الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » سلامة الصدور

سلامة الصدور

ملخص الخطبة :

1- أهمية القلب. 2- فضل تزكية النفس. 3- القلب السليم. 4- فضل سلامة الصدور. 5- صفات القاسية قلوبهم. 6- فضل مكارم الأخلاق. 7- الطريق لسلامة القلب. 8- وقفة مع ما يجري من الفتن بين مسلمي العراق.

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا غضب الجبار، فإنَّ أجسادكم على حرّ النار لا تقوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

عِبادَ الله، القلوب منبَعُ المشاعر ومَصدر العواطِف ومحرِّك الأَخلاق ومُوجِّه التصرُّفات، وإذا صلَحَت صلحت كلّ الأعمالِ والأخلاق، كما في الصحيحَين أنَّ النبيَّ قال: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذ فسدَت فسَد الجسد كلّه، ألا وهي القلب))، وفي مسند الإمامِ أحمد أن النبيَّ قال: ((لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)).

إنَّ تزكيةَ النفوس هي إِحدى الغايات التي بُعِث لأجلها الرسل، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة:2]. وكَثيرًا مَا تجِد الآيات تصُبّ معانيها على القلبِ؛ ذلك ـ أيّها الإخوة ـ أنّ الشجاعةَ والكرَم والحبَّ والعطف والشفقَة والإحسان والبرَّ والتقوى والإيثارَ والأنس بالله واللّذة بمناجاته والإيمانَ واليقين وكلَّ أنواعِ الخير لا يمكن أن توجَدَ إلا في القلوب الطاهرةِ الزكيّة، ولا يمكن أن تسكُنَ قلبًا ملوّثًا بالغلّ والحسدِ والأنانية والأثرة وسوءِ الظن بالآخرين؛ لذا كان من دعاءِ إبراهيم الخليل عليه السلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89]، وكانَ مِن دعاءِ نبيِّنا محمّدٍ : ((وأسألُك قلبًا سلِيما))؛ ولذا كان الصالحون والأخيارُ أحرَصَ ما يكونون على تفقّد قلوبهم وإِصلاحها وتصفِيَتها، ولقد علّق الله تعالى فلاحَ العبد على زكاءِ نفسه فقال سبحانه بعد أن أقسم أحَد عشرَ قسمًا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9، 10].

أيّها المسلِمون، إنَّ القلوبَ السليمةَ والنفوسَ الزكيّة هي التي امتلأت بالتقوَى والإيمان، ففاضَت بالخير والإحسَان، وانطبع صاحِبها بكلِّ خلُق جميلٍ، وانطوَت سريرته على الصفاء والنقاءِ وحبِّ الخيرِ للآخرين، فهو من نفسِه في راحةٍ، والناس منه في سَلامة. أمّا صاحب القلبِ الخبيث والخلُق الذميم فالنّاس منه في بلاء، وهو من نفسه في عَناء. وإنَّ المسلم لا يحمل في قلبِه على إخوانه سوءًا ولا ضغينة، ولا تطيبُ السيرةُ إلا بصفاءِ السريرةِ، وأصحابُ الأخلاق الحميدةِ هم أقرب الناس مجلسًا من رسول الله ، وأخلاقهم الصادقة وصفاءُ قلوبهم توصِلهم إلى مراتب عليا من الجنّة، لم يكونوا ليبلغوها بِنَوافل العباداتِ الأخرى.

سلامةُ الصدور مِن كمال الإيمانِ وحسنِ الإسلام، يحبّه الله ويَرضاه، يألَف ويُؤلف، يحِبّ ويحَبّ، مع السعادةِ والانشراح الذي يجده في قلبه، ولا يصلح لسُكنى الجنة من تلوّث قلبُه بالأدران حتى يصفَى القلب؛ لذا قال الله عزّ وجلّ في أهل الجنة: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]، وفي صحيح مسلم أن النبي قال: ((يدخُلُ الجنةَ أقوام أفئِدتُهم مثلُ أفئدةِ الطير))، وقد امتدَحَ الله تعالى الأنصارَ بأنهم لا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتي غيرهم، لا حسَدًا ولا غيرة ولا غلاًّ.

إنَّ العناية بسلام الصدور وصفاءِ القلوب من أهمّ المهمّات، فكيف ينجَح الداعي إلى الله إن لم يحمِل صفاءَ القلب ونقاءَ المشاعر؟! وكيف يلتَذّ بمناجاةِ الله من لم يَصفُ قلبه تجاهَ إخوانه المسلمين؟! كيف يرجو التوفيقَ من امتلأ قلبه ضغينةً على إخوانه المسلمين؟! إنّ الأخلاق الزكيةَ ضرورةٌ لصلاح الدنيا والفوزِ في الآخرة، والحقُّ أنه يستحيل قيامِ حضارة سليمة على قلوبٍ عليلة، وأنّه ما لم تستَقِم الضمائر وتَصفُ النيات فلن يكبحَ جماحَ البشر شيء، ولن تصلُح الأحوالُ ولن تنجَحَ الحضارات ولا الدعواتُ، ولن يمكِنَ بناء إنسان كبير دونَ أخلاقٍ متينة وجملة من الخلال تورِث الثقةَ وتبني الفرد الصالح.

