الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » أهمية النصيحة وآدابها

أهمية النصيحة وآدابها

ملخص الخطبة

1- معرّة التنافر والتدابر. 2- طريقة تقويم المجتمعات. 3- الفرق بين مجتمع النصح ومجتمع الغش. 4- أهمية النصيحة. 5- حقيقة النصيحة. 6- خطورة الاستنكاف عن بذل النصيحة وعن قبولها. 7- آداب النصيحة. 8- وجوب قبول النصح والنقد من أي شخص كان. 9- العدل والإنصاف. 10- الدين النصيحة.

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّهَا النّاس ـ ونَفسي بتقوَى الله سبحانَه، فهي للنّفسِ زِمام، وللهوَى خِطامٌ، وللشّهوات والملذّات فِطَام، فَ?تَّقُواْ ?للَّهَ ي?أُوْلِى ?لألْبَـ?بِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 100].

أيّها النّاس، النُّفرة والتّدابر سِمةٌ من سِماتِ المجتمعاتِ المنفَكَّة، ومعرَّةٌ كبرَى تَأسَف لها قُلوبُ المشفِقِين من ذوِي البصائر، وإنّ قلّةَ الإنصافِ وشُيوعَ المذقِ لهما مِعوَلان من معاوِل تقويضِ البِناء للصَّرح الإسلاميّ الشامخِ، والنَّقدُ الموجَّه والنُّصح الهادِف الموافِقان لمرادِ الله ومرادِ رَسولِه هما لبِنتَان من لبِنات الحِصنِ العَزِيز للمجتمَع المسلِم المتكامِل الَّذي تجتمِع قلوبُ بنيه على رِعايةِ الصّالحِ العامّ الخاضع لرضَا الله جلَّ وعَلا، لاَ رِضَا الأهواءِ والشّهوات والأنفُسِ الَّتي تألَف مَا يُسخِط اللهَ لا ما يُرضيه.

ومِن هُنا فإنّ لِكلِّ رامقٍ بعَين البصيرةِ أن يقرِّر حُكمَه على المجتمَعاتِ سلبًا وإيجابًا مِن خِلال ما يشاهِده في السّلوك العامِّ والأنماطِ التي تخضَع للمعايِير الآنفِ ذكرُها.

أَلا إنّ الفرقَ وَاضحٌ والبَونَ شاسع بين مجتَمَع تغشَاه النصيحةُ على قَبولٍ وترحاب وبين مجتمعٍ آخر يجعَل أصابعَه في آذانِه ويستغشِي ثيابَه ويصرّ ويستَكبر استكبارًا، أَمْ نَجْعَلُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ كَ?لْمُفْسِدِينَ فِى ?لأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ?لْمُتَّقِينَ كَ?لْفُجَّارِ [ص: 28].

أيّها المسلِمون، لَقَد كانَت مبايعةُ الصحابةِ رضوان الله عليهم للنّبيِّ قائمةً على رَكائزَ عُظمَى ومقرَّراتٍ جليلة، كَان من أهمِّها بذلُ النّصحِ للمسلمين والإشفَاقُ عليهم والحِرصُ لهم، ففي الصحيحَين من حديث جرير بنِ عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: بايَعتُ النبيَّ على إقامِ الصلاةِ وإيتاء الزَّكاة والنّصحٍ لكلِّ مسلِم[1].

النّصيحةُ ـ عبادَ الله ـ كلمةٌ يُعبَّر بها عن جملةٍ هي إرادَةُ الخير للمَنصوحِ له، وأصلُ النّصح هو الخُلوص والصَّفاء والصِّدق وعدمُ الغِشّ، ولذَا كان لِزامًا على كلّ مجتمعٍ مسلِم أن يجعلَ لهذهِ الشّعيرةِ محلاً واسعًا في حياتِه واهتمامًا بَالغًا لا يَقِلّ مستوًى عن الاهتمام بالجوانِبِ الصحيّة والأمنيّة والمعيشيّة.

والحقُّ الذي لا غُبارَ عليه أنّه لا خيرَ في مجتَمَعٍ أفئدةُ بنِيه في التّناصح هَواء، ولا خيرَ في مجتمعٍ آذَانُ ذويه كالأقماعِ يدخُلهَا النّصحُ مع اليُمنَى فلا يلبَث أن يخرجَ مَعَ اليُسرَى.

إنّ استِنكافَ المجتمعات والأفرادِ عَن بذلِ النّصح والتَّقويمِ لهو سببٌ للعِوَج والتِّيه في الدّنيا والعُقوبةِ والمقتِ من ربِّ العالمين في الآخرة، لَّن يَسْتَنكِفَ ?لْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ وَلاَ ?لْمَلَئِكَةُ ?لْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا [النساء: 172].

