السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الخطب » حرمة قتل النفس والغدر والخيانة

حرمة قتل النفس والغدر والخيانة

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 70- 71].

أما بعد فيا أيها الناس:
إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة.. من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[القصص: 50].

عباد الله:
للقصة في حياة الناس أثرٌ بالغ ولهم فيها ولعٌ لصيقٌ بقلوبهم وعواطفهم تتمثل أمامهم كصورةٍ محسوسةٍ تورث الرسوخ في النفس فتكون بذلك أبلغ من الأسلوب الخطابي والسرد الكلامي؛ فالقصة لا تورث الكلل ولا الملل.. وهي في الوقت نفسه تجمع بين الخبر والتعليم في آنٍ واحد..

ولقد صار للقصة في عصرنا الحاضر أدبٌ وفنٌ ولغةٌ خاصةٌ بها.. غير أن الوحي الإلهي قد تفرد بالقصص الحق: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} [الكهف: 13]. {إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 62].

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى} [يوسف: 111].

وما من قصة في القرآن الكريم إلا وهي دالة على الخلق الكريم أو أصل شرعي أو لهما معاً، وربما كانت لإبطال خلقٍ دنيءٍ أو أصلٍ فاسدٍ ونهجٍ مقبوح..

وقد يكون شهر رمضان أكبر مناسبةٍ يعايش الناس من خلالها أجواء القصص القرآني على تنوعه الجاذب في غضون أيامٍ معدودةٍ يشرقون ويغربون في أطيافها ومعانيها وأزمانها وألوانها..

ولو طوفنا بألبابنا وأسماعنا في عجالةٍ مقتضبةٍ على قصةٍ من هذا القصص القرآني المبهر ونظرنا بعين البصيرة إلى أول قصةٍ صارت على هذه البسيطة لوجدنا أنه حينما أنزل الأبوان آدم وحواء من الجنة بدأت معركة المراغمة مع الشيطان، ورزق الأبوان قابيل وهابيل الذي قال الله عنهما: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 27 – 29].

فيالله العجب.. إنها لآياتٌ بيناتٌ وعبرةٌ لأولي الألباب وذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد، ولنا عباد الله مع قصة ابني آدم وقفاتٌ يسيرات:
أولى هذه الوقفات: أن قتل النفس المعصومة كان محرمًا منذ زمن آدم – عليه السلام – ويدل لذلك قوله – تعالى – حكاية عن الأخ المقتول: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29].

وقول النبي – صلى الله عليه وسلم –: “ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم كفلٌ منها لأنه أول من سن القتل ” رواه البخاري ومسلم.

الوقفة الثانية: أن الله – جل وعلا – جعل الوعيد الشديد لمن قتل نفسًا معصومةً بغير حق.. فقال – سبحانه -: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93].

قال ابن كثير – رحمه الله –: “أي ليس لمؤمنٍ أن يقتل أخاه بوجهٍ من الوجوه.. إن النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة كما في الحديث الصحيح، ثم إذا وقع شيءٌ من هذه الثلاث فليس لأحد.. ” انتهى كلامه – رحمه الله – .

إلا إن الله حرم القتل، ولا أدل على فظاعة هذا الجرم من كون الله قرنه بالإشراك به في آيةٍ واحدة فقال سبحانه: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].

وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلم”.. رواه الترمذي والنسائي.

وقال – صلوات الله وسلامه عليه -: “أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٍ في الحرم ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية ومطلبٍ دم امرئ بغير حق ليهريق دمه” رواه البخاري.

الوقفة الثالثة: أن الشارع الحكيم إذا نهى عن شيء فإنه ينهى عن كل وسيلة تؤدي إليه لئلا يقع أحدٌ فيما حذر منه، وحينما حرم الله القتل فإنه حرم كل وسيلة توصل إليه..

فعن الأحنف بن قيس قال: “ذهبت لأنصر هذا الرجل (يعني علي – رضي الله عنه -) فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل؟ قال: ارجع فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت يارسول الله هذا القاتل.. فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه”.. رواه البخاري ومسلم.

