلى وقتٍ طويل وتعليم وتدريب وسلامَةِ حواسّ وكفاءَة معلِّم.

أيّها المسلمون، إنّ من أعظم أسباب انحراف هؤلاء الجهلَ والعزلة عن المجتمع وعدمَ أخذِ العلم من أهله وغفلةَ الأسرة، وإنّ في بعضهم إعجابًا بالنّفس كبيرًا، وهذه كلّها من الصوارِف عن الحقّ والفقهِ وأخذ العلم من أهله وأبوابه.

معاشرَ المسلمين، وثمّةَ سببٌ في الانحراف كبير، ذالكم هو الوقوعُ في دائرة الغلو. إنّ الغلوّ في دين الله هو ـ والله ـ سببُ الهلاك، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: « إيّاكم والغلوّ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ » (4) .

الغلوّ مشاقّة حقيقيّة لهدي الإسلام، وإعراضٌ عن منهجه في الوسط والاعتدال والرحمَة واليسر والرِّفق. الغلوّ ظلمٌ للنّفس وظلمٌ للنّاس، بل فيه صدّ عن سبيل الله لِما يورثه من تشويه وفتنةٍ وتنفير. الغلاةُ يتعصّبون لجماعتِهم، ويجعلونَها مصدرَ الحقّ، ويغلُون في قادتِهم ورؤسائِهم، ويتبرّؤون مِن مجتمعات المسلمين، ويكفّرون بالمعاصي، ويكفّرون أهلَ الإسلام وحكّامَ المسلمين، ويقولون بالخروج على أئمّة المسلمين، ويعتزلون مجتمعاتِ المسلمين، ويتبرّؤون منهم، لا يصلّون خلفَ أئمّة المسلمين في مساجدِ المسلمين. لقد وصفهم نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم بوصفَين ظاهرين خطيرَين في قوله عليه الصلاة والسلام: « يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرَهم، يقتُلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان» أخرجه البخاري ومسلم (5) .

الوصف الأول: يقرؤون القرآن ولا يفقهونَه ولا يدركون مقاصدَه، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:( إنّهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) (6) .

الوصف الثاني: استحلالُ دماءِ المسلمين: « يقتلون أهلَ الإسلام، ويدَعون أهلَ الأوثان» ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إنّهم يكفّرون بالذّنب والسيّئات، ويترتّب على تكفيرهم بالذّنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالِهم، وأنّ دارَ الإسلام دارُ كفر، ودارهم دار الإسلام” (7) ، ولقد قال أبو قلابة:” ما ابتدَع رجلٌ بدعةً إلا استحلّ السيف” (8) ، فلا حول ولا قوة إلا بالله. يجمعون بين الجهل بدين الله وظلمِ عباد الله، وبِئس الطّامّتان الدّاهيتان. إنّ مصيرَ الغلاة هو الهلاك بنصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون» (9) .

أيّها المسلمون، ومِن أجل النّظر في طريق الإصلاح وسُبُل العِلاج فإنّ أوّل ما ينبغي النظر فيه فشوُّ الحوار النّـزيه المحتكِم إلى مسلّمات الشّريعة ومقرّراتها، وتهيئة الفرصة لكلّ راغبٍ أن يسهمَ ويشارك بقدر ما لديه، فالحقّ للجميع، والدّولة للجميع، والمصلحة للجميع، ولا يُستبعَد من ذلك أحدٌ ولو كان في فكرِه غلوّ أو جفاء، فالفكر يعالَج بصحيح الفِكر والحجّةِ والبرهان والجدال بالتي هي أحسن، فالأجواء المغلقة هي التي تولِّد الفكرَ المنحرِف بطرفَيه الغالي والجافي، بل لقد تحتكِم إلى القوّة والعُنف في حلّ إشكاليّاتها وفرض قناعتها.

وإنّ ممّا يشار إليه في هذا الصدَد ما أقيم من حوارٍ في الآونة الأخيرة بين فعاليّاتٍ وفئات متعدِّدة في هذه البلاد المباركة ذاتِ رؤًى واتِّجاهات كان لقاؤها طيِّبًا، واجتماعُها موفَّقا، وحوارها بنَّاءً، تجلّى فيه الانفتاح والاستيعاب وحسنُ الاستماع من الأطراف المتحاوِرة كافّة، وفّق الله الخُطى، وبارَك في الجهود، وهَدى للتي هي أقوم.

أيّها المسلمون، وإنّ ممَّا يجب التنبيهُ له والتّحذير منه خطورةَ ما تثيره بعضُ الكتابات والبرامج مِن توسيع دائرةِ الاتِّهام ومحاولة الزّجِّ بجهاتٍ وأطراف، وكأنّها تصفّي حسابات شخصيّة، أو مِن أجل اختلافاتٍ في الفكر والرّؤى.

إنّ من الحِكمة والإحساس بالمسؤوليّة حصرَ الحادث في أضيقِ نطاق، وعدمَ توسيع دائرة التّهمة؛ لأنّ هذا التّوسيع يولِّد تعاطفًا معهومع ممثِّليه.

وعلى وسائلِ الإعلام أن تعينَ أهلَ العلم وتشجِّع أصحابَ الرأي المعروفين بالمنهج الوسَط من أهلِ الثقة والرسوخ والاعتدال ليكشِفوا الغامضَ ويزلوا الشّبَه، وينبغي الابتعادُ عن الاستفزاز في الكتاباتِ والانحرافِ في التأويلات والتعسُّف في التّفسيرات والجُنوح في التّحليلات، ممّا يقود إلى النّيل من الدّعاة وأهل العلم والصّلاح والذين يأمرون بالقِسط من النّاس، فهذا استفزازٌ يؤدِّي إلى الاضطرابِ وتمزيقِ المجتمع وتفكيك العُرى.

وعلى الخطباءِ وأئمّة المساجد أن يجعَلوا منابرَهم منابرَ هداية ورُشد وتوجيهٍ لما يجمع الكلمَة ويوحِّد الصفَّ ممّا ينفَع الناس، ويقع في دائرة اهتمامِهم ولا يخرجوا إلى موضوعاتٍ لا تفقهُها العامّة أو لا تهتمّ بها.

وعلى المعلِّمين أن يقدِّموا مع العلم التربيةَ، فالتّربية من المقاصد الكبرى في منهج التعليم، ولا سيّما في مراحلِ الدراسة الأولى.

وعلى الآباءِ والأمّهات الاهتمامُ بأبنائهم فلا يتركونَهم لأصحاب الأفكار الهدّامة والمناهج المنحرفة، ولا يتركونهم للتّجمعات المشبوهة والرّحلات المجهولة، فكلّ ذلك مراتِع أصحاب التّضليل ومصائدُ الذّئاب المفترِسة.

وبعدُ: أيّها المسلمون، فالأمر لا تحصره كلماتٌ، والموضوع لا تحدّه صفَحات، ولكنّه يحتاج إلى وقفةٍ جادّة ووقفاتٍ وبرامجَ مدروسة تتجاوز حدودَ الأفعال، فمصلحةُ الدّين والأمّة والبلاد فوق مصلحةِ الأفراد والهيئات.

لا بدّ من الاعتصامِ بحبل الله والحذَر من التفرّق حتى يكونَ الحقّ هو البغية، والوسطيّة هي المسلك، والشورى هي الوسيلة، وتخليص الأمّة من عدوِّها هو الهدَف، والحفاظ على شرعِ الله هو الغاية. فخذوا الأمر ـ رحمكم الله ـ بجدّ، واستغفروا ربّكم وتوبوا الله، وتضرّعوا بين يديه، ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)  [ الأنفال:33]، ( لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  )[ النمل:46].

وإنّنا نحتمي بعزّ الله الذي لا يُضام، وبعينِه التي لا تنام، فهو نعمَ المولى ونعمَ النصير.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ( أَوَلَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْء رّزْقاً مّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) [ القصص:57].

