السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » تحذير العباد من ضروب الفساد

تحذير العباد من ضروب الفساد

ملخص الخطبة

1- دعوة الشريعة الإسلامية للبناء والتعمير. 2- حقيقة الإفساد. 3- الشرك بالله أعظم الفساد في الأرض. 4- الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي. 5- الإعلام الهدام. 6- أسلحة الدمار والخراب. 7- المعاملات الربوية. 8- إفساد الفئة الضالة. 9- الحروب واحتلال الشعوب. 10- انتهاك حرمة الكتب والرسل. 11- دعاوى حقوق المرأة.

الخطبة الأولى

أما بعد: فإنّ خير ما يُوصى به ويدَّكر ويوعَظ به يزدجر تقوى الإله الذي عزّ واقتدر، ألا فاتقوا الله عباد الله، واحذروا سوء العقبى والردى، واجتنبوا الغفَلات فإنها للطاعات مُدى، واسعوا لأُخراكم كأنّكم تنقلبون غدًا.

أيّها المؤمِنون، أوانَ هَدأةِ الفكر وانبِلاج المسالِكِ وشَفافيّة الروح وسَبحِ المدارك وسَاعةَ استلهامِ النفس المسلِمة مَعاقِدَ الشّريعَة ومراميَها وجُلَّ مقاصدِها ومعانِيها تدركُ في غيرِ ما لغوب ولا نُضوب أنها جاءَت بالتّعمير والإسعادِ حاثَّةً على مهايِع النهضةِ والرّيادة حاضَّةً على كلّ رُقيٍّ وإِفادَة، في تَناسقٍ بَديع بَينَ استشرافاتِ العقلِ وأشواقِ الرّوح، فالإعمارُ غَرِيزةٌ أودَعَها الله البَشرَ لِتكون رَائدةَ العمَل وبَاعثةَ الأمَل في نَشرِ العُمران وتثبيتِ دعائم التّحَضُّرِ والأمان، وكلُّ تقدُّم تِقانيٍّ وتَفوُّقٍ علميّ في العالَم أَكتَع يجِب أن يُسخَّر لقَمعِ الفساد والاستبدادِ، وأن يَكونَ مِرقاة لراحةِ الإنسانِ وهِدايته وطمأنينتِه وأمنِه واستقرارِه، ولن يتمَّ ذلك إلاّ في ضَوءِ عالميّة الإسلام الساطِع الذي يُوجِّه الحياةَ بعُمومها وشمولها وِجهةَ الخيرِ والسّؤدَدِ والحقّ والسلام، خُصوصًا بعدَ أن افتَضح إفلاسُ الحضارةِ الغربيّة في جوهَرِها ومخبرِها.

مَعاشرَ المسلمين، وما الحضارةُ القعساءُ التي وَطّدَتها شَريعتُنا الغرّاء وسعِدَت بها الدُّنَا عَبرَ التأريخِ إلاّ صُوّةً وقّادةً فوق التّحليل والإبراء، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]. وهَذه المحجَّة المباركَة أجَّجَت حَربًا ضَروسا حِيالَ الطغيانِ والإفساد، وكانت وَجهًا عَبوسا تِئضالَ التّخريبِ والتقويضِ والاستباد، فشريعتُنا إعمارٌ لا دَمار، بِناء ونماءٌ لا هَدم وفناء، إِشادَة لا إِبادة، وهل إلا الفَسادُ والإِفساد بِشرورِه وجوائِحِه وحَوازبِه وفَجائعه مَن يحيلُ الدّنيا البَهِجةَ النضِرة إلى أَرضٍ مُصوِّحة قَفِرة؟! وهل إلا الفسادُ يهوي بالذِّمَم والقِيَم والأمجادِ إلى ساهِرةِ الحسَكِ والقَتاد ويُقيم على الأمَم المآتمَ والحِداد؟! يقول الكَفَويّ رَحمه الله: “الإفسادُ جَعلُ الشّيءِ فاسِدًا خارجًا عن حالتِه المحمودةِ لا لِغرضٍ صَحيح”.

فالسّعيُ ـ يا عبادَ الله ـ بالفَسادِ بين مطاوِي البلادِ والعباد هوَ مستَنقَع الداءِ والبلاء وأُسُّ الفناءِ والأرزَاء ومُبيد النِّعَم والآلاء، مُؤذِنٌ بالخراب، معلِن بالتَّباب، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77].

إخوةَ العقيدة، وفي هذَا العَصرِ المحتَدِمِ بالكشوفاتِ والمخترَعات والملتَهِبِ بالصّراعات والتوسُّعات كثُرَت ضروبُ الفسادِ وأمَّت، واندَاحَت كُرَب العُتوِّ وعمَّت، وإنَّ أعظمَ فسادٍ في الأرض بعدَ أن أَصلَحَها الله بإنزال الكتب وإرسالِ الرسُل هو الإشراكُ بالله عزّ وجل، يقولُ الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله في قوله سبحانه: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]: “قال أبو العالية: بالإشراكِ بالله”، وفي الحديثِ عند مسلمٍ وغيره: ((وإني خَلقتُ عبادي حُنفاءَ كلَّهم، وإِنهم أتَتهم الشياطينُ فاجتَالتهم عن دينِهم، وحرّمَت عليهم ما أحلَلتُ لهم، وأمرَتهم أن يشرِكوا بي ما لم أنزِّل به سلطانا)). يقول الإمامُ العلاّمة ابنُ القيّم رحمه الله: “فإنّ عِبادةَ غير الله والدّعوةَ إلى غيره والشّركَ به أعظمُ فساد في الأرض، بل فسادُ الأرض في الحقيقة إنما هو بالشركِ به ومخالفةِ أمره، ومَن تدبَّر أحوالَ العالم وجَد كلَّ صلاحٍ في الأرض فسببُه توحيد الله وعبادتُه وطاعةُ رسوله ” انتهى كلامه رحمه الله.

فمَن ألحدَ في أسماء الله وصفاتِه وحَرَّف آياتِه وكلماتِه فقد عتَا وأفسَد، ويلتَحِق بذلك مَن أحدَثَ في شرعِ الله وابتَدَع وزَادَ وما ارتدَع، فإنّه لَلفسادُ وأيُّ فساد الَّذي يجعل الدّينَ القويمَ نُهبةَ العقولِ والآراء ومِزَق الأفكارِ والأهواء؟!

إخوةَ الإسلام، ومِن لوثاتِ الفَساد الذي يُنذِر بعظيمِ الخطَر ويتَستَّر به الألدّاء في كَيدٍ وبَطَر ذَلكم الغزوُ الفكريّ الغَامّ والثّقافيّ والأخلاقيُّ السّامّ، الذي أجلبَ بتيّاراتِ الانحراف، وهملَج بمذاهِب الإتلافِ والإرجافِ، فأفسدَ كثيرًا من الناس لا سيّما من الشّبابِ والفتيات، ولوَّث أفكارَهم، وشابَ عقائدَهم، وسلَخَهم عن قِيَمهم الاجتماعيّة، وورَّاهم عن أصولهم الدّينيّة والأخلاقيَّة، وأسلَمَهم إلى عَواصِفِ الحيرةِ والتَّميُّع والذوَبَان والانهزاميّةِ، وخَلَص بهم إِلى لُجَج الانحِدارِ والبَوار. وهذا الإفسادُ والضّيَاع دهَم من أسفٍ مُضِن كثيرًا من الأسقَاع، نحتسِي غصَصَه في فَجيعةٍ والتِياع، ويتّخذُ العَدوّ الماكِر لِذلك أرقَى التّقانَاتِ وأحدَث المختَرَعات، الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88]، وقد دَعَوا في نهجِهم إلى الفسادِ في الكَونِ والشّرّ والإلحادِ والشّرّ فَساد. ولله أيُّ ثَمَدٍ مِن قوّة تُبقِي عليها الأمّة إن نِيلَ مِن نَوط رجائِها ومَعقِد آمَالها؟!