وقال – صلوات الله وسلامه عليه -: “إنها ستكون فتنة: القاعد فيها خيرٌ من القائم والقائم خيرٌ من الماشي والماشي خيرٌ من الساعي، قال له سعد – رضي الله عنه –: أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني؟ فقال: كن كابن آدم”.. رواه أحمد والترمذي.

الوقفة الرابعة: أن في قصة ابني آدم بياناً أنه لا يمكن لأي امرئٍ أن يسوغ لنفسه قتل معصوم بمجرد تأويل أو حيله؛ فابن آدم جعل الحسد مسوغًا له هذا القتل المحرم؛ ولذا كان لزامًا أن يتقي الله كل من تسول له نفسه ضرباً من ضروب التأويل والتخريجات والتعسفات في إباحة دم معصوم ليس له فيه برهانٌ من الله.. فيرتكب العظائم ويستبيح المحرمات بمجرد شبهة أو هوى فيدع المحكم الواضح – وهو عصمة الدم – ويتبع المتشابه المتضاد..

فأي دليل يقوم عليه هذا المبدأ ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد ورد عنه في الحديث الصحيح أنه قال: “لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بإحدى الحيل”..

ولذا فإننا نخاطب كل من استهان بحرمة الدم المسلم وأوجد له المسوغات التي لم يدل عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا صحابته ولا السلف الصالح بأن يتقوا الله ولا يلطخوا أيديهم بدماء المسلمين وألا يحدثوا جذاماً لأجل تطبيب الزكام؛ فإن الحلال بين والحرام بيّن..

ولا أدل ولا أبين ولا أرهب ولا أشد تحذيراً من الوقوع في مثل ذلكم من تلك القصة العجيبة التي تشيب لها مفارق العقلاء وترجف منها أفئدة الذين يخافون الله..

يقول صاحب هذه القصة وهو أسامة بن زيد – رضي الله عنه –: بعثنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى الحُرَقَة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم.. فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله؛ فكف الأنصاري عنه، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “ياأسامة.. يا أسامة..: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله. قال: قلت: قالها متعوذا ً، فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم” رواه البخاري ومسلم، وفي بعض الروايات قال له: “أشققت عن قلبه”..

فانظروا يارعاكم الله كيف غضب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أسامة مع أن أسامة عامله بالظاهر.. حيث إنه لم يتلفظ بالشهادة إلا حينما رأى الموت مدركه لا محالة، غير أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يريد أن يبلغ رسالة للأمة تتمثل في عصمة الدم لمن نطق بالتوحيد، وأن نعامل الناس بالظاهر ونوكل السرائر إلى الله.. حتى وإن دلت القرينة على شيء من هذا فالظاهر أقوى كما في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم –..

وقد نقل الحافظ بن حجر عن بعض السلف قوله: “في لوم النبي – صلى الله عليه وسلم – لأسامة تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد “.

ألا وإن المتأمل في واقع المسلمين اليوم ليرى ما يشوبه من فكرٍ منحرفٍ جعل من القتل والاغتيالات منهجًا له، بل جعله سيفًا مسلطاً على قومه وبني ملته، بل سيرى كيف أسرف هذا الفكر في التخبط مبتدئًا باستهداف من لم يكن مسلماً من المشركين والكتابيين وإن كانوا معاهدين حتى انتهى بهم المطاف إلى استهداف أهل الإسلام وأبناء الملة، بل استهداف بعض رموز الأمن الذين أوكل إليهم ولي الأمر حفظه والسهر على استتبابه في ربوع البلاد ليتحقق أمني وأمنك وأمن والديك وليأمن أخي وأخوك وأختي وأختك وولدي وولدك..

ولكن صدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ يقول عن مثل هؤلاء: “يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان”..

ولقد لامس قول الشاعر الجاهلي ما وقع فