الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » مقصد حفظ النفس

مقصد حفظ النفس

ملخص الخطبة

1- عجز الحضارة الغربية عن تحقيق الأمن والسلام. 2- فضل شريعة الله تعالى. 3- مقصد حفظ الدين. 4- مقصد حفظ النفس. 5- تعظيم الإسلام لأمر الدماء. 6- استنكار جريمة قتل الفرنسيين الأربعة.

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فيا عباد الله، اتَّقوا الله رحمكم الله، فبالتقوى ينقادُ للأمة ما التَوَى، وتنجو بإذن الله من التَّوى، ونعوذ بالله ونبرَأ إليه من كلِّ من قصَدَ الشرَّ بالأمّة وانكوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18].

أيّها المسلِمون، التأريخُ في ظاهِرِه لا يزيدُ عن إخبارٍ، وفي بَاطِنه نظرٌ وتحقيق واعتِبار، وساعةُ الاستبصار في هذه القاعدةِ والتدقيق يؤُمّنا جليًّا كَونُ الأمَم المزهُوَّة تمجُد بدَساتيرها المتلُوَّة وقوانِينِها المنتَخَبة المجلوَّة ونُظُمِها التي انطوَت غاياتِها المرجُوَّة، ومع ذيَّاك التماجُد والازدِهاء هي عَاطِلةٌ عن إمدادِ العالم بالأمنِ والاستِقرار والسّلام وإحياءِ مواتِه بالتراحُم والمودَّة والوِئام، بل ما زادَته إلاّ اقتتالاً وإبادَةً للأرواح واغتيالاً.

بيدَ أنَّ شريعةَ الملك الديّان التي سطَعت في سماءِ العزة والكمال وجوزَاءِ الإحكام والجلال قد تنزَّلت بحمد الله بالدستورِ الخالد الأعمّ والمنهاج الشاملِ الأتمّ، وذلك بما جمَعَت في ثِنيَيها مِن قواعدِ الأحكام ومصالحِ الأنَام وأصولِ العقائد ودعائمِ الأخلاقِ والسّلوك وأُسُس السياسة الشرعية ومبادئ الاتفاقِ والاجتماع بما يَشوقُ النُّظّار ويشنِّف الأسماعَ وما يعمِّم البركات في شتى الأصقاع، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89]؛ متوخِّيَةً في أسِّها وعمادِها وروحِها وسِنادِها شِرعةَ المقاصد السامِية، وفي الطليعةِ منها حفظُ الضرورات الخمس: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، على ما قرَّره علماء الشريعة، ومنهم الشاطبيّ رحمه الله في موافقاته.

أمَّا حفظُ الدِّين فيتمثَّل في حفظِ العقائد والعبادات من البدع والشركيّات، والأحكام عن التحريفِ والضالات، والمعاملاتِ عن الإسراف والمغالاَة، مع تَثبِيتِها في القلوبِ لعِبادة علامِّ الغيوب، وصِيانةِ الديانة وحماية الملّة من تيّارات الإلحاد والزندقة وموجات الانحراف العقديِّ والفكريّ التي تنال ثوابتَها وتمسّ جوهرَها وتطال رموزَها الذين ينفُون عن دين الله تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين؛ إذ لا يستَقِيم للأمم من دونها حال، وأنَّى تفلِح إن أعوَزها الدين في العاجل والمآل؟!

معاشرَ المسلمين، ومحوَرُ تلك المقاصد وعنوانها وجَوهرُها بعد حفظِ الدين وإنسانُها حِفظُ النفسِ البشريّة التي كرَّمها الله وشرَّفها، وصانها بأبلغ الحدود والزوَاجر فعرَّفها، وجعَلها قالَبَ حِفظ الدين ووِعائه الثمين، ونوَّه بها في لَذيذ خطابِه وأقسَم بها في محكَم كتابه، فأعلى شأنها وزكّاها، فقال عزَّ مِن قائل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: 7]، وقال جلَّ اسمه: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: 151]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمِية رحمه الله: “أمرُ الدماء أخطرُ وأعظَم من أمرِ الأموال”.

أجَل يا إخوةَ العقيدة، لقد غالى الإسلامُ بالنَّفسِ الإنسانيّة المُضانَة فأحلَّها مراقِيَ العلو والكرامَة، فكان تكريمه وتبجيلُه لها أفضلَ ما عرَفته النظُم من احتفاء وتأمين، وضنًّا بها أن تُزهَق دون حقٍّ مبين، كيف وقتلُ النفس تحدٍّ لخلقِ الله وحِكمته وتعدٍّ على قدرتِه ومنَّته؟! وما كان القتلةُ ولا يزالون عبرَ التأريخ إلا الوحوشُ الكاسِرة والنفوس الغُلف الخاسِرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الفسادُ إما في الدينِ وإمّا في الدنيا، فأعظم فسادِ الدنيا قتلُ النفوس بغير الحقّ؛ ولهذا كان أكبرَ الكبائر بعدَ أعظمِ فسادِ الدِّين الذي هو الكفر”، وقال رحمه الله: “فلا بدَّ إذا ظلم الناسَ ظالم وأخذ يسفِك دماءَ الناس ويُهلك الحرثَ والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرَر أن يُدفَع هذا القدر، وأن يعاقَب الظالم بما يكفُّ عدوانَ أمثاله”.

إخوةَ الإيمان، ولئِن اشرأبَّتِ الإنسانِيّة المرزَّأةُ بالفَواجِعِ والحروب المُرِنّة بدفائنِ الأضغانِ والخطوب إلى دروبِ السِّلم وكريمِ الحياء ونقاء السرائرِ وإشاعة الهناء ومعالجَةِ ظواهر تساهُل الناسِ بالدِّماء واستمراءِ القتل وتناثُر الأشلاءِ، حتى أصبحَت أمّتُنا عَلَى أَنباءِ إطلاَقِ النّارِ تصحو، وعلى أخبارِ القَتل والترويعِ تغفو، فإنّها واجِدتُها بأجلَى ما يكونُ الوجود وأبدَعِ ما تكون الحقائقُ المرتجاة في ملَّةِ الإسلام ومشكاة خير الأنام عليه الصلاة والسلام القائلِ: ((أوَّلُ ما يقضى بين الناس يومَ القيامة في الدماء)) أخرجه الشيخَان. علَّق الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله: “وفي الحديث عِظَم أمرِ الدّم؛ فإنَّ البَداءَةَ إنما تكونُ بالأهمّ، والذنب يعظُمُ بحَسَب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدامُ البنيَة الإنسانيّة غايةٌ في ذلك، وقد ورَد في التغليظِ في أمرِ القتل آياتٌ كثيرة وآثار شهيرة” انتهى كلامه رحمه الله.

وآيةٌ في هديِة عليه الصلاة والسلام لا تُدفَع؛ لما وافى مكّةَ منتصرًا ظافرًا ما بسَط من الأمن والعفوِ بين يدَي شِداد مكّةَ وعُتاتها إلاّ حَسمًا للدِّماء أن تُهرَاق وحِفظًا للأنفس البريئة من الإزهاق بأبي هو وأمي ، كيف وقد أعلَنَها مجلجِلَةً للعالم أجمع بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرام)) خرجه الشيخان.

أمّةَ الإسلام، ويبلُغُ كَلامُ المنّان ذِروةَ البرَاعةِ في أوجِ التِّبيان ورِيقِ الزَّجرِ والتّشنيع وزُبى التهديدِ والتفظيعِ لمن يوبق نفسًا معصومةً بغير حقٍّ في قوله سبحانه: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32]. وهذا الحكمُ الرّبانيُّ حافٍزُ الأرواح لما يسمو بها ويزكِّيها، ويصون الأنفس بالزواجر والحدود ويقيها. ولن يستقيمَ العالم المحروبُ وهذا الواقِع المنكوب إلاّ إذا التَأَمَت أحوالُه مَعَ أحكامِ الشريعة وانسَجَمت أطوالُه مع مقاصِدِها الجليلة الرفيعة، سيّما في حفظ النفوس والمُهَج إذ هي عقيدةٌ ومنهج والحقُّ فيها ظاهر أبلَج.

فيا أمّة الإسلام، ألم يئِنِ الأوانُ أن يُشيح المسلم الوشاحَ ويمنَعَ إشهارَ السلاح في صدور أشقّائِه ويكونَ كلّ أخ دِرعاً لإخوانه بعدما أُغرِقت الأمّة في مستنقَعات العنفِ والدمويّة؟! وهي رِسالةٌ بالحبِّ مُفعَمَة نرسِلُها بالعبق والدعاءِ مضَمَّخَة إلى كلِّ من رفع السلاح على أخيه، إلى الإخوةِ في فلسطين والعراقِ والصومَال وغيرِها؛ حَيث يحمَلُ السلاح بين أبناءِ الملَّة والأشقاء فوقَ كلِّ أرضٍ وتحت كلِّ سماء. وقد ورد في صحيح الأخبار عن النبي المختار عليه الصلاة والسلام: ((من حمَل علينَا السِّلاحَ فليسَ منّا)).

والنفسَ صُنهـا وعامِلها بإشفـاقِ وحَاذِرَن سَفكَها يومًا بإزهَـاقِ

وإن تـرُم جَنَّـةً زينَت بأشـواق فصُن دماءً زكت دومًا بآفـاقِ

أيّها المؤمنون باللهِ واليومِ الآخر، وكلَّمَا لاءَمَ النسيانُ الجِراح وعَنَّاك سماعُ ما عظُمَ أن يُستباح نكأَتِ الحوادِثُ الحمراء الأتراحَ، وشَرَخَتِ الحنايا بالغمِّ والسهومِ والأفئدةَ بالأسى والوجوم، وذلك فيما أسلَمَ مُعاهَدون ومسلِمون أرواحَهم لِذِمام هذهِ الدِّيار؛ ينعمون بأمنِها السابغ السيَّار، وإذ بفئةٍ آبقة وشِرذِمة وامِقَة قد استمرَأَت الغِلظةَ والبَغيَ والعدوان وحادّت شريعةَ الرحمن واستَوبَأت إِشرَاقةَ الوَفاء بالعهد وكلَّ أمانٍ سرى في عقدٍ، يُزهِقون دماءَ تلك النفوسِ الآمنة بين تلالِ الرمال وسُفوح الجبال، وعلى مقرُبَةٍ من بلَد الله الحرامِ ومسجدِ رسوله المصطفَى المختار سيِّد الأنامِ ، في وحشيّةٍ ونِكاية وأبشَعِ لؤمٍ وجناية، فَأيَّمُوا نساءً في أزواجهن، وأثكَلوا أمّهاتٍ في أبنائِهِنّ، وغادروهنّ ـ ويا وَيحَ الغُدَر ـ على حُرقةٍ تنمو مَرارَتها وفجيعةٍ تذكو حرارتها. فيا لله! يا لله! كيف تجرُؤُ نفوسٌ سليمة وفِطَر مستقيمة على الإِقدام على مثلِ هذه الأفعال الشنيعة؟! أمِن صخرٍ قُدَّت، أم مِن جبالٍ هُدَّت؟! فالله المستعانُ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فما اعتذارُك فِي يوم الحسـاب إذا جئتَ المليكَ الذي سوّاك إنسانًا؟!

وقال: أيـن الذي بالجُرم جـاهرنا عمدًا وجهرًا وإسرارًا وإعـلانًا؟!

ولما كان الناس ـ يا رعاكم الله ـ بينَ بَرٍّ تقيّ وفاجر شقيّ قد تأصَّل الإجرام في نفسِه وأصبح عضوًا مسمومًا في مجتَمَعة يستحقّ البترَ والاستئصال، ومن أجلِ كينونَةِ النفوسِ العليلة الباطِشَة الشِّرّيرة ودفع القتل المريع رتَّب المولى جلّ في علاه العقوبةَ القصوى على هذه الجريمة النكراء، يقول جل شأنه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93]، ويقول في تهويلٍ هائِل ترعُد له فرائصُ السامِعِ والقائل: ((لَزَوالُ الدنيا أهونُ عند الله من قتلِ رجلٍ مسلم)) أخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وبما نَقَضَ العهودَ والمواثيقَ للمستأمنين يقول : ((مَن قتَل معاهَدًا لم يرح رائحةَ الجنة يوم القيامةِ، وإنَّ ريحَها ليوجَدُ من مسيرةِ أربعين عامًا)) أخرجه البخاري.

هذا، وقد تسَامَى الإسلامُ في رِعاية شأنِ الوفاء بالعهود واحترَامِ أهلِها إلى أرفع مراتب التسامي، فلا توتَرُ أموالُهم، ولا تُرع أحوالهم بالإيجافِ، ولا يُهاجون برعبٍ أو إرجاف، وفي توجيهٍ نبويٍّ مُغْرَوْرِقٍ بالرحمةِ والإحسان دفّاقٍ بالتلطّف والحنان يقول : ((ألا من ظلَم معاهدًا أو تنقَّصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذَ منه شيئاً بغير طيبِ نفس فأنا حَجيجه يوم القيامَةِ)) أخرجه أبو داود. الله أكبر، يا لها من مُحاجَّةٍ للتَّكليف فوقَ الطاقة! فكيفَ بمن عمَد إلى الأرواحِ فقتَّلها والأنفسَ فهتكها والجوارح فمزَّقها وبتَكَها؟! لا جرَمَ أنّه أمرٌ نُكر كُبَّار، يجِلّ لُؤمُه عن الوصف، ويقصُر عن فَظَاعتِه الرّصفُ.

ألا فليعلَمِ العالم طُرًّا قاصيه ودانيه أنَّ الإسلام وأُمَم الإسلام وبلادَ الإسلام وعلماءَ الإسلام براءٌ من تلكَ الويلات والجرائم الكبار التي انتهكَت الأعرافَ والقِيَم، ناهيك عن المشاعر والشعائر، ولن تخدِشَ بإذن الله هذه الأعمالُ النَّشاز والأفعال الآحاديّة جمالِيّات هذا الدين، ولن تشوِّهَ إشراقاتِه بحول الله، ولا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله.

ألا فكونوا ـ عبادَ الله ـ دونَ أمنِ هذه الدّيار صفًّا ملتَفًّا، وساعداً لعزَّتها وشموخِها وكفًّا، ودفعًا لصولاتِ الباغين وكفًّا. أدام الله على بلادِ الحرمين الشريفين وعلَى سائر بلاد المسلمين مديدَ الأمن ووارِفَ الظلال ووطيدَ العدلِ وضافيَ الإفضَال، ولا زالَت من اللهِ محفوظةً مكلوءَة في رعايةٍ وافيَة ووقاية مانِعَة كافيَة، إنه نعم المولى ونِعمَ النصير.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: 33].

بارك الله لي ولكم في آي الكتاب، ونفعني وإيّاكم بسنّة النبيّ المصطفى الأوّاب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب وجريرة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو البرّ الرّحِيم.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمد لله؛ خصَّنا بشريعةٍ عمَّت مَزَايَاها، فأسعَدَت أمّتَنا في دينِها ودنياها، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً تحطّ عن النفس زلاتها وخطاياهَا، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله المبعوثُ بأكمل الشرائع وأسماها، صلّى الله وسلَّم وبارك عليه خيرُ من زكَّى النفوسَ وبالإيمانِ أحياها، وعَلَى آلِه وصحبِه أبرّ الأمَّة أفئدةً وأتقاها، ومَن تبعهم بإحسان إلى يومِ الدين.

أمّا بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حقَّ تقاته، وبادروا الأجلَ بالصالحات قبل مُوافاتِه، وليسعَ كلٌّ لإعتَاق نفسِه من الآثام ونجاته، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281].

أمَّة الإسلام، ولما كانت شَريعتُنا البلجَاءُ بهذا المنتهَى من حفظ الدماء وإعلائِها وعِصمتها وإغلائِها وأصَّلَت ذلك خُلقًا للمؤمنين في حياتهم وسجيّةً في معاملتهم بما غدَا مثلاً مضروبًا في صحائِفِ التأريخ الزُّهر، فقد أسلمت لها قلوبُ البشريّة زمامَها، وتفيَّأَت عَبرَ العصور وكَرِّهَا أمنَها وسلامها، شهِد بذلك البُعَداء قبل الأخلاء.

وأمّا ما اجتُرِح واجتُرِم من قِبَل مُلتاثي الدِّينِ والشِّيَم وملَوَّثي الشهامةِ والقِيَم ممّا يُضارّ الرحمةَ والإنسانيّة ويشاقِق الهداياتِ المحمدية فضلاً عن إسخاطِ ربِّ البرية فما هو ـ أعاذَنا الله وإياكم ـ إلاّ ضلالٌ في المعتَقَد وتخبّطٌ في الفِكر وإفلاسٌ في المنهَجِ وانحرافٌ في العقولِ وانتكاس في الفطَر، باعِثُه اتِّباع الشّيطانِ والهوَى وانعِدام الفَهم وانطِماس البصِيرة وتغلغُل الوهم، وداعِيهُ الإفلاس الفكريّ والمنهجيّ والتخبُّط العقديّ والدينيّ وشَقُّ عصا الطاعة والخروجُ عن الجماعةِ، يقول : ((من خرج عن الطاعةِ وفارق الجماعة فمات ماتَ مِيتةً جاهلية)) أخرجه الشيخان.

وفيه إلماعٌ بأنَّ وَراءَ الأكِنَّة لا تَزالُ الشُّخوص مجتَنَّة، عَفَّى البارِي عَينَها وأحانَ حَينَها؛ مما يدعو إلى تعاوُن الأمة بكافّة قَنَواتها وشتَّى أطيافها على رعايةِ أمنها وحِفظ استقرارِها وتهيِئَة الحصانة العقديّة والفكريّة وتربيةِ الأجيال على الاعتدال والوسطيّة والحذَر ممن أسباب الإثارةِ وعوامل الاستفزاز أيًّا كان مصدرُها وموردها.

إخوةَ الإيمان، وشريعةُ الرحمن البديعة لا يمرُق عن حدودها مارق ولا يفارِق جماعتَها غالٍ مفارق إلاَّ تلَّ الحقُّ للحدِّ خدَّه، وأنصفَ العدلُ هزلَه وجِدَّه، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30].

ألا فاحذروا ـ أيّها الأحبّةُ ـ دعاةَ الفِتن والشرور ودواهِيَ القلاقل والثّبور، وصونوا الأنفسَ عن هواها، واخشَوا إِبَاقَها بالمعاصِي ورَداها.

ثم صلّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على الرسول المصطَفَى والنبيِّ المجتَبى والهادي المقتَفَى والحبيبِ المرتضى، كما أمركم بذلك ربّكم جلّ وعلا، فقال تعالى قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على حبيبِك ومصطفاك ونبيِّك ومجتباك محمّد بن عبد الله، وارض اللّهمّ عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين…

-- الشيخ عبد الرحمن السديس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*