الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » حُسن الخلق

حُسن الخلق

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيرا .

أما بعد .. فاتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

أيها المسلمون .. شرع الله لعبادة أنواعًا من الطاعات والقربات ، وأمرنا وأمر الأمم قبلنا بعبادةٍ تقرب العبد من ربه وإلى خلقه بها يثقل الميزان يوم القيامة .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن ” رواه الترمذي ، وترفع في درجاته وتزيد في حسناته .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم ” رواه أبو داود ، وثوابه يتضاعف ولو كان بأمر يسير منها .. قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق ” رواه مسلم .. وخير الخلق من كان مؤمنًا واتصف بها .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” إن خياركم أحاسنكم أخلاقا ً” رواه البخاري ، وهي أكثر ما يدخل الناس الجنة .. سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال : ” تقوى الله وحسن الخلق ” رواه الترمذي ، بها يكمل إيمان العبد ، أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، وأعلى الدرجات في الآخرة لمن أداها .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ” رواه أبو داود .. قال ابن القيم – رحمه الله – : ( الدين الخلق .. فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ) ، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو ربه في صلاته أن ينالها فكان يقول : ” اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ” رواه مسلم .. قال ابن رجب – رحمه الله – : ( لا تتم التقوى إلا بحسن الخلق ) .

وأقرب الناس منزلةً إلى الرسل يوم القيامة أحسنهم خلقاً .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ” رواه الترمذي ، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يوصي صحابته بها فقال لمعاذ : ” اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن ” رواه الترمذي ، وهي منجية – برحمة الله – من النار .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” اتق الله ولو بشق تمرة .. فإن لم تجد فبكلمةٍ طيبة ” متفق عليه .

وبعث الله نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – للدعوة إلى الأخلاق الصالحة .. قال – عليه الصلاة والسلام – : ” إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ” رواه أحمد .

واتصف الرسل – عليهم السلام – بأعالي الأخلاق وجميلها ؛ فنوح – عليه السلام – دعا قومه تسعمائة وخمسين عاماً صابراً عليهم ، وإبراهيم – عليه السلام – كان كريماً .. نزل به ضيفان فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين حنيذ ، وإسماعيل – عليه السلام – كان صادق الوعد ، ويوسف – عليه السلام – قال لمن كان سببًا في غربته وسجنه : لا تثريب عليكم اليوم ، وموسى – عليه السلام – كان حييا لا يُرى شيءٌ من جلده .. ونبينا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – أكمل الناس أخلاقاً وصفه الله بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم – 4 ، نشأ وعاش متحليا بكل خلقٍ كريمٍ مبتعدٍ عن وصفٍ ذميم ، قال له رجل : ياخير البرية ، فقال متواضعاً : ” ذاك إبراهيم ” رواه مسلم، وكان أكرم الخلق نفساً فما رد سائلًا ، وأطلقهم وجهاً .. قال جرير – رضي الله عنه – : ” ما رآني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا تبسم ” ، وأشدهم وفاءً .. إن مرض أحدٌ من صحابته عاده ، وإن افتقده سأل عنه .. وكان أرحمهم قلباً .. يتجوز في صلاته إذا سمع بكاء الصبي كراهة أن يشق على أمه ، وألينهم طبعاً .. إذا دخل إلى بيته اشتغل في مهنة أهل بيته ، وكان أعظمهم صبراً .. خرج من بيته والحجر على بطنه من الجوع فما اشتكى ، وأوسعهم عفواً .. قاتله أعدائه وأدموه ولما فتح مكة قال لهم : ” اذهبوا فأنتم الطلقاء ” ، وأوفرهم حلماً .. آذاه قومه فسأله ملك الجبال أن يطبق عليهم جبلين فأبى ، وقال لعائشة رضي الله عنها : ” عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش ” متفق عليه ، ولم يضرب شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً .. وعلى هذا النهج القوي من الإيمان بالله وعلو الخلق سار الصحابة – رضي الله عنهم – فكانوا ذا خلق جم مع النبي – صلى الله عليه وسلم – قال عروة – رضي الله عنه – : ” إذا أمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ابتدروا أمره ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له ” رواه البخاري ..

وقال عمرو بن العاص – رضي الله عنه – : ” ما كان أحدٌ أحبّ إلي من رسول الله ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه “رواه البخاري .

وكان الصحابة – رضي الله عنهم – مثالاً في تبجيل بعضهم بعضا .. قال عمر – رضي الله عنه – : ” أبو بكر أحلم مني وأوقر ، وعثمان – رضي الله عنه – تستحي منه الملائكة لحيائه ” .

وبعد أيها المسلمون ، فما أكرم العبد نفسه بمثل الإيمان بالله ودماثة الخلق ، وأصل الأخلاق التوحيد .. فمن فقده لم ينتفع بغيره ، قالت عائشة – رضي الله عنها – للنبي – صلى الله عليه وسلم – : ” إن ابن جدعان (وكان من رؤساء قريش في الجاهلية) يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ينفعه ؟ فقال : إن ذلك لن ينفعه .. إنه لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ” رواه مسلم .. وإذا تحلى المسلمون بأخلاق القرآن صلح المجتمع وكانوا دعاة خيرٍ إلى الدين بالقدوة والأفعال الحميدة .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ الأعراف – 199.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم .
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب ؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً .

أيها المسلمون .. أخلاق المؤمن استقامة في دين ، وبشاشة في لين ، وعفو مع إحسان ، وكرم في العطاء ، وعطاء في الفاقة ، وتفريج كربة ، وكلمة طيبة ، وإفشاء سلام ، وبر بالوالدين ، وإحسان للجار .. قال ابن المبارك – رحمه الله – : ” الأخلاق بسط الوجه ، وبذل المعروف ، وكف الأذى ” .. والله – عز وجل – قسَّم الأخلاق كما قسم الأرزاق ، والقرآن جامع لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال .. سُئِلت عائشة – رضي الله عنها – عن خلق النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت : ” كان خلقه القرآن ” .

فاقتدوا بنبيكم بالتخلق بأخلاق القرآن ، وسيروا على نهج صحابته الكرام ، وكونوا بأخلاقهم أسوة لغيركم .. تنالوا السعادة في الدارين ، ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً الأحزاب 56 ..

اللهم صل وسلم على نبينا محمد ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون – أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – وعن سائر الصحابة أجمعين ، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً ، وسائر بلاد المسلمين .

اللهم وفق إمامنا لهداك ، واجعل عمله في رضاك ، ووفِّق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام ..رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ البقرة 201 .

اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ، اللهم إنا نسألك التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة ، اللهم ألهمنا الصواب ، ووفقنا للحق وجنِّبنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين .

عباد الله ..إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل 90 ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم ، ( ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).

-- عبد المحسن القاسم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*