الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » تصنيف الناس وآثاره السيئة على الأمة

تصنيف الناس وآثاره السيئة على الأمة

الخطبة الأولى
  
الحمد لله لم يزل على الدوام كريماً لطيفا.. أحمده – تعالى – وأشكره هدانا لدينٍ قيمٍ وسطٍ حنيف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ألَّف بين قلوب المؤمنين تأليفا.. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الموصوف بكونه صادقاً أميناً شريفاً عفيفاً.. حث أمته على التمسك بسنته وحذر من مخالفتها أهواءً وتصنيفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأُلى شرفوا تشريفا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم حشر الخلائق في الأخرى لفيفا وسلّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، ولتكن تقوى الله على الدوام حافزاً لكم على الاجتماع والاعتصام ونبذ الفرقة والانقسام امتثالاً لقول ربكم المولى العلّام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 102 – 103].

وتقْوَى اللهِ للأوَّاهِ زادٌ فنِعْمَ الذُّخْرُ في الْأُخْرَى مَآبَا
فلازِمْ دربَهَا تظْفَر بخيرٍ وحقِّقْ حكْمهَا تُحْرز ثَوَابا

أيها المسلمون:
في مزدحم شئون الحياة ومشاغلها وفي دوامة قضايا الأمة ومتغيراتها يتناسى كثيرون بل ويتنكرون لمقصدٍ من أجلِّ مقاصد شريعتنا الغرَّاء.. ذلكم هو مقصد الأخوة الإسلامية والوحدة الدينية؛ فيحلون محل الاجتماع والائتلاف التفرق والاختلاف معرضين عن قول الحق – تبارك وتعالى -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقوله – سبحانه -: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –: “الاعتصام بالجماعة والائتلاف أصلٌ من أصول الدين، ويبرز ذلك – يارعاكم الله – في فشوِّ ظواهر خطيرة لها آثارها البالغة في توسيع هوة الخلاف في الأمة وتقطيع جسدها الواحد إلى أوصال متنافرة وأشلاءٍ متنافرة وتوزيعها أشتاتاً وعزين.

ومن أخطر هذه الظواهر ضرراً وأشدها ضراوة وأثراً ظاهرةٌ عجيبٌ نفوذها كثيرٌ رعاعها غفيرٌ وقودها.. تلكم هي ظاهرة تصنيف الناس وداء التشكيك بالآخرين وعدم الثقة بهم وما تمثله مع بلج الإصباح من ضمائر سوداء يحملها فئامٌ ضعُفَ إيمانُهم وقل ورعُهم فألقوا جلباب الحياء وشغلوا الأمة عن كبير قضاياها، وألبسوا الجميع أثواب القدح والجرح، وتدثروا بشهوة الحكم على الناس ونسج الأحاديث والحكايات والتعلق بخيوط الظنون والأوهام في فوضى فكرية عارمة.. يركبون ثبج التصنيف للآخرين للتشهير والتمثيل والتضليل والصد عن سواء السبيل؛ فغمسوا ألسنتهم في ركامٍ من الآثام ثم بسطوها بإصدار الأحكام وإلصاق التهم والحطِّ من الأقدار في جرأةٍ عجيبة وفي قاموسٍ لا ينتهي من التصنيفات ينوء بحمل أسفارها جياد الإبل.

يجري ذلك في جانبي التصنيف الديني واللاديني؛ فكم نرى ونسمع عبر المجالس والمنتديات وشبكات المعلومات بأن هذا غالٍ متطرف وذاك وهابي وآخر رجعي وصولي، وفي النيل من علماء الشريعة الذين يقررون منهج السلف الصالح في السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين.. هذا مداهنٌ متزلف وذاك مراءٍ منافق وثالث من علماء السلطان.. وهكذا في سيلٍ جارفٍ من التصنيفات الفكرية والدعوية والسلوكية التي تعدَّت الأفراد إلى المؤسسات والجهات والهيئات.. من أجلها أقيمت سوق الولاء والبراء والود والعداء مما يحتم التوارد على ميثاق شرفٍ أدبيٍّ يحمي أعراض البرآء النبلاء.. وإن نقبوا في البلاد وفتشوا في العباد ولم يجدوا للمرء أي زلَّةٍ تصيَّدُوا العثرات وتتبعوا الهفوات المبنية على شُبَهٍ واهية وألفاظٍ محتَمَلة، وحين تفلس جهودهم من كل هذا قالوا: متوانٍ محايد.. إلى غير ذلك من ضروب تطاول سعاة الفرقة ودعاة الفتنة، فإن لم يجدوا لا هذا ولا ذاك أوغلوا في الطعن في النيات والمقاصد، وإن تورعوا سلكوا طريق الإشارة والهمز واللمز والغمز مما يكون أكثر إيقاعًا وأشد تطاولًا.. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعة لعلام الغيوب، والله المتسعان.

معاشر المسلمين:
ومن ألأم المسالك في هذه النزعة المأفونة نصب مشانق التجريح ووضع رموز الأمة وفضلائها على مشرحة النقد الهدَّام بغية تحطيمهم والإحباط بهم بما يلوث وجه كرامتهم قاعدين لهم مزجر الكلاب النابحة في خواطر ممسوخة وأوجه صفيقة وأحكام جائرة وأخلاق سافلة تسلك بصاحبها مسالك أهل الأهواء على اختلاف مللهم؛ فإن لهم شهوةً جامحة في الوقيعة في أهل الفضل في الأمة، وهكذا في سيلٍ متدفقٍ سيالٍ على ألسنةٍ كالسياط الحداد.. دأبها التبصبص وديدنُها التربص.. فالتوثب على الأعراض والتلذذ بالاعتراض مما يوسع جراح الأمة ويغتال الفضل بين أفرادها ويقطع أواصرها تأسيسا على خيوطٍ من الأوهام ومنازلاتٍ بلا برهان ترج إلى فتن لا يعلم عواقبها إلا الله، وتؤرب الثقة في قوام الأمن من خيار العباد.. فبئس المستنقع وبئست البضاعة، والله حسبُنا وحسيبهم، وياويحهم يوم تبلى السرائر يوم القيامة!

إخوة الإيمان:
وحتى ينطوي عن الساحة الشقاق والشرخ وما تجره هذه الظاهرة النشاز من تعبٍ من غير أرب ولما تمثله من خطورة الورم الخبيث في جسد هذه الأمة لما لها من أثرٍ سلبيٍّ على أخوَّتِنا الإسلامية ووحدتِنا الوطنية كان الواجب تطهير المجتمع المسلم من هذه الرواسب وإماطة اللثام عن هذه الفتنة الدفينة لإطفاء جذوتها؛ لكي لا تعمل عملها في تفريق كلمة الأمة فيتخطفها خصومها ويبقى صوت الحق ضئيلا وحامله ذليلا، وحتى تكون طوق نجاةٍ لمن أضناه مشوار التصنيف فيلقي عصا التسيار قبل مفارقة هذه الدار وسلوة لمظلوم مضرج برماح المصنفين وسهام الجراحين.. إنها دق لجرس النذارة من هذه المكيدة الغالبة التي تصب في إيذاء المسلمين والنيل منهم مع نبلهم وبراءتهم، والله – عز وجل – يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58].

وحرصا على جمع كلمة المسلمين التي أعلنها المصطفى – صلى الله عليه وسلم – عام حجة الوداع بقوله: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام” أخرجه الشيخان من حديث جابر – رضي الله عنه -.. وإن تعجب فعجبٌ حال من ابتلوا بهذا الداء ممن دأبهم التربص والترصد للتحريش والتهويش وإشعال فتيل الفتنة في الأمة والتشويش، وترى هذا القبيل المأفون يجعل شغله الشاغل مقارعة المبدعين في الأمة وجعْلهم وقود بلبلة وحطب اضطراب وشنشة.. فحقًّا إنهم غزاة الأعراض بالأمراض والعض بالباطل في غوارب العباد؛ فهم مقرنون بأصفاد الغل والبغضاء والحقد والحسد والشحناء والإفك والبهتان.. فيالله! كم لهذه الوظيفة الإبليسية من آثارٍ موجعة على أعز شيءٍ يملكه المسلم في عقيدته وعرضه! حقا.. لقد شوهوا التاريخ وشوّهوا أنفسهم.. فلا هم قالوا خيرًا فغنموا ولا سكتوا فسلموا.

فتبًّا لهذه المسالك المرذولة وأفٍّ لهذه المناهج المأفونة، فإلى قائمة الممقوتين في سجل التاريخ غير مأسوف عليهم:

إن الشَّقيَّ بالشقَاءِ موْلوعُ لا يمْلكُ الرد لهُ إذا أتَى

فكم جرت هذه المكيدة من قارعةٍ على البلاد والعباد بتشويه وجه الحق والوقوف في سبيله، ثم هضمٍ لحقوق المسلمين في دينهم وأعراضهم وتحجيمٍ لانتشار الخير بينهم.. حيث لم ولن يسلم من لأوائهم أحد، بل إنهم صناعة توابيت تقبر فيها المواهب والقدرات وتوأد فيها الكفاءات والإنجازات.. نعوذ بالله من حالهم، ولا كثَّر اللهُ في الأمة من أمثالهم.

يتضح ذلك بجلاءٍ أنه كلما انبرى إمامٌ مصلحٌ فذٌّ يتبنى مشروعاتٍ حضاريةٍ في الأمة تعيد لها أمجادها في ظل ثوابت الشريعة ومقاصد الأمة تجاذب سفينتها فهومٌ متضاربة وآراء متجاذبة وحالات لغطٍ لا تسلم من الغلط، وعاشت الأمة جرَّاءَها مناسبات ومزايدات في ضروبٍ من الجدل العقيم؛ مما يعيق عجلة التنمية في المجتمع ويعطل النماء والإعمار في الأمة.. مع التأكيد على التمسك بثوابتنا وضوابطها الشرعية، بل قد يسلط هنا سيف التصنيف المسْلَط بأن من يباركها علمانيٌّ وآخر لبرالي وثالث تغريبي.. وهلم جرا..فسبحان ربي العظيم.. سبحانك هذا بهتانٌ عظيم، فحاشى أن يغم بعامة الأمة – فضلا على خواصها – الإقرار بالمنكرات وتمرير المخالفات مما يخدش التمسك بالعقيدة والمبادئ والقيم: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

أمة الإسلام:
ومن وغوائل هذه الظاهرة النزقة وعوامل تهافتها: أنك لو سألت حملة ألويتها عن مستندها والبينة التي اعتمدوا عليها كالشمس في رابعة النهار لأفلتوا أيديهم وقلَّبُوا أكفهم، ولما وجدت في نهاية المطاف غير بنياتٍ واهياتٍ لا تعدو وساوس غامضة وانفعالاتٍ متوترة وأحقادا دفينة وتوظيفًا لسوء الظن، والظن أكذب الحديث:

إذَا سَاءَ فعْلُ المرءِ ساءتْ ظنُونُه وصدَّقَ ما يعتاده مِنْ توَّهم

وبناءً على الزعم وبئس مطية الرجل زعموا وإعلانا لسوئين شنعين هما: سوء القصد وسوء الفهم.

وكمْ منْ عائِبٍ قولًا صحيحًا وآفتُهُ مِنَ الفهمِ السقيم
وإنْ ألقاكَ فهمُكَ في مَهَاوٍ فَليتَك ثمَّ ليتَك ما فهِمْت

فيالله العجب! كما تُشادُ الأحكام العظام على مثل هذه الخيالات والأوهام.. فضلا عما يكون من المستندات من تتبع العثرات وتصيُّد الهفوات، وهي مسالك مردية لو وُصِمَ الناس بها لما بقي في الأمة أحد ولَصارَ المجتمع كدودة القزّ تطوي على نفسها بنفسها حتى تلقى حتفها.. ومنها التناوش من مكان بعيد لتحميل الكلام ما لا يحتمل مع بذل الجهد للترصد والتربص والفرح بالزِّلَّة، ومتى كان فرح الإنسان بخطأ أخيه البيِّن من دين الله.. فضلا عن اجتهاده المشروع وتأويله السائغ.. ألا إن هذا المسلك المرذول داءٌ خبيث.. متى ما تمكَّن من النفوس أطفأ فيها جذوة الإيمان وأخبأ فيها عفة اللسان.. نعوذ بالله من الخذلان.

معاشر الأحبة:
وإن تبحثوا – يارعاكم الله – عن دوافع هذه الظاهرة الخطرة فلن تعدوها توجهات وأنماط فكرية وتراكمات وتيارات مخالفة لمنهج سلف هذه الأمة أو تلبيسات إبليسية ونزغات شيطانية تهوي بصاحبها إلى دركاتٍ سحيقةٍ من التخلُّف الفكري والانحطاط العقلي والضعف الإيماني، وكأن الإمام ابن القيم – رحمه الله – يصور ما يجري في عصرنا حيث يقول: “وكم ترى من رجلٍ مُتورِّعٍ عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول” انتهى.

وعلى كل حال فيبقى الحسد والهوى جناح هذه الشناعات المغرضة: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50]، لكنها بليةٌ لا لعا لها وفتنةٌ وقى الله شرها ولحا أربابها يحذر الأغرار من الافتتان بها والاغترار؛ إذ بهذا التصنيف المريع آل أمر أبناء هذه الأمة إلى أوزاعٍ وأشتاتٍ وركضٍ وراء السراب، فلو رأيتهم يُرثى لحالهم وهم يتسارعون، والله أعلم بما يوعون، وقد يكونون رأس معولٍ لهدم وحدة الأمة وهم لا يشعرون.

أمة الإسلام.. أمة الإسلام:
وبعد بيان خطورة هذه الظاهرة وآثارها ودوافعها يأتي السؤال الملح: ما السبيل لمواجهتها وتخفيف غلوائها في الأمة ؟ والعمل لهذا العلاج يرجع إلى ثلاث فئاتٍ في الأمة:
أولها: محترفوا التصنيف أنفسهم بالحذر من سلوك جادة يمسهم منها عذاب الله؛ فلا يغب عن بالكم ياهؤلاء أن “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، ولا يعزبُ عن أذهانكم ياأولئك حديث أبي هريرة في الصحيح: “أتدرون من المفلس”.. وأثر عمر الذي رواه الإمام أحمد – رحمه الله -: “لا يعجبنَّكم طنْطَنة الرجل، ولكن من أدَّى الأمانةَ وكفَّ عن أعراضِ الناسِ فهُو الرجل”.

لَا تُرْسِلَنَّ مقُولةً مشهورةً لا تسْتطيعُ إذَا مضَتْ إدْراكَهَا
لا تبدين بهيئة نقيتها وتحفظن من الذي أنباكها

فإلى محترفي التصنيف ومسوغيه: لتعلموا – هُدِيتُمْ إلى الرّشَاد – أنكم بهذه المشاقّة قد خرقتم حرمة الاعتقاد الواجب في أخوة الديانة، ولسوف يحصد الزوبعة مَنْ حرَّك الريح.. فالزموا – عافاكم الله – تقوى الله ومراقبته والإنابة إليه واستغفاره، واحذروا صناعة المفاليس هذه:

لعَمْرِي لقدْ نبَّهْتُ مَنْ كان نائِما وأسْمَعْتُ مَنْ كانَتْ لهُ أُذُنَان

أما مَنْ يعاني أزمةً في الضمير ولوثةً في الفكر وقد تَمَكَّن منه الداء فنعوذ بالله من الشقاء، ولا يأْس مِن رحمة أرحم الرحماء، أما من رُمِيَ بالتنصيف زورًا وبهتانا فله البُشْرى والسلوى في مثل قول المولى – جل وعلا -: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43].

ومَا أَحَدُّ مِن ألْسُنِ النَّاسِ سَالِم ولَوْ كانَ ذاكَ التَّقيَّ المهَذَّبَا

فاستمسك بما أنت عليه من الحق المبين، وقد ذكر الحافظ بن عبد البر: “أنه كان يُقال: يُستَدلُّ على نباهة الرجل بتباين الناس فيه، وهذه صفة أهل النباهة ومن بلغ في الدين والفضل الغاية والنهاية” انتهى كلامه – رحمه الله -.

فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، ولا تبتئس بما كانوا يعملون، ولا يثنِكَ هذا الإرجاف عن موقفك الحق؛ فالثبات الثبات متوكلًا على مولاك.. والله يتولى الصالحين.. وليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء والصفاء والرحمة بالخلق ما يحملك على استيعاب الآخرين وإن خالفوك، وكظم الغيظ والإعراض عن أعراض الوالغين، ولا تشغل نفسك بذكرهم.. فهذا غاية بنبل النفس وصفاء المعدن وحسن الشمائل، وأنت بهذا كأنما تُسِفُّ القوم الملّ، والأمور مرهونةٌ بحقائقها.

أمة الإسلام:
ولعل أبرز الآثار السلبية في انشغال فئامٍ من الأمة بهذه الظواهر والمظاهر الخطيرة ما آل إليه الأمر في تردِّي واقع الأمة حين شُغِلتْ عن كبرى قضاياها وما آل إليه أمر مقدساتها حين توارت في بحار الفتن أشرعتها وتاهت في سواد المحن راياتها وتهاوى من لدن صهيون أحقادها.. ولعل ما يعانيه (المسجد الأقصى المبارك) هذه الأيام من محنة كبرى من أجلى الشواهد على ذلك مما يتطلب من المجتمعات الدولية والهيئات العالمية والأمة الإسلامية تحمل مسئولياتها الشرعية والتأريخية والإنسانية في الدفاع عن (الأقصى) وصدِّ محاولات تهويده وتدنيسه.. فلتسلم قدسنا، وليبشر المقدسييون.. بل والمسلمون كافة بقرب الفرج وبريق النصر و انبلاج الفجر – بإذن الله -:

فَاسْلَمِي يَاقدسُ إنَّا لِلْفِدَا يَدًا إنْ مدَّتِ الدُّنْيَا يَدَا
أَبَدًا لنْ تَسْتَكِينَ أبَدَا إنَّنِي أَرْجُوْ مَعَ اليَوْمِ غَدَا
{يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 4-5].

نفعني الله وإياكم بهدْي كتابه وبسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله – العظيم الجليل – لي ولكم ولكافة المسلمين من كل خطيئةٍ وإثم؛ فاستغفروه إنه كان غفارا، وتوبوا إنه كان توابا.

الخطبة الثانية

حمدًا لك اللهم حمدًا حمدا، نشهد أن لا إله إلا أنت قلت في محكم التنزيل وأصدق القيل: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبدك ورسولك وخليلك ومصطفاك وحبيبك ومجتباك، صلى عليه الله ما ليلٌ سجى وما صبحٌ بجا، وسلِّم تسليمًا سرمدًا أبدا، وبارِكْ تبريكاً مزيداً.

أما بعد:
فاتقوا الله – عباد الله -: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

أيها الإخوة الأحبة في الله:
لا يخفى على شريف علمكم أن من الأصول الشرعية تحريم النيل من أعراض المسلمين؛ فالأصل بناء حال المسلم على السلامة والستر وحسن الظن، واليقين لا يزول بالشك وإنما يزول بيقينٍ مثله، والأصل براءة الذمة.. وكم من خبرٍ لا يصح أصلًا، وكم من خبرٍ لو صح لكن يرد عليه من الإضافات واللاوازم الباطلة أو التجزئة والانتقائية بما يحرف به الكلم عن مواضعه.. وبالجملة.. فلا تقرر المؤاخذة إلا بعد أن تأذن الحجة ويقوم عندك قائم الدليل والبرهان كقائم الظهيرة، ومن تجاوز ذلك بحق متقين فهو المفتون الخارق لحرمة الشريعة.

