الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

الخطبة الأولى
  
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة.. أحمده – سبحانه – رضي لنا الإسلام دينًا وجعلنا خير أمة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تكون لمن استمسك بها خير عصمة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله بعثه للعالمين رحمة.. اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه صلاةً تكون لنا نورًا في الدجى والظلمة.

أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله؛ فتقوى الله خير زادٍ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

أيها المسلمون:
إن حرص المرء على سلامة دينه وحسن إسلامه وصحة إيمانه دليلٌ ظاهرٌ وآيةٌ بينة وبرهانٌ شاهدٌ على رجاحة عقله واستقامة نهجه وكمال توفيقه؛ فدين المسلم – ياعباد الله – هو دليله وقائده إلى كل سعادةٍ في حياته الدنيا وإلى كل فوزٍ ورفعةٍ في الآخرة لما جاء فيه من البينات والهدى الذي يستعصم به من الضلال وينأى به عن سبل الشقاء ومسالك الخسران، ولقد أرشد رسول الله – صلى الله عليه وسلم، وهو الحريص على كل خير لأمته الرؤوف الرحيم بها – إلى أدبٍ جامع وخصلةٍ شريفة وخلقٍ كريم يحسن به إسلام المرء ويبلغ به الغاية من رضوان الله..

وذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجة في سننهما وابن حبان في صحيحه بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”..

وهذا الحديث كما قال الإمام ابن عبد البر – رحمه الله – من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحدٌ قبله – صلى الله عليه وسلم – لأن من حسُن إسلامه ترَكَ ما لا يعنيه من الأقوال والأعمال؛ إذ الإسلام يقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات، وإذا حسُن الإسلام استلزم ذلك ترك ما لا يعني من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات، وهي القدر الزائد على الحاجة منها..

فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمُل إسلامه وبلغ درجة الإحسان الذي أوضح رسول الهدى – صلى الله عليه وسلم – حقيقته في حديث سؤال جبريل – عليه السلام – عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال: “أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك” أخرجه مسلمٌ في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -.

ومن عبَد الله على استحضار قربه من ربه أو قرب ربه منه فقد حسُن إسلامه، ولزِم لذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام واشتغل بما يعنيه من صحة اعتقاد وكمال إيمان وصلاح عمل وطلب ما هو من ضرورات معاشه لا قيام لحياته بدونه من ألوان المباحات..

وعلى العكس من ذلك.. من أضاع نفائس الأوقات فيما لم تخلق له باشتغاله بما لا يعنيه.. فانصرف عما ينفعه ويرتفع بمقامه ويبلغ به صحيح الغايات وشريف المقاصد وكريم المنازل، فخسر هنالك خسرانًا مبينا.. ألا وإن من اشتغال المرء بما لا يعنيه: تعلُّم ما لا يُهم من العلوم وترك الأهم منها مما فيه صلاحُ قلبه وتزكية نفسه ونفع إخوانه ورفع شأن وطنه ورقي أمته.. ومنه أيضا عدم حفظ اللسان عن لغو الكلام وعن تتبع ما لا يُهم ولا ينفع تتبعه من أخبار الناس وأحوالهم وأموالهم ومقدار إنفاقهم وادخارهم وإحصاء ذلك عليهم، والتنقيب عن أقوالهم وأعمالهم داخل دورهم وبين أهليهم وأولادهم بغير غرضٍ شرعيٍ سوى الكشف عما لا يعنيه من خاص شئونهم وخفي أمورهم..

ومن ذلك أيضا: تكلُّم المرء فيما لا يحسن ولا يتقنه مما لم يعرف له اختصاص فيه ولا سابق إلمام وخبرة به، وما ذلك إلا لطب التسلي وإزجاء الوقت وإضاعته في تصدُّر المجالس وصرف الأنظار إليه، وقد يخرج به ذلك إلى الخوض إلى ما لا يجوز الخوض فيه من أحاديث الفواحش والشهوات ووصف العورات وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ونشر قالة السوء وبث الشائعات والأكاذيب والأخبار المفتريات، وقد يجتمع على ذلك ولعٌ بما يسمى بـ(التحليلات والتوقعات) المبنية في غالبها على الظنون والأوهام والمجازفات والجرأة على الباطل بتصويره في صورة الحق، وكل ذلك مما لا يصح توقعه ولا الخوض فيها ولا الاستناد إليه ولا الاغترار به ولا العمل بمقتضاه.ألا وإن مما يعين على ترك المرء ما يعنيه: تذكر أن الواجبات أكثر من الأوقات وأن العمر قصير كما أخبر بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجة في سننهما والحاكم في مستدركه بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: “أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك”..

فمثل هذا العمر الذي لا يكاد يتسع لما يلزم ويجب أفيتسع للفضول وما لا يعني؟ والمرء أيضا مسئول عن عمره فيما أفناه كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي برزة الأسلمي – رضي الله عنه – أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا تزول قدم عبدٍ يوم القيامة حتى يُسألَ عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه “، وما يلفظ الإنسان من قول إلا وهو مسطَّرٌ في صحائفه مجزيٌّ به ليعلم أن للكلمة مسئوليةً وتبعةً كما قال – عز من قائل -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16-18]؛ وظاهر الآية -كما قال الإمام ابن كثير – رحمه الله-: أن ” الملك يكتب كل شيء من الكلام، ويؤديه عموم قوله – سبحانه -: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}؛ فهو شامل لكل قول..

وقد أخرج مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والترمذي والنسائي وابن ماجة في سننهم بإسنادٍ صحيحٍ عن علقمة الليثي عن بلال بن الحارث رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله – تعالى – ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله – تعالى – ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه”..

فكان علقمة الليثي – رحمه الله – يقول: كم من كلامٍ قد منعني منه حديث بلال بن الحارث؛ أي هذا الحديث وما فيه من وعيد.أما حكم التصدر وصرف الأنظار فهو مقصودٌ ذميم وخصلةٌ مرذولةٌ لا يجتني من بُلِي بها سوى المقت من الله ومن الذين آمنوا.فاتقوا الله عباد الله واعملوا على الاقتداء بالصفوة من عباد الرحمن في ترك ما لا يعني من الأقوال والأعمال..أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولي الألباب.نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم -.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.. أحمده – سبحانه – وهو البر الرؤوف الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب النهج الراشد والخلق القويم.. اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أفضل صلاةٍ وأتم تسليم.

أما بعد:
فياعباد الله نُقِل عن الحسن البصري – رحمه الله – قوله: “من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه”؛ فعلى العاقل الذي يرجو الله والدار الآخرة إذن أن يقبل على شأنه حافظًا للسانه بصيرًا بزمانه وأن يعُد كلامه من عمله؛ فإن من عَدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه..

ذلك أن أكثر ما يقصد بترك ما لا يعني -كما قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله –: “حِفْظ اللسان عن لغْو الكلام، وحسبه ضررًا أن يشغل صاحبه عن ألوانٍ كثيرةٍ من الخير الذي يسمو به مقامه ويعلو به قدره وتشرف به منزلته وتطيب به حياته وتحسن به عاقبته”.

ألا فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم، واذكروا على الدوام أن الله – تعالى – قد أمركم بالصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين ورحمة الله للعالمين فقال – سبحانه – في الكتاب المبين: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة – أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك ياخير ما تجاوز وعفا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، ودمر أعداء الدين وسائر الطغاة والمفسدين، وألِّفْ بين قلوب المسلمين ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم واجمع كلمتهم على الحق يارب العالمين.. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وهيئ له البطانة الصالحة، ووفقه لما تحب وترضى ياسميع الدعاء، اللهم وفقه ونائبيه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد يامن إليه المرجع يوم التناد.. اللهم احفظ هذه البلاد حائزةً لكل خير سالمةً من كل شرٍّ وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين.

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر.. اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقومٍ فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا.. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لننكونن من الخاسرين.

اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، وصلِّ الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

-- الشيخ أسامة خياط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*