جديد الموقع
الرئيسية » الخطب » حرية التعبير

حرية التعبير

ملخص الخطبة

1- الإصلاح وعلاقته بحرية الكلمة. 2- خاصية النطق في الإنسان. 3- خطورة الكلمة وأهميتها. 4- فضل كلمة الحق. 5- المفهوم الصحيح لحرية الكلمة. 6- ضوابط الكلمة الحرة. 7- أهمية النظر في الآثار والمآلات.

الخطبة الأولى

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، واسلكوا طريق العارفين، وامتطوا مراكب المتّقين، كونوا على وجل من هجوم الأجل، ولا تُطغِكم الدنيا، ولا يلكم الأمل. استعدّوا ـ وفقكم الله ـ بتقوى الله وصالح العمل، ما أثقلَ رقادَ الغافلين، وما أغلظ قلوبَ المستكبرين، الأيام تمرّ مرّ السحاب، والأعمار آخذة في الذهاب، والأعمال محفوظة في كتاب، والموعد يوم الحساب، فاحذروا ـ رحمني الله وإياكم ـ حسرة النادمين وصفقةَ الخاسرين، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ [الزمر:56].

أيّها المسلمون، الحديثُ عن الإصلاح حديثٌ ذو شُجون، وميادينُ الإصلاح كثيرةٌ؛ في إصلاحِ الفرد وإصلاح المجتمَع وإصلاح الدين وإصلاحِ الدنيا، في شؤونِ الاقتصاد والاجتماعِ والسياسةِ والتعليم والعِلم والعمل والرِّجال والنساء والأُسَر والبيوت. وإنَّ من أهمّ بوَّابات الإصلاح وأوسعِها وأعظمها أثرًا بوّابة الحوار والنقاشِ وما يتداوله الناس مما أطلقوا عليه: “حريّة الكلمة” و”حرية التعبير” و”الانفتاح”، وما تولّد عن ذلك مِن حديثٍ عن الإقصاءِ والتهميش والمصادَرَة والتصنيف وغيرها من الكلمات والمصطلَحات والتعبيرات، ممّا يتداوله الكاتِبون ويوظِّفه الموظِّفون، بحقٍّ وبغير حقّ، وبحُسن قصد وسوءِ قصد، وبفهمٍ وبغير فهم.

الموضوع كبيرٌ وخطير، تدور عليه مصائِرُ أفراد وأمَمٍ وبناء بيوتٍ ودول.

معاشرَ الإخوة والأحبّة، أخصّ خصائصِ الإنسان أنّه وحدَه المخلوق الناطق، الإنسان ينفرِد بالنطق، ويتميّز بصوتِ الكلمة، والكلمة هي لَبوس المعنى وقالَبُه، والإنسان هو المخلوق الفريد القادِر على التعبير عمّا بداخله من عواطفَ وانفعالاتٍ وأشجان ومقاصدَ ورغبات وإرادات، يعبِّر عنها بالقولِ وبالكتابة، باللّسان وبالقلم وبالمشاعر، أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10]، بل الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يطلِق الحرّيّاتِ ويكبِتها بعدلٍ وبظلم، (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!). والرابط بين الإنسان والإنسانِ هو الحوار وتبادلُ الكلام، ومن تكلَّم وحدَه أو خاطب نفسَه عُدّ من الحمقى وناقصِي العقول، إن لم يكن من المجانين وفاقدِي الأهليّة. والمرء حين يتكلَّم لا يكلِّم نفسه، ولا يتكلَّم من أجلِ نفسه، ولكنه يتكلَّم ليسمِعَ الآخرين ويسمَع منه الآخرون، يتكلّم ثم ينصِت، أو يتكلّم بعد أن ينصت. إنَّ الناس تتبادَل الكلام فيما بينها للبناءِ والتفاهم، وليس للمواجهة والتصادُم.

من أجلِ هذا كلِّه ـ أيها المسلمون ـ فإنَّ الكلمة هي عنوان العقلِ وترجمَان النفس وبرهان الفؤادِ، فالكلمةُ لها مكانتُها، بل لها أثرُها وخطرُها. ومن أجلِ هذا فيجب أن تكونَ لها حرّيّتُها، كما يجِب أن تضبط حرّيّتها؛ فالحرية مسؤوليةٌ.