أمّا القاسيةُ قلوبهم فتجد القسوةَ في سلوكهم والجفاء في أخلاقهم، مَيلٌ إلى اتِّهام الآخرين فلا يقبَلُ العذر، وفَرَح بافتضاحِ المخطئين مليءٌ بالشماتة، سوءُ ظنّ، بغيٌ وحسَد، أين هم من قول الله عز وجل: خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]؟! والعفوُ هو اليسير، أي: اقبَل اليسيرَ الممكن مِن أخلاقِ الناس وأعمالهم كما قال مجاهد رحمه الله، اقبَل الأعذارَ، واسلك العفوَ والمساهلة، واترُكِ الاستقصاءَ في البحثِ والتفتيشِ عن حقائق بواطِنِهم، اصبِر على ذلك، واعفُ عن نقائصِهم وأخطائهم في الصحبةِ والجوار والأخذِ والعطاء لتمضي الحياةُ سهلةً ليّنة؛ لأنَّ الإغضاءَ عن الضعفِ البشري والسماحَة في تعاملات الدنيا من أخلاقِ الكِبار تجاهَ الصغار والأقوياء تجاهَ الضعفاء، وهكذا كانَ النبيّ ، لم يغضَب لنفسِه قطّ، فإذا كان في دينِ الله لم يقُم لغضَبِه شيء، كما أنَّ المسلم مأمورٌ بالإعراض عن الجاهلين وعدَمِ مجاراتهم في الخصامِ واللجاج؛ لأن ذلك يورِث الضغائن وينمّي الأحقادَ ويفسد القلوب، فإذا أطاشَ السفيه عقلَ الحليم فليستَعِذ بالله من الشيطان الرجيم.

أيّها المسلمون، أصحاب القلوبِ النقيّة والصدور السليمة لا يبحَثون عمّا تكنّه صدورُ الناس وتنطوي عليه سرائرهم، حبٌّ للخَير وسترٌ على المخطئ وسَعيٌ لإقالة العَثرة وسرورٌ بتوبةِ العاصي، قال الفضيل بن عِياض رحمه الله: “ما أدرك عندنا من أدرَك بكثرةِ نوافل الصلاة والصيام، وإنما أدرَك عندنا بسخاءِ الأنفس وسلامة الصدور والنصحِ للأمة”، وفي الصحيحَين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عن قال: بايعتُ رسولَ الله على إقامِ الصلاة وإيتاء الزكاةِ والنصح لكلّ مسلِم، وقيل للنبي : أيُّ الناسِ أفضَل؟ قال: ((كلّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان))، قالوا: صدوقُ اللسان نَعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقيّ النقي، لا إثمَ فيه ولا بغيَ، ولا غلّ ولا حسد)) رواه ابن ماجه والبيهقيّ بسند صحيح، وقد أخرج الإمام أحمدُ وغيره أنّ النبيَّ قال عن رجل من الأنصار: ((يطلع عليكم الآنَ رجلٌ من أهل الجنة))، وتكرَّر ذلك في ثلاثةِ مجالس، فلمّا تبِعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولم يرَ مزيدَ عملٍ من النوافل سأله فقال: ما هو إلا ما رَأيت، غيرَ أني لا أجِد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.

عبادَ الله، إن المتطلِّب بصدقٍ صلاح قلبه وسلامةَ صدره ليسلك لتحصيلِ ذلك مسالِكَه، ويستصلح قلبَه بما يطهّره، ويجنِّبه ما يكدّره، وأعلى المراتبِ لذلك مراقبةُ الله تعالى وتقواه وامتلاءُ القلب بمحبّة الله، وقد أوصى كلّ الأنبياء قومَهم بما وصّاهم الله به من التقوى لأنها نبعٌ يمدّ النفوس بمادّةِ تطهيرها، وقد قال سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10]، وفي صحيح مسلِم أنَّ النبيَّ كان يقول: ((اللّهمّ آت نفسي تقواهَا، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها))، كما ينبغي أن يروِّضَ المسلم نفسَه على الرّضا بما قسَم الله وما رزق وقضَى وقدر، وإذا تذكّر المسلم ثوابَ الله ورِفعة الدرجات لمن طهر قلبه وأدرَك ما يعود عليه من الخيرِ في العاجل والآجل هان عليه ما يلقَاه وتحمَّل وصبر، ولا شكَّ أن هذا يحتاج إلى ترويضِ نفسٍ ومجاهدة، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، ومَن رضِيَ بقضاء الله لم يُسخِطه أحد، ومن قَنع بعطائه لم يدخُله حسَد، فليجاهِدِ المسلم نفسَه على دفع الخواطر الداعيَةِ إلى الحسد؛ فإنَّ الحسد من أخبث الذنوبِ القلبية، وقد ذكر ابن حجَر رحمه الله أن الغضبَ والحسد والحِقد من كبائرِ الباطن، وليجعل شعارَه حسنَ الظنّ بالمسلمين، وهذا واجِب لقولِ الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12].