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم وبهدي محمّد، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، أنقذنا بالوَحي من درَك الضلالة، أحمده سبحانه وأشكره، أكرَمنا بنورِ العِلم المبدِّد لظلماتِ الجهالة، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أكرمَه بالنبوة وشرّفه بالرسالة، صلى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد: فإنّ المسؤوليةَ ـ أيّها المسلمون ـ عظمى، والجميع في سفينةٍ واحدة، ومَن خرقها أغرقَ الجميع.

إنّ التهاونَ والتساهلَ يؤدِّي إلى انفلاتٍ وفوضى لا يمكِن ضبطها أو السيطرةُ عليها. إنّ هذا الإحساس الجادَّ بالمسؤوليّة وعِظم النتائج وخطورتِها هو الذي يحمِل كلَّ عاقل على رفضِ هذه الأعمال وعدم قبول أيّ مسوّغ لها ولزوم فضح آثارها ونتائجها. ولْيحذرِ المسلم أن يصدرَ منه شيءٌ يثير الفتنة، أو يسوِّغ لهؤلاء وأمثالِهم ضلالَهم وجَهلهم وإجرامَهم، عليه أن يكونَ صالحًا مُصلحًا، يجمع الشّمل ويوحِّد الكلمة، يقوم على الحقّ ويلتفّ حولَ ولاّة الأمر.

عليه الرّجوع إلى أهلِ العِلم العارفين وأهلِ الدّراية والحكمة في السؤال عمّا أشكَل وتوضيحِ ما التبس، وليحذَر أن يجتهد اجتهادًا فرديًا أو شخصيًا يؤدّي به وبمن حولَه إلى أمورٍ لا تُحمَد عقباها.

ومع يقين المؤمِن أنّ الله حافظٌ دينَه وبيته ومُعلٍ كلمتَه وجاعلٌ كيدَ الكائدين في تضليل إلاّ أنّ المسؤوليةَ عظيمة، فلا بدّ من الوقفةِ الصّادقة من أجلِ وضع الأشياء في مواضعها، والأسماء في مسمّياتها، فالإسلام إسلام، والإجرامُ إجرام، والإصلاح غيرُ الفساد، وإيذاء المؤمنين وانتهاك المقدّسات والحرمات غيرُ التّضحية والجهاد والفِداء.

ألا فاتّقوا الله رحمكم الله، واستشعِروا الخوفَ من الله، وحاسِبوا أنفسكم، فللذّنوب شؤمُها، وللمعاصي أثرُها، وأكثروا مِن الدّعاء والاستغفار والتضرّع.

ثم صلّوا وسلّموا على نبيّ الرحمة والهدى، فقد أمركم بذلك المولى جلّ وعلا فقال سبحانه قولاً كريمًا: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ) [ الأحزاب:56].

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك نبيّنا محمّد، وعلى آله وأزواجه وذريّته، وارض اللهمَّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين…

——————————————————————————–

(1) أخرجه مسلم في العلم (2670) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2) أخرجه النسائي في المحاربين (3922)، والترمذي في الديات (1315) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: “وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وبريدة”، وأشار إلى أن وقفه أصح من رفعه، وكذا رجح وقفه البيهقي في الكبرى (8/22)، ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه الألباني في غاية المرام (439).
(3) أخرجه البخاري في استتابة المرتدين (6931)، ومسلم في الزكاة (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4) أخرجه أحمد (1/215)، والنسائي في المناسك (3057)، وابن ماجه في المناسك (3029)، وابن الجارود (473)، والضياء في المختارة (10/30-31) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه ابن خزيمة (4/274)، وابن حبان (3871)، والحاكم (1/466)، ووافقه الذهبي، وقال ابن تيمية في الاقتضاء (ص106): “وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم”، وخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة (1283).
(5) أخرجه البخاري في التوحيد (7432)، ومسلم في الزكاة (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(6) علقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب استتابة المرتدين، باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، قال الحافظ في الفتح (12/286): “وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار… وسنده صحيح”.
(7) مجمع الفتاوى (19/73).
(8) رواه الدارمي في مقدمة سننه (99).
(9) أخرجه البخاري في الديات (6862) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

-- صالح بن عبد الله بن حميد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*