عبادَ الله، ليس من المبالغة إذا قيل: إنَّ الحياة البشرية بناؤها على الكلمةِ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]، بسم الله الرحمن الرحيم، الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1-4]، وآدمُ تلقى من ربِّه كلمات فتاب عليه، وابتَلى إبراهيمَ ربّه بكلمات فأتمهنّ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وعيسى عليه السلام رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، ومحمّد أوتي جوامعَ الكَلِم واختُصِر له الكلام اختصارًا، وما نطَق عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4].

بل إنَّ دين الإسلام الذي جاء به محمّدٌ قام على الكلمةِ وأسِّس عليها، بسم الله الرحمن الرحيم، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، بسم الله الرحمن الرحيم، ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]. الإسلام استَقبَلَ الكلِمةَ من السماء بأمانة، وأرسَلها إلى الناس بالحقّ. الرسالة والدعوةُ والتبليغ كلُّ ذلك بالكلِمة، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:2-4]. والسِّفر العظيم الذي تنزَّل على قلبِ محمد هو كلام الله عز وجل وكتابُه، وهو القرآن الكريم، كتابٌ عزيز، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

أيّها المسلمون، بكلمةِ الحقّ الصادقة النزيهة تُبنى العقول وتُشاد الأوطان، وهي عِماد التربية، إن صلَحت الكلمة صلَح المجتمع كلُّه، والصدقُ يهدي إلى البرّ، وللكلمةِ قوّةُ السيف في البناء والتغييرِ والإصلاح، والعاقل من الناس لا يتكلّم إلا لحقٍّ يبيِّنه أو باطلٍ يَدحَضه أو علمٍ ينشره أو خيرٍ يذكره أو فضلٍ يشكره، وتركُ الفضول من كمالِ العقول. بكلمة الحقِّ يظهر البيانُ وتوصَف الأشياء، والكلمةُ تنبِئ عن الضمير وتفصِل في القضاء وتشفَع في الحوائج وتعِظ عندَ القبيح. الكلمةُ تفرِح وتحزِن، وتجمَع وتفرِّق، وتبني وتهدِم، وتُضحك وتُبكي. كلمةٌ تنشرح بها الصدور، وأخرى تنقبِض لها النفوس. بالكلمةُ تكون التربية والتعليم، وتنتشِر الدعوة والفضيلة، ولقد كان من دعاء موسى الكليم عليه السلام: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27، 28]. ومن اتَّقى الله ولزم القولَ السديد أصلح الله عملَه وغفر ذنبَه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:70، 71]، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتَّفق عليه عن نبيِّكم محمّد أنه قال: ((إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجاته، وإنّ العبد ليتكلَّم بالكلمة من سخَط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنّم)) نسأل الله السلامة، ((والمسلِم من سلِم المسلمون من لسانه ويدِه))، ومن يضمَن ما بين لحيَيه وما بين رِجلَيه تُضمَن له الجنة.

أيّها المسلمون، هذا هو الإنسان، وهذه هي الكلمةُ في حقيقتِها وطبيعتها وأثرِها، فكيف تكون حرّيّة الكلمة؟ وكيف تُفهَم حرية التعبير؟ الحرية مسؤوليةٌ، والغاية هي الإصلاحُ والبناء وليس الهدم والإفساد، والتعاونُ والتفاهم وليس الشّقَاق والتّصادم. حرّيةُ التعبير وحرّيَّة الكلمة والكَلمةُ الحرّة قِيَمٌ حضاريّة عالية، بل إنها منجَز من منجزات البشرية الخلاّقة، لها المكان الأرفَع والاحتفاء الأَسمى. ومنَ المعلوم لدى العقلاء أن الإنسان يوزَن بكلامه، ويحكَم عليه من لسانه، فالساكتُ مَوضِعَ الكلام محاسَب، والمتكلِّمُ في موضعِ السكوتِ محاسَب، والساكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرَس، وكلامُ الزور إثمٌ وفجور، والكذِب يهدي إلى الفجور، وكفَى بالمرء إثما أن يحدِّث بكلّ ما سمِع، وكَم كلمةٍ قالت لصاحبها: دَعني.