إنّ اللَّجاجةَ والنُّفرةَ مِن أَصواتِ النّاصِحين المخلِصين ليُعدُّ طَبعًا لئيمًا مِن طَبائع أَعداءِ الأنبياءِ وخُصومِهم، وهو فُتوقٌ لا يرقِّعه أيُّ رُتوقٍ لا يكون مصدَرَه النّصحُ لله ولرسولِه ؛ ولذا قال الله تعالى عن صالحٍ عليه السلام يخاطب قومَه: فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَـ?قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ?لنَّـ?صِحِينَ [الأعراف: 79]، وقال سبحانه عن شعيبٍ عليه السلام: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ [الأعراف: 93]

إنّ النّصحَ بَينَ المسلِمين أفرادًا ومجتَمعًا ليُعدُّ أمارةً من أماراتِ الاهتِمام بالصّلاح والإصلاح، وبإحياءِ الشّعيرة المفروضةِ شَعيرةِ الأمر بالمعروف والنّهيِ عن المنكر في واقعِ حَياتِهم، وبيانِ حُجّة أهل السنّة والجماعة وجِهادهم لنصرةِ الحقّ بالقلم واللّسان كما قد كانَتِ النُّصرة كَرّاتٍ ومَرّات بالسّيف والسِّنان، ولاَ أقلَّ من ذلك على وَجهِ فرضِ الكفاية، فضلاً عَن خطورةِ إهمال هذا البابِ والوقوع في مغبّةِ مجانَبَته، ومن ثمَّ الاتِّصافِ بما حذَّر منه النبيّ بقوله: ((من لا يَهتمّ بأمرِ المسلمين فليسَ منهم)) رواه الطبراني[2].

النُّصح ـ أيّها المسلمون ـ ينبغِي أن يقومَ على آدابٍ جُلَّى وسِماتٍ غُداف، تجعَل الحقَّ من خِلاله مقبولاً والنّصحَ بين النّاس مَنشورًا وبَاذِلَه والمتسبِّبَ فيه مأجورًا غيرَ مأزور.

فينبغي للنّاصِح أن يقومَ بالنِّيَّة الخالصةِ لله، وإلاّ كان نِفاقًا ورياءً، كما ينبغي أن ينطلِقَ نصحُه من بابِ المحبّة والإشفاق بالآخَرين، فهو أحرَى لأن يبارِكَ الله فيه ويبلُغَ المقصود، وقد قال الفضيلُ رحمه الله: “الحبُّ أفضَلُ من الخَوف، ألا ترَى إذا كان لكَ عَبدان مملوكان: أحدُهما يحبّك والآخر يخافك، فالذي يحبّك منهما ينصحُك شاهدًا كنتَ أو غَائبًا لحبِّه إيَّاك، والذي يخافك عَسَى أن ينصحَك إذا شهِدتَ لِما يخافُك، ويغشّك إذا غبتَ عنه ولا ينصحُك”[3].

يُضاف إلى ذلكم ـ عبادَ الله ـ الصدقُ في النّصيحة والسِّتر وإرادةُ الإصلاح، لا إظهار الشّماتة والتّعيِير؛ لأنّ السِّترَ في النّصح من سمَاتِ المؤمن الصادق، فإنّ المؤمنَ يستُرُ وينصَح، والفاجِرَ يهتِك ويُعيِّر.

كما ينبغي للنّاصح أن يُصابرَ ويجاهدَ نفسَه على تحمُّل أعباءِ هذا المَيدانِ وما قد ينالُه فيه من صُوَرِ الشّماتة والاستكبار المنطلقة يمنةً ويسرة من أفواه الناكصين عن النُّصحِ والقاعدين بكلِّ صراط يوعدون ويصدّون عن سبيل الله، ولقد أحسنَ ابن القيّم رحمه الله حينَ قال: “فالسعيدُ الرّابح من عامَل الله فيهم ولم يعامِلهم في اللهِ، وخافَ الله فيهم ولم يخَفهم في الله، وأرضَى الله بسخَطِهم ولم يُرضِهم بسخطِ الله, وراقَب اللهَ فيهم ولم يُراقِبهم في الله”[4].