أيّها الأحبّة في الله، وأمّا المِعوَل الهدّام الذي وضَع وخَبّ بين هذه الشّريحةِ خُصوصًا وعجّ من إفسادِه وتدميرهِ الفَضاءُ وارتجّ ذيّاكم الإعلامُ الذِي يضخّ عُبابًا من الفسادِ وأَصنافًا مِن الانحراف في بعض قنواتِه الماجِنَة وشبكاتهِ الآسنة وفَضائيّاته القاتمة، التي رنّقَت نميرَ الفضيلَة، وهصَرت في بطشٍ باطش أركانَ المجتمعات والأسَر بما تبثُّه من حرائقِ الرذيلة ومنكَرات الأخلاقِ والبُهتان، في قِحَةٍ وصفَاقةٍ كأنهما الصُّوَّان. أوّاه أوّاهُ من ذلك الفسادِ، ورحماك ربَّنا مما إليه كثيرٌ من المجتمعات تَنقاد، واللهمّ سلِّم سلِّم.

ومما يلهِب الأسَى بين الأضلُعِ وتهمي له سِجام الأدمُع ذلكم الإفسادُ السافِر والكَيد الماكِر عبرَ صَفَحات الإعلامِ بأقلامِ فِئَة ضلَّ عَن السَّدادِ فهمُها وطاشَ عن القَرطَسة سهمُها، لا تفتَأ تبهَضُ الشريعةَ الغرّاء وتغمِز الخِيَرَة والصّلَحاءَ ورجال الحِسبةِ الأكفياء والجمعيّاتِ الخيريّة القَعساء والمؤسساتِ الدعويّة ذات السّنا والسناء، وما درَى هؤلاءِ أنهم بفعلِهم ذلك يَشرَخون المناهجَ والصَّفَّ ويتطاوَلون على الجَمعِ الملتَفّ.

في كلِّ يومٍ مَنزلٌ مستوبِلُ يَشتفّ ماءَ مهجتي أو مُجتَوَى

أيّها المؤمِنونَ، ومِن ضُروبِ الفسادِ الذي تنامَى وزادَ ولم يَغفل عن رتقِه الألِبّاء من العِبادِ ما لوَّث صفاءَ البِيئةِ وجمالَ الطبيعةِ المتدفِّقَة بالبَهجَةِ والرُّواء، وذلك بنشرِ الموادّ الكيماويّة المدمِّرة والتّجارب النوويّة الفتّاكَة والنّفايات الغازِيّة السامّة، وما يعمَد إليه العالم من سِباقِ التسلُّح وأَسلِحَة الدّمار الشامِل التي تنجُم عنها الإبَادَةُ والأمراض والأوبِئَة، وتُفسِد البيئةَ وتلوِّثها، وتخرِجها عن سنَنِها الخلاّب، ولعَمرو الحقِّ إنَّ النفسَ التي حُرِمت تذوُّق الجمالِ ورَشفَ شهدِه العذب بزينةِ الأرض وحُسنِها وسلامتِها وأمنِها وقصَدَت إلى إفسادِ الطبيعةِ وتلويثِ البيئة لهي نفسٌ باغيَة ومُهجة طاغِيَة.

إخوةَ الإيمان، ومِن صوَرِ الفسادِ الخطيرةِ المستَشريَة في كثيرٍ منَ المجتمعات ما يَنال اقتصادَ الأمّة مِن المعاملاتِ الرّبوية المحرَّمَة ماحِقةِ البركةِ جالِبةِ سَخطِ الله ومَقتهِ المؤذِنةِ بحربٍ من الله ورسولِه، ومَا السّعارُ المادّيّ الذي يتابِعُه المراقِبون لكثيرٍ مِن صالاتِ تداوُلِ الأسهمِ العالميّة وأسواقِ البورصَةِ الدوليّة وما آلَ إليه أمرُ كثيرٍ منها من أزَماتٍ خانِقَة إلا نذرٌ وعِبر لمَن يعتَبِر، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]. ولَولاَ لُطفُ الله ثمّ مَأثرَةُ وَليّ الأمرِ وفّقه الله لحصَل ما لا تحمَد عقباه، غيرَ أن الغَيورِين يتطلَّعون إلى أَسلمَة هذه الأسواق الماليّة والتِزامِها في تعاملاتها الضوابِطَ الشرعيّة.