عبادَ الله، إذا كان ذلك كذلك فلا بدَّ لهذه الحرّيّة من ضوابط، ولا بدَّ لهذه المسؤوليّة من معايير، وبغيرِ الضوابطِ والمعايير تنبُت الفوضى العَمياء التي تُعلِي شأن الظلم والظالمين، وتزيِّف الحقائق، وتقود إلى النتائجِ العكسيّة، فيخنَق الضمير وتموت الحرية.

إنَّ مما ينبغي أن يُراعى في ضوابط حريّة التعبير وحرية الكلمة والكلمةِ الحرّة الإخلاصَ وقصدَ الحق والتجرّد من نوازِع الهوى وحظوظ النفس والحذَر من توظيف الكلمة للانتصارِ للنفس والعصبيّة لفئةٍ أو مذهب أو فكرة، فهذا بغيٌ وظلم. يجِب مراعاةُ ظروفِ الزمان والمكان والأحوال في الحوارات والمناقشات والردود وخطاب الناس، تتأكَّد أهمية الكلمة ودقّةُ اختيارها في الحوادث والمناقشات والردود وخطابِ الناس، تتأكّد أهمية الكلمة ودقَّة اختيارها ورعايةُ أدب الخلاف وأصول الحوار، فلا يتكلَّم متكلّم إلا بدينٍ وإخلاص وعِلم. يراعَى أحوالُ المخاطبين علمًا وثقافة وخَوفًا وأمنا، تُراعى أجواءُ الفِتن وأحوالُ الاضطراب والحِفاظ على الأمة في اجتماعِ كلمتها وهدوئِها والحِفاظ على الجمَاعة والوحدة. يجب تخفيف أجواء التوتُّر وبسطُ ثقافة التعاوُن والمحبَّة وحُسن الظنّ وابتغاء الحقّ والتجرّد له وقَبوله ممن جاءَ به وحقّ الاختلاف، مع التأكيد واليقين أن هذا لا يتعارض مع حقِّ الدفاع عن القناعاتِ والردّ على المخالف بأدبٍ وسلامة قصدٍ وصدر وتلمُّسٍ للحق في علمٍ وبصيرة وهُدى.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:24-27].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، تجلّى بدلائل قدرته وإتقان صنعته، واستتر عن الأبصار بجلال عظمته، أحمده سبحانه وأشكره، آلاؤه ظاهرة، ونعمُه متكاثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، المرسَل بالدين القيّم فلا عوج، والمبعوثُ بالحنيفية السمحة فلا حرج، صلى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، أهل التقى ومصابيح الدجى ومعالم الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم فاهتدى.

أما بعد: أيها المسلمون، في حرّيّة الكلمة وحريّة التعبير تقدَّر الكلمة بآثارِها وما يترتَّب عليها من مصالح ومفاسِد، فكلمة الصّدق والحقِّ مطلوبةٌ ممدوحة، وكلمة الباطل منهيٌّ عنها ومذمومة، و((من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)).

المرءُ يدخل في الإسلام بالكلِمة، ويخرج من الملَّة بكلمةٍ، وضبطُ الكلام ووَزن الحديث من سمات أهل العَقل والعِلم والإيمان، وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3]، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55].

وبالنظرِ إلى الأثر والمآلات فقد تجوز الكلمةُ الباطلة تحقيقًا لمصلحة راجِحة أو درءًا لمفسدةٍ متحقِّقة أو حِفظا للنفس أو صيانةً للعرض أو جمعًا للكلمة، فيجوز النطقُ بكلمة الكفر في حال الإكراهِ مع اطمئنان القلب بالإيمان، ولا مانعَ من الغِيبة لغرضٍ صحيح، وفي جميع الأحوال لا تجوز السخريةُ بالناس ولا الاستهزاءُ بهم ولا التطاولُ على الحقّ، فهذه ليست حرية تعبيرٍ ولا حريةَ رأي، ولكنها فوضَى وهمجيّة، بل سلوك لا يلِجُه مَن يحترم نفسَه ويحترم الآخرين.

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:83].

هذا، وصلّوا وسلّموا على نبيِّكم محمّد المصطفى ورسولكم الخليل المجتبى…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى