الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » شناعة الغدر

شناعة الغدر

ملخص الخطبة

1- من صفات المؤمن. 2- ذم صفة الغدر. 3- استنكار جريمة قتل الفرنسيين الأربعة. 4- وعيد الغادرين. 5- حرمة دم المعاهد. 6- عظم جرم قتل المسلم بغير حق. 7- ضرورة تضافر الجهود للقبض على المجرمين. 8- أهمية العناية بالمعتقد.

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فاتَّقوا الله عبادَ الله، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281].

أيّها المسلمون، إنَّ من كريم صفات المؤمن وجميلِ سَجَاياه وحُلوِ شمائله كمالَ الحرص على التزامِ أخلاقِ المتَّقين من عباد الرحمن، ودوامَ النُّفرة من خصال أهل الخِسَّة والفُجورِ الذينَ صغُرت نفوسُهم ولؤُمَت طِباعُهم وقَسَت قلوبهم وعتَوا عن أمرِ رَبهم وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم، فحسَّن لهم ما قبَّحه الله ورسولُه، وأغراهم به، وجرَّأهم عليه، فخفَّ على قلوبهم، وسهُل على نفوسِهم، فتردَّوا بتسوِيلِه في وَهدةِ الباطِل، وتلوَّثوا بأرجاسِ الكبائر، وأصبحوا من حزبِ الشّيطان وجندِه.

ألا وإنَّ من أقبح صفاتِ هذا الفريق وأشدِّها نكرًا صفةَ الغدر التي تدلّ على أنّ صاحبَها قد بَلَغ الدّركَ الأسفَلَ من الخِسَّة واللُّؤم وانحرافِ الفِكر وفسادِ القلب وموتِ الشعور الذي يُفضي به إلى الإعراضِ التامّ عن الأوامر والنواهي، وإلى أن يُصِمّ أذنيه عن كلّ داعٍ إلى الحق وعن كلِّ محذِّرٍ من الباطل.

ولا ريبَ أنَّ ما وقع هذه الأيام من اعتداءٍ على بعض المقيمينَ في هذه البلاد وما ترتَّب عليه من سفكِ الدماءِ المحرَّمة وترويعٍ وفساد في الأرض، لا ريبَ أنه فعلُ من لم يخَفِ الله تعالى من أهلِ الغدر الذين لا يرجونَ لله وقارًا، ولا يحرِّمون ما حرَّمه الله سبحانه، ولا يعظِّمون ما عَظَّمه.

عبادَ الله، إنَّ حقَّ مَن ضلَّ الطريق في مفازةٍ أو خفي عليه السبيلُ في فلاةٍ أو في غيرها أن يُوجَّه ويرشَدَ إلى الجادّة حتى لا يهلِكَ جوعًا أو عطَشًا؛ لأنَّ هذا من المعروفِ الذي يتصدَّق به الإنسانُ ازدِلافًا إلى ربِّه ورجاءَ القربى عنده، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاريّ في صحيحه عن جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما أن رسولَ الله قال: ((كلُّ معروفٍ صدقة))، ولأنّه من صنائع المعروف، وهي تقي مصارعَ السوء، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الحاكم في مستدركه بإسنادٍ صحيح عن أنسِ بن مالك أنّ رسولَ الله قال: ((صنائعُ المعروف تقِي مصارِعَ السوء والآفاتِ والهَلَكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة)).

أمَّا أن يُفاجَأ بإطلاقِ النارِ عليهِ ممّن كان يظنُّ أنه سيُرشِدُه ويستنقذه فهذا غدرٌ يأباه الله ورسوله، ويبرأ منه كلُّ مؤمن يحذَر الآخرةَ ويرجو رحمة ربه.