إخوةَ الإيمان، ومما ينتَظِم في سِلسِلة الفَسادِ الذي فرَى الأكبادَ ما تَعمد إليهِ الفِئةُ الضالّة المارِقة من إيقاظِ الفتنِ النائمةِ في أفكارٍ حَالمة ومناهجَ هائِمة، تَعمد إلى سَفكِ الدمِ الحرام والعُتوِّ في الأرض والإجرام، مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]. وَبِأَخَرةٍ محَاولةُ تفجيرِ مكتَسبات هذه الديارِ وتَدمير منشَآتها ومقدَّراتها التي هي رَمزُ قوَّتها [وعَصب] سَطوتها المتين ورَهبتها بين العالمين. فلَيتَ شِعري هل هذه الدِّيار الآمنةُ للإسلام إلا مدَارِس، ولصدّ نكبات المسلمين وأرزائهم إلا مَتارس؟! أيُّ تنكُّرٍ شَنيع لفضلِ أمّتهم؟! وأيُّ جَهلٍ فظيع بمآلاتِ رقيِّ مجتمَعِهم وقوّة اقتصادِه ومصدَر مكتسباته وثرواته؟! ولكن استدراكٌ يمزِّق النياطَ حينما جفَّت القلوب من الرحمةِ والإيمانِ، وصدَأَت بالجحود والنكران، وانتَضَت أسِنَّة الطيشِ والعدوان، وسلَكَت مسالكَ الإجرام والطّغيان، عادَت كلَّ نهضَة، وشنَأت كلَّ رقيٍّ وعمران. فيا لله، أيّ ناسٍ هؤلاء الذين نبَذوا الرّحمةَ والإحساسَ وهاموا بمآسي كلِّ الناس؟! إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81].

أمّةَ الإسلامِ، وينسَلِك في طُغيانِ التدمير والتّتبِير اللّذَين حرَّمهما الله أشدَّ تحرِيم وتوعَّد آتيَهما بالعذابِ الأليم شنُّ المعارِكِ والحروب وإضرامُ النيرانِ والخطوب وتقتيلُ الأبرياءِ والعُزَّل واحتلالُ الشّعوب، بغيةَ إذلالها وطمسِ حضَارتها وثَلمِ نخوَتها واستِنزافِ خيرَاتها وثَرَواتها، في عَصرٍ تتعالى فيه دَعاوَى الإصلاحِ والسّلام وصرَخاتُ التعايُش والوِئام ومحارَبَة الإرهاب والإرعاب. نعم، تِلك هي الهالات البرّاقة والشّعاراتُ الرّقرَاقة التي تفضَحها وقائِعُ العنجهيّة كلَّ آن، ومَا وقائِعُها المخزِيةُ إلا نارُ الحِقد الدفين من محوَرِ الشرّ الكمين، تُذكي ضِرامَها الصّهيونيَّة العالميّةُ رَائِدةُ الإرهابِ الدوليّ بلا مُنازِع، لا سيّما في أرضِ فلسطين والأقصَى، وقَد قال الله فيهم وفي أسلافهم: وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64].

وكذا الإِفسادُ الذي يَقتاتُه دونَ تموِيه ولا مَينٍ إخوانُنا في بلادِ الرافدَين، مِن صنوفِ المآسي والتنكيلِ والحِصار والتشريدِ والتقتيل.

وَحروبٌ طاحِنـاتٌ كلَّما أطفِئَت شبَّ لظـاها واستَعر

ضجّت الأفلاكُ من أهوالها واسعَاذ الشمسُ منها والقمر

ومِن نَكباتِ هذه الحروبِ وإفسادَاتها عقابِيلها وويلاتها التي خرَقَت الأعرافَ الدوليّة والمواثيقَ العالميّة والقِيَمِيّة التَّطاولُ على بيوتِ الله والإضرارُ بالمساجدِ ودُور العبادةِ وانتهاكُ حُرماتها وتَرويعُ الساجدين الآمنين، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114]. ويحهم، أيّ حَضَارةٍ إِنسانيّة وإِعمارٍ زعَموا؟! قاتَل الله الإفسادَ الجالبَ للخزيِ والبوار، ولَحَا النّكثَ للمواثيق وكلِّ عرفٍ وقرار، يقول المنتقم الجبار جلّ جلاله: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:204، 205]. الله أكبر، ها هوَ القرآنُ غَضًّا نديًّا يُنَبِّئُنا من أخبارِهم، فأين المتذكِّرون؟!

أيّها المسلمون، ومِن أفانينِ الفساد الذي تَستَّر بمروطِ الحريّة العرجاء فجاءَ شيئًا إدًّا تكاد تخِرّ له الجبالُ هدًّا انتهاكُ حُرمةِ الكُتُب المنزَّلة والأنبياءِ المرسَلَة، وأعظمُهم أفضَلهم إمامُ الأنبياء ورَسولُ ربِّ الأرض والسّماء صلوات ربي وسلامُه عَليه، مما أجّجَ مَشاعر الحقدِ والغضَبِ والكراهية، ودَقّ بين المجتمعات عِطرَ مَنشَم. ولا تسَل ـ يا رعاك الله ـ عن حرّيّة الغرائزِ والشّذوذ والارتخاص التي أنشَبت الإنسانيّةَ في مهاوِي البهيميّة.

لذلك كلِّه مِن أصولِ الفساد وغيرها كان جزاءُ أهل الفسادِ والزيغ والعنادِ حكمةً وعدلا أشدَّ التقتيل وأوبَلَ التنكيل، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

وبعدُ: عبادَ الله، فلَن تقومَ حضارة إنسانيّة ونهضَةٌ عمرانيّة وسَعادة بشريّة وأمنٌ ورَفهَنِيّة والفسادُ يسقِي حُمِّيّاه كثيرًا من الأرجاءِ والعالَمُ يَلتوي ويُداجِي بالشعارات المفلِسَة في الضّحى والدّياجي، وهنا نفثةُ مَصدور ونأمَة غَيور تفيض من نبعِ الشّجَى والشّجَن وتهطِل من سُحُبِ اللوعة والحزن أن يا أيّها القادةُ والعلماء، يا أيها الدعاة والصلحاءُ، يا أهلَ الإعلام ويا حملةَ الأقلام، توارَدوا على ميثاقِ شرَفٍ واحدٍ وسنَنٍ لاحِد، وأصلِحوا ما اختلَّ من المجتمعات وفسَد، وقوِّموا ما انثلَمَ مِن عزَّتِكم وهيبَتِكم وكسَد، وارتُقوا ما انآدَ مِن الأفكار واعوجّ، وجدِّدوا ما رَمّ من وَحدَتكم ونهج، هبُّوا لميادين الصلاحِ والإصلاح بفعلٍ أسدّ ومُنَّة أسَد؛ تفلِحوا وتغنَموا وتسعَدوا وتأمنوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

بارك لله لي ولكم في الوَحيَين، ونفعنا جميعًا بهدي سيد الثقلين، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان توابًا.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله مِلءَ الأرضِ والسّماء، جلّ ربًّا وعَزّ إلهًا تفرَّدَ بجليل الصفاتِ والأسماء، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، حرّم الفسادَ وأمر بالتعمير والنّماء، وأشهد أنَّ نبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله إمامُ الأتقياء وسيّد الأصفِياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبِه البررةِ الرحماء، أعلام السؤدَد والهناء، ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واحذروا اقترافَ الشرور الأكدار، واجتَوُوا الآثامَ والأوزار، واسعَوا لكلّ صلاح وإعمارٍ؛ تدرِكوا بإذن الله أسمى المنازل والأقدار.

أيها المسلمون والمسلمات، ومِن الخداع الباتِك الذي مدّ طِوَل الفسادِ الهاتِك التباكِي المستأذِب علَى حقوقِ المرأة وقَضاياها وإنسَانيّتِها، وهو زَيفٌ مَكشوف ومَكر مألوف يَرمِي به الأعداء الألدّاء إلى تأليبِ المرأة المسلمةِ علَى إسلامِها وقِيَمها ومُثُلها وتمرُّدِها على حجابها وعَفافِها وحيائها، في قَرصنةٍ فكريّة وثقافيّة وسمسرةٍ عولميّة وأخلاقيّة، تخرِق سفينة المجتمعاتِ الإسلاميّة، وكَأَن قدٍ، لتصبِح أداةً طيِّعة في براثِن العلمنةِ والتغريبِ، ودُميةً سائِغة لمطامع الذّاتِ والعَبِّ من الملذّات، وبريدًا مأمونا لأفكارِه ومبادئِه المنحلَّة، يشايعهم في ذلك جهّالٌ أصلال من بَني وبناتِ جِلدتنا ومَن يتكلّمون بلغتِنا ممّن أغرَوا العدوَّ بنا، وقد غَشِي أبصارَهم تبعيّةُ الغَرب المهينَة، ولكن في وكِيدِ الثقةِ بحمدِ الله أنَّ المرأة المسلِمة ـ لا سيّما فتاة هذِه الجزيرةِ الشماء ـ على حصافة ونباهةٍ مِن تلك الدّسائس القمِيئة والآراب الدّنيئة. وإنَّ العجبَ ليطوِّح بك حينَما يتصارَخون ويتَباكَون بمصطلحاتِ الحقوقِ والقّضايا والتحرير والحريّات، ويحشدُون لذلك المؤتمراتِ والمنظّماتِ وأعمدةَ الصّحف والمقالات والمجلاّتِ والفضائيّات والمنتدَيات وشبكاتِ المعلومات، أمّا فضايا الشعوبِ التي تُطحَن وتُباد والأراضي المقدّسة التي تُنتَهك ولاَ تُعاد فتِلك صرخةٌ في وادٍ ونفخَة في رماد، فالله المستعان.

وهُنا إلماحةٌ حانِية بالحبّ الشّفوقِ هاميَة تستَشرف الماضي بإشراقاتِه واعتزازاته والحَاضرَ بجراحاته وملِمَّاتِه والمستقبَلَ بآمالِه الفِساح وتطلّعاتِه أن لاَ استعلاءَ لأمّتنا في معامِع المتغيرات وميادينِ التقدّم وإِعلاء صُروح الحضارات إلاّ باعتِصامِنا بالوحيَين النيِّرين ولِياذِنا إلى وَحدَتنا ورَابِطتِنا التي تنجِينا بإذن الله من الفِتنةِ والفساد الذي حذَّر منه المولى وأنذر في قولِه سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73]، أي: أَيتّحِد أهلُ الكفرِ المناكيدُ ويتفرَّقُ المسلِمون أبادِيد؟! إنّه لفسادٌ في دينِكم ودنياكم كبيرٌ، ولن ينتهِيَ المفسِدون عن نحتِ أثلةِ العزّة والسيادة والحقّ والسعادة والرِّيادة على مدِّ البسيطةِ إلا بالعلماءِ الجهابِذ والدّعاةِ الصياقِل الذين نوَّه بهم المولى عزّ وجلّ في قولِه: فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116].

ألا فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتوارَدوا على الإصلاحِ والإعمار، وتنَاءَوا عن دُروبِ الفَساد والدّمار؛ تحقِّقوا مِن السؤدَدِ آمالَه الكِبار، وتأمَنوا بمنِّ الله البروارَ والتّبار.

ثم صلّوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على نبي الهدى والصلاحِ الذي دحر ضروبَ الفساد وأزاح، وحمى حوزةَ الدين أن تُفسَد وتستباح، فقد أمركم بذلك ربّكم فالق الإصباح، فقال تعالى قولا كريمًا في قرآنٍ يُتلَى آناءَ الليل والصّباح: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على النبيِّ المصطفى والحبيبِ المرتضى والهادي المجتبَى نبيِّنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين…

-- الشيخ عبد الرحمن السديس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*