وإنَّ نهيَ النبيّ أن يتناجَى اثنان دونَ الثالِث من أجلِ أن ذلك يحزِنُه ـ كما في صحيح مسلِم ـ لهو مِن أجلِ تَطييبِ النفوس ومُراعاةِ المشاعِرِ وجَبر الخواطِر وسَدِّ مداخِل الشيطانِ ووَساوسه. وإذا كان القرآن نورًا وهدى ورحمة وبشرى فإنَّ امتلاءَ القلبِ به وترطيب اللّسان بتلاوَتِه يرقِّق القلوبَ ويُنيرهَا ويصفِّيها منَ الكَدَر، وإذا صاحَبَ ذلك دعاءٌ وتضرّع فما أحراه بالقبول، ومن دعاءِ المؤمنين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10]. كما أنَّ الإحسانَ إلى الخَلق والصدقةَ على الفقراء من أسبابِ زَكاء النفس، وقد قال الله عز وجلّ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:18]. أمّا إفشاءُ السلام والبدَاءَة به فذاك شأنٌ عظيم، وقد قالَ النبيّ : ((لا تدخلُوا الجنة حتى تؤمِنوا، ولا تؤمِنوا حتى تحابّوا، أوَلاَ أدلّكم على شيء إذا فعلتُمُوه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) رواه مسلم.

إنَّ العفوَ والصفح ومقابلةَ الإساءة بالإحسان تعود على قلب صاحبِها بالسكينة والطمأنينةِ وهَدأة النفس وراحةِ البال، وقد قال الله عزّ وجلّ في وصفِ أهل الجنّة: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ [آل عمران:134]، وقال سبحانه: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصّلت:34].

الاعتيادُ على البِشر وطَلاقَة الوجهِ والتبسّم في وجهِ أخيك المسلم مع أنه صَدَقة فإنه أيضًا يطيّب النفوس ويُقارب الأرواحَ ويشيع روحَ الإخاء والمحبّة وينشر الثقةَ والأمان. تجنّبِ المِراءَ والجدل فإنّه يذكِي العداوةَ ويورِث الشقاق ويدعو لطلب التشفِّي والانتصار. واجعل تقوَى الله دائما في قلبك، واذكر يومًا إذا بُعثِر ما في القبورِ وحُصِّل ما في الصّدور.

أيّها المسلِمون، إنَّ التغاضي والتغافُلَ عن أخطاء الآخرين من أخلاقِ الأكابر والعظَماء ودليلٌ على سموِّ النفسِ وشفافيّتها، ومن امتلأ قلبُه بالإيمان وصفَا من الأضغانِ فإنه سريع العفوِ والغفران، كوقفِ النبيّ الكريم يوسفَ عليه السلام حين قال لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف:92]. إنّه لم يعاتِبهم حتى مجرَّد المعاتبة، بل زاد أن دعَا لهم؛ ولذا استحَقّ ميراثَ النبوة ورفَع الله قدرَه في الدنيا والآخرة.

قال ابن الأثير رحمه الله متحدِّثًا عن صلاح الدينِ الأيّوبي رحمه الله، قال: “وكان رحمَه الله حليمًا حسَنَ الأخلاقِ متواضِعًا صبورًا على ما يكره كثيرَ التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمَع من أحدهم ما يكرَه ولا يعلمه بذلك، ولا يتغيّر عليه”.

هذه ـ أيها المسلمون ـ أخلاقُ صاحبِ حطّين ومحرّرِ فلسطين وفاتِح بيت المقدِس، هذه أخلاقُ الأبطال؛ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، كما هي حال الرسول الكريم وأصحابه الميامين؛ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]. أمّا الأذلّةُ للكافرِين الأشدّاء على المؤمنين فلا تنتَظِر منهم فتحًا ولا نصرًا.

عباد الله، مصاحبة الأخيار ومجالسة أولى الفَضل مما يربي على مكارِم الأخلاق، ومجالَسةُ ذوي المروءاتِ يشرّف النفسَ ويعلي همّتها ويطهّرها من الرذائل، والإنسان مولَعٌ بمحاكاة من حوله، شَديد التأثّر بمن يصاحبه. وإنَّ من مصاحبةِ الأخيار مصاحبةَ سِيَرهم ومطالعة أخبارهم وإدامةَ النظر في سيرةِ سيّد البشر وفي سيرةِ صحابته الكرَام.