ألم يطرُق سمعَ مَن فعل هذه الفعلةَ النكراء ما جاءَ من الوعيد الصارِخ على لسان نبيِّ الرحمة والهدى صلوات الله وسلامه عليه لكلِّ مَن قتل نَفسًا أو قتل رجلاً غدرًا، وذلك في الحديث الذي أخرجه الإمام في مسنده وابن ماجه في سننه واللّفظ لهما وابن حبان في صحيحه بإسنادٍ صحيح عن عمرو بن الحمِق أنه سمعَ رسول الله يقول: ((من أمَّن رجلاً على دمِه فقتله فإنّه يحمل لواءَ غدرٍ يومَ القيامة))، ولفظ ابن حبان: ((أيما رجل أمَّن رجلاً على دمه ثم قتَلَه فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتولُ كافرًا))، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعودٍ أنّه قال: قال رسولُ الله : ((يُنصَب لكلِّ غادرٍ لواء يومَ القيامة، يقال: هذه غَدرَةُ فلان بن فلان)). وفي هذا من الفضيحةِ لصاحبِ الغَدر والتَّشهير به على رؤوسِ الأشهادِ يومَ القيامة ما لاَ مَزيدَ عليه مع ما أُعِدّ له من شديدِ العقابِ.

ثمّ هؤلاءِ الذِين قُتِلوا غدرًا مِنهم معاهَدون دخلوا دارَ الإسلام بإذن وليِّ الأمر أو نوّابِه وموظَّفيه، فهم في أمانِ وليِّ الأمر ابتداءً، وفي أمان المسلمين تبعًا، فكيف يصِحّ خَرق هذا الأمان والتعدّي على هذه الحرمة وانتهاكُ هذا الحِمى وقد زجَرَ النبيّ عن ذلك أشدَّ الزَّجر ونهى عنه بقوله في الحديث الذي أخرجه البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّه قال: قال رسولُ الله : ((من قتَلَ معاهَدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما))، وفي الحديث الذي أخرجه البخاريّ أيضًا في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسولُ الله : ((لا يزال المؤمِنُ في فسحةٍ من دينِه ما لم يصِب دمًا حرامًا))، أي: فإذا أصابَ دمًا حرامًا ضاقت عليه أعمالُه، فلم تَسَع جِنايَتَه، ولم تفِ بما عليه، فعوقِب بها في نارِ جهنّم يوم القيامة، عِياذًا بالله من ذلك.

ومن هؤلاء الذين قتِلُوا غدرًا مسلمون أيضًا، فكيفَ يصِحّ الاعتداءُ عليهم وسفكُ دمِهم والله قد توعَّد بأشدِّ العذاب من قتل مؤمنًا متعمِّدًا فقال عزَّ من قائل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93]، وفي الحديثِ الذي أخرَجَه مسلِم في صحيحه عن عبدِ الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ قال: ((لزوالُ الدنيا أهوَنُ عند الله من قتلِ رجلٍ مسلم))، وبيَّن رسولُ الهدى عِظَم ذَنبِ مَن قتَل مؤمِنًا متعمِّدًا، فقرَنَه بالشّرك في عدمِ رَجاء الغفرانِ لمن مات عليه، فقال صلوات الله وسلامُه عليه في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه وابن حبّان في صحيحه والحاكم في مستدرَكِه بإسنادٍ صحيح من حديث أبي الدَّردَاء قال: ((كلُّ ذنبٍ عسى أن يغفِرَه الله إلاّ الرجل يموت مشرِكًا أو يقتل مؤمنًا متعمّدا)).

فأين من هذا الوعيدِ أولئك المعتَدون الظالمون؟! وإلى أين المفرُّ؟! وكيف يهنَأ لهم عيشٌ أو يطيب لهم حالٌ أو يستقرّ بهم مُقام وقَد فعَلوا مَا فعَلوا واقتَرَفوا ما اقتَرَفوا مِنَ الإثم والبغيِ والعدوان؟!

عبادَ الله، إنَّ تضَافُر الجهود وتكاثُف المساعي ووقوفَ الأمّة كلِّها صفًّا واحدًا في وجه هذا البغيِ والإجرام الذي لا يرقُب مقتَرِفُه في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمّة وإنَّ تحصينَ الشباب من صولةِ هذا الباطل وحراسَتَهم من هذا الانحراف وذَودَ هذا الخطر عن ساحتِهم وتطهيرَ كلِّ القنواتِ والرّوافد التي تغذِّي هذا الفكرَ الضالّ وتمدّه بأسباب البقاء والنّماء وإنّ قطعَ الشرايين التي تضمَن له الحياةَ، إنَّ كلَّ أولئك حقٌّ واجب على كلِّ أهل الإسلام، ومن أظهر ذلك لزومُ الإنكارِ لهذا المنكر العظيمِ برفع الصوتِ عاليًا دون تَلجلُج أو توقّفٍ أو تردّد، فهو ـ والله ـ جديرٌ بالإنكار، حقيق على أن يُكشَف عَوارُه وتهتَكَ أستاره ويبيَّن للناس خطرُه وضررُه على المسلمين قاطبةً في كلِّ الديار وفي جميع الأمصار.

ومن لوازمِ ذلك الإنكارِ ـ يا عباد الله ـ كمالُ البراءة إلى الله تعالى من هذا الضلالِ وأهله، وتمامُ المجافاة لهم، وعدمُ إعانَتهم بأيِّ لونٍ من ألوانِ الإعانة، ورفعُ أمر من يبدُر منه شيءٌ من هذا الظلال إلى وليِّ الأمر لينظرَ في أمره ويذود عن المسلمين شرَّه، فإنَّ هذا من التعاونِ على البرِّ والتقوى الذي أمرَنا الله به وحثَّنا عليه ورغَّبنا فيه.

فاتقوا الله عبادَ الله، وحذارِ من مقاربَةِ الغدر أو الاتِّصاف بصفاتِ أهله، فإنَّ في قبحِ شأنه وعِظَم ضرَرِه في الدنيا وفي سوءِ عاقبته وعِظَم الجزاء عليه في الآخرَة لمزدَجَرًا لقومٍ يعقلون.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر: 17، 18].

نفعني الله وإيّاكم بهديِ كتابِه وبسنّة نبيِّه محمّدٍ ، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستَعينه ونستغفِره، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبه.

أمّا بعد: فيا عبادَ الله، إنَّ العنايةَ بالمعتقَد الصحيح دراسةً لأصوله وفهمًا لقواعده ووقوفًا على أدلَّته ومعرفة لنواقِضِه، كلُّ أولئك من أظهرِ أسباب السلامة من آثارِ كلِّ فكرٍ نُنكره، ومن أعظمِ عوامل الحصانةِ من نزَغَات كلِّ معتقد نرفُضه؛ لمنابَذَتِه الأدلّةَ من كتاب ربِّنا وسنَّة نبينا محمدٍ وفهمِ سلفِنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فإنَّ هذا مِن أعظم ما يُستعَان به على تحقيقِ التوحيد، وبتحقيقه توصَد الأبواب دونَ كلِّ مبتغٍ فتنةً أو مبتدعٍ بدعة أو مثير فرقةً أو متَّبعٍ غيرَ سبيل المؤمنين، فتكونَ العاقبة خيرًا ظاهرًا، تنعكِس آثارُه بالاتحادِ على الخير والتآزُرِ على الحقّ والاجتماعِ على التوحيدِ والعملِ بالسنّة والتواصي بالحقِّ والتواصِي بالصّبر والتعاوُن على البرّ والتَّقوى.

ألا فاتقوا الله عبادَ الله، واذكروا أنَّ الله تعالى قد أمَرَكم بالصّلاة والسّلام على خيرِ الورى، فقال جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وارض اللّهمّ عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائرِ الآل والصحابةِ والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوك وكرَمِك وإحسانك يا أكرمَ الأكرمين.

اللّهمّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمَّر أعداء الدين وسائرَ الطغاة والمفسدين…

-- الشيخ أسامة خياط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*