ثمّ اعلموا ـ يا رَعَاكم الله ـ أنّه لا يَضرّ المرءَ ما يُلاقيه ممّن يَشرَقون بالنُّصح ويتأفّفون بالتّوجيهِ والإرشادِ ويهوِّشون ويشوِّشون بادِّعاءِ الكمالِ الزائِف الذي يَستنِكرون بسبَبِه نصحَ النّاصحين، بل يعدّونَه ضَربًا من ضروبِ التّعيير والتَّدَخّل فيما لا يعني، ويا لله ما اعتِذارُ المرءِ إذا عُدَّت محاسِنُه التي يُدلِي بها ذُنوبًا وعُدوانًا؟! ولقد صَدَق من قال: “إنَّ الحياةَ في سبيلِ الله والثباتَ عليه أشدُّ وأصعَب من الموتِ في سبيلِ الله”.

إنّ المسلِمَ إذا نَظرَ بِعينِ الصّدق والتجرُّد والإنصافِ وجعَل طَلبَ الحقّ هو الدَّيدنَ لقَبِل مَا يُوجَّه إِليه من نصحٍ ونَقدٍ في الحقّ، ولَعَلِم أنّ الأمةَ لا تقومُ إلاَّ بالتناصُح الجادِّ وبقولِها للمصيب: “أصبتَ” وللمخطئ: “أخطأتَ”، وأن لا يكونَ للسّخَط والشنآن أو المودَّةِ والقُربى تأثيرٌ في الميزان، وإنّما يكون العدلُ وحدَه في الغضَب والرّضا والمودَّة والعداوَة كما قال الباري سبحانه: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِ?لْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ?لْو?لِدَيْنِ وَ?لأقْرَبِينَ [النساء: 135]، وكقوله سبحانه: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِ?لْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ?عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? [المائدة: 8].

وإنّه لَيُعلَم مِن هَذا ـ عبادَ الله ـ أنّ عينَ الرِّضا قد تكِلّ عن كلّ عَيبٍ، كما أنّ عينَ السُّخط لا تبدِي إلا المساوئ، وأنّ المرءَ قد ينظر بِعينِ عداوةٍ لو أنّها عينُ الرّضَا لاستحسنَ ما استقبَح.

وجِماع الأمرِ في هذا ـ عبادَ الله ـ هوَ العدلُ والإنصَاف، ورَحِم الله الإمامَ أبَا عبدِ الله ابن بطّة حينما تحدّث عن النّصحِ وقَبولِ الصَوابِ من الغير فقال: “واغتِمامُك بصوابِهِ غِشٌّ فيك وسوءُ نيّة في المسلمين، فاعلَم ـ يا أخي ـ أنّ من كرِه الصَّوابَ من غيرِه ونصَر الخطَأ من نفسِه لم يؤمَن عليه أن يسلُبَه الله ما علَّمَه ويُنسِيَه ما ذكَّره، بل يُخاف عَلَيه أن يسلُبَه الله إيمانَه؛ لأنّ الحقَّ مِن رسول الله إليك افتُرِضَ عليك طاعتُه، فمَن سمِع الحقَّ فأنكرَه بَعد عِلمِه فَهُو من المتكبِّرين على الله” انتهى كلامه رحمه الله.

ولقد أحسنَ ابن قتيبةَ أيضًا وهو يشكو أهلَ زمانِه في القرنِ الثالِث الهجريّ وما يعانِيه من بَعض الآبِين للنّصح والمستَنكفين عنه وما يلاقِيه النّاصحُ في أوساطهم، فيقول: “إنّ الناصحَ مأجور عند الله، مشكورٌ عند عبادهِ الصالحين الَّذين لا يميل بهم هوًى ولا تَدفَعهم عصبيّة ولا يجمَعهم على الباطل تحزّبٌ ولا يلفِتهم عن استبانةِ الحقّ حدٌّ، وقد كنّا زمانًا نعتذِر مِن الجهلِ فصِرنا الآن نحتاجُ إلى الاعتذار منَ العلم، نؤمّل شكرَ النّاس بالتنبيه والدِّلالة، فصرنا نرضَى بالسَّلامة، وليس هذا بعَجيبٍ مع انقلابِ الأحوال، ولا يُنكَر مع تغيّر الزمان، وفي الله خَلَفٌ وهو المستعان” انتهى كلامه رحمه الله.

فلا إلهَ إلا الله، ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة واليومَ بالأمس، وها هو التّأريخ يعيد نفسَه.

ألا فاتّقوا الله معاشرَ المسلمين، واعلَموا أنّ الأمةَ لا يزال فيها النّاصحُ والمنصوحُ والرادُّ والمردود عليه، والحقُّ ضالّة المؤمِن أنّى وَجَدَها أخذَ بها، وليس بضائِره ما يَتبعُه ما دامَ قصدَه الإصلاحُ ما استَطَاع، ولقد صدَقَ الله: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَ?عْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ?تَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَهْدِى ?لْقَوْمَ ?لظَّـ?لِمِينَ [القصص: 50].

بَارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن اللهِ، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنّه كان غفّارًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحدَه، والصّلاة والسّلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد: فيا أيّها النّاسُ، لقد جاءَت عباراتُ النبيّ حَثيثةً في جوامعِ كلِمٍ هي قليلةٌ في المبنى، ولكنّها عظيمة المعنى، حيث يقول : ((الدّين النصيحةُ)) قالها ثلاثًا، قالوا: لمن يا رسولَ الله؟ قال: ((للهِ ولِكتابِه ولرسولِه ولأئمّةِ المسلِمين وعامَّتهم)) رواه مسلم[1].

قال النوويّ رحمه الله: “هذا حَديثٌ عظيمُ الشّأن، وعليهِ مدارُ الإسلام، وأمّا ما قالَه جماعاتٌ من العلماءِ أنّه أحدُ أرباع الإسلام ـ أي: أحدُ الأحادِيث الأربعةِ التي تجمَع أمورَ الإسلام ـ فليسَ كما قالوه، بل المدارُ على هذا وحدَه”[2].

فالواجِبُ على العاقلِ ـ عبادَ الله ـ لزومُ النصيحةِ للمسلمين كافّة، وتركُ الخيانةِ لهم بالإضمَارِ والقول والفِعل معًا، وخيرُ النّاس أشدُّهم مُبالغةً في النّصيحة، كما أنّ خيرَ الأعمالِ أحمدُها عاقبةً وأحسنُها إخلاصًا، وضربُ النّاصح خيرٌ من تحيَّة الشانِئ، ولا يمنَع مِنَ التّمادي في النّصح والإكثارِ فيه عدمُ القَبول مِن المخالِف أو عدمُ رضاه؛ لأنّ العبدَ مأمورٌ بالتماسِ رِضا الله ولو كانَ بِسَخطِ النّاس، فلقد كتَب معاوية رضي الله عنه إلى عائشةَ رضي الله تعالى عنها أن اكتبي إليّ كتابًا توصِيني فيه ولا تُكثِري عليَّ، فكتبَت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه: سلامٌ عليك، أمّا بعد: فإنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: ((مَن التمَسَ رضا الله بسخَط النّاس كَفاه الله مؤونةَ النّاس، ومن التمَس رِضا النّاس بسخَط الله وكَلَه الله إلى النّاس)) رواه التّرمذي[3].

ولأجل ذا كان النّاصحُ العاقلُ ـ عبادَ الله ـ مَن مَقالُ حالِه ساعةَ يتصدَّى للنّصح والإرشاد: لا نريدُ منكم جزاءً ولا شكورًا، إنّا نخاف من ربِّنا يومًا عبوسًا قمطريرًا.

يَقول ابن القيّم رحمه الله: ” إذا رُزِق العقلُ الغريزيّ عَقلاً إيمانيًّا مُستفادًا من مشكاةِ النبوّة، لا عقلاً معيشيًّا نِفاقيًّا يَظنّ أربابُه أنّهم على شيء، ألا إنّهم هم الكاذبون، فإنّهم يَرَونَ العقلَ أن يُرضُوا الناسَ على طَبَقاتِهم ويسالِموهم ويستجلِبوا مودّتهم ومحبَّتَهم، وهذا معَ أنّه لا سبيلَ إليه فَهو إيثارٌ للرّاحةِ والدّعَةِ ومؤونَة الأذى في الله والمحبّة فيه والبُغضِ فيه، وهو إن كان أسلمَ في العَاجلةِ فهو الهَلكُ في الآجلة، فإنّه ما ذاق طعمَ الإيمان من لم يحبَّ في الله ويبغِض فيه، فالعَقلُ كلّ العَقل ما أَوصَل إلى رِضا الله ورسوله “[4].

قال تعالى: ?دْعُ إِلِى? سَبِيلِ رَبّكَ بِ?لْحِكْمَةِ وَ?لْمَوْعِظَةِ ?لْحَسَنَةِ وَجَـ?دِلْهُم بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [النحل: 125]، وقال سبحانَه: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34].

هذا وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خَير البريّة وأزكَى البشريّة محمّد بن عبدِ الله صاحبِ الحوضِ والشّفاعَة، فقَد أمَرَكم الله بأمرٍ بَدَأ فيه بنفسِه، وثنّى بملائكتِه المسبِّحة بقدسِه، وأيّه بكم أيّها المؤمِنون، فقال جلّ وعلا: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللهمّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد…

-- الشيخ سعود الشريم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*