لقد كادَ النبيّ أن يهلِك من شدّة شفقَتِه على الناس وحرصِه على هدايتهم، حتى عاتبه ربه بقوله: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، وقال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]. يمسَح الدّمَ عن وجهه ويقول: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))، يطارَد ويشرَّد ويؤذى ويكذَّب فلما عاد منتصرًا قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).

إنها أخلاقُ الأنبياء، لا تحمِل الحِقد ولا الشحناء، ولا تعرف الحسَدَ ولا البغضاء، وعلى نهجِهم سار الأتقياء الصالحون.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستَغفِر الله تعالى لي ولكم ولسائِرِ المسلمين والمسلِمات من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهَد أن لاَ إلهَ إلا الله وحدَه لاَ شَريك له الملك الحقّ المبين، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله المصطفى الأمين ورحمة الله للناس أجمعين، صلّى الله علَيه وعَلى آله وصَحبه أجمعين.

أمّا بعد: أيها المسلمون، لا بدَّ من وقفةٍ مع ما يجرِي في بلاد الرافدين تقتضِيها أمانةُ الكلمة، ويدفعها ألَمٌ يبرّح الجوانِح وحالٌ تُشكى إلى الله.

إنَّ أكثرَ ما يوغِرُ الصدور ويشقّ الصفوفَ التعرّض لمقدّسات الأمَم ودورِ العبادة فيها، أيًّا كانتِ القناعات تجاهَها والرأي فيها. وما حدَث قريبًا في العِراق من استفزازٍ صريح واستعداءٍ صارخ لفئةٍ على فئةٍ أخرى بالاعتداءِ على قبرين هو استفزازٌ واستعداءٌ لا يقِرّه دينٌ ولا تَرعاه مصلحةٌ راشدة، وإنما هي إثارةٌ للفِتنة واستنزاف للدم المسلم وإثخانٌ في جسد العراق المنهَك، والذي صار يمسي على جرح ويصبِح على ذبح، يبيت على خَطف وتشرِق شمسه على نَزف، ليس من مَصلَحةِ العراق كلِّه الاستعجالُ في الاتهام فضلاً عن المبادرة بالانتقام، ولئِن كان المعتدِي على حرمةِ القبر مجهولاً فكيف يجوز أن يكونَ المعتدِي على المساجدِ وأئمّتِها معلومًا؟! كيف تقابَل حادثةٌ تتعدَّد احتمالات منفذِّيها بجريمةٍ فاعلُها كاشِف الوجه ظاهرُ الرّأس؟! كيف يُنتَقَم من الاعتداءِ على قبورِ عِباد الله بالاعتداءِ على بيوتِ الله، وأن يكونَ المساسُ بمراقِدِ أحفادِ رسول الله رَدّةُ فِعله حَرقٌ لِكتابِ الله وقتلٌ للمسلمين ومَنعٌ للصلاة؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أفلا تعقِلُون؟! وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114].

مِائةٌ وسَبعون مَسجدًا تحرَّق وتخرَّب، ويقتَل المصلّون فيها، ويسحَلون في الشّوارع!! حسبنا الله ونِعم الوكيل، حسبنا الله ونِعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

ما هِيَ واللهِ إلاّ فِتنٌ يوقِد نارَها المجرمون، ويصطلِي بعذابها الآمِنون، وما دام المحتلُّ جاثمًا والكلِمَة متفرّقة والأضغان تنفث سمومَها فإنّ الواقع يثور.

إنَّ العراقيين وهم في هذه المرحلة الحاسمةِ من تاريخهم في حاجةٍ لكظمِ الغيظ وضبطِ النفس وتغليبِ المصلحةِ العامّة على المصلحة الخاصّة والبُعد عن المساس بما يزيد بلادهم إنهاكًا وأرواحهم هلاكًا، وإلا فإنَّ الشرَّ إذا وقع فلَن يتخيّر طائفةً دون أخرى، ولن يلحقَ قومًا ويدَع آخرين.

يا أهلَ العراق، إنَّ إخوانَكم المسلمين يناشدونَكم الله أن تكفّوا أيدِيَكم وتضَعوا أسلحتَكم، وأن تتقّوا الله وتصلِحوا ذاتَ بينكم.

اللّهمّ أصلح أحوالَ المسلمين في العراق، واحقن دماءَهم، وأظهر أمنَهم، واهدِهم سبل السلام، واكبِت عدوّهم، يا حيّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

ثم صلّوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة سيّدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله.

اللهم صلِّ وسلِّم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اللهم اسلل سخائم قلوبنا، واشرح صدورنا…

-- الشيخ صالح آل طالب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*