والمسلم الحق لا يكون معبرا تمرر عليه الواردات والمختلقات، ولا يطير الأخبار كل مطار بلا تثبت ولا روية ثم ينشر بلسانه بلا وعي ولا تعقل:

إن البدار برد شيء لم تحط علما به سبب إلى الحرمان

فالله الله في التزم الإنصاف والعدل حتى مع المخالف واحترام اجتهاده وتقدير آرائه:

ولمْ تزَلْ قِلّةُ الإنْصَافِ قَاطِعةً بيْن الرِّجال وإنْ كَانُوا ذوِي رحِمِ

والحذر الحذر من الفتَّانين المتجنِّين على أعراض المسلمين ممن سيماهم توظيف النصوص في غير مجالها، فإذا رأيتهم فارثِ لحالهم وادعُ لهم بالعافية ولا تكن عونًا للشيطان عليهم؛ فإن ذلك السُّمُّ الناقع، وتسلح بالدعاء أن يُقِيل الله العثرة ويغفر الزلَّة.

لكن مما يطمئن – بحمد الله – أن هذه الوعكة اليسيرة مصيرها – بإذن الله – إلى الزوال والاضمحلال، لا بأس.. طهورٌ إن شاء الله.. وهذه اللوثة الطارئة تنطفئ عن قريب – بحول الله – بالفيئة إلى جماعة المسلمين والاعتزاز بأخوتهم وصفاء الأخوة لهم كيف وقد اجترعوا من لألاء التصافي الرضابا ونهلوا من رحيق الود شهدا ورضابا، وتلكم هي عظمة الأخوة العتيية وحقيقتها الألقة الفريدة.. ممتثلين المنهج القرآني: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].

ألا وإن من التحدث بنعم الله ما مَنَّ الله به على بلاد الحرمين الشريفين – حرسها الله – من دعوةٍ إصلاحيةٍ رائدة وجماعةٍ شرعيةٍ واحدةٍ على منهج الكتاب والسنة منذ تعاهد الإمامان وتعاقد المحمدان – رحمهما الله – إلى عهد الإمام المؤسس والملك الموحد – طيب الله ثراه – في ظل وارف من راية الاجتماع والتأليف ومنأى عن غائلة الفرقة والتصنيف بحمد الله ومنه.. زاده الله وحدةً وتماسكًا ورخاء، وحفظ عليها عقيدتها وقيادتها وأمنها واستقرارها إنه جود كريم.

هذا.. وصلُّوْا وسلِّمُوا – رحمكم الله – على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم – جل في علاه – فقال تعالى قولًا كريما: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].

إن شئت من بعد الضلالة تهتدي صلي على الهادي البشير محمد
يا فوز من صلى عليه فإنه يحوي الأنامي بالنعيم السرمدي

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك نبينا محمدٍ وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آله وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارض اللهمّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء ذوي القدر العليِّ والشرف الجليِّ – أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وعلي أبي السبطين – وعلى سائر الآل والأصحاب ومن سار على نهجم واقتفى ياخير من تجاوز وعفا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا.. اللهم وفق خادم الحرمين الشريفين إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وهيئ له البطانة الصالحة، اللهم كن له على الخير معينًا وظهيرا ومؤيدًا ونصيرا ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.. اللهم وفق ولي عهده ونائبه الثاني وإخوانهم وأعوانهم إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد.. اللهم وفق قادة المسلمين. اللهم وفق قادة المسلمين.

اللهم حرِّر مقدسات المسلمين. اللهم حرر مقدسات المسلمين. اللهم حرر مقدسات المسلمين..اللهم أنقذ المسجد الأقصى. اللهم أنقذ المسجد الأقصى. اللهم أنقذ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين وكيد الكائدين، اللهم اجعله شامخًا عزيزًا إلى يوم الدين يارب العالمين.

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكرويين، واقض الدَّين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت.. أنت الغني ونحن الفقراء؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا، اللهم إنَّا نستغفرك إنك كنت غفارا.. فأرسل المساء علينا مدرارا.. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

عباد الله:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

-- الشيخ عبد الرحمن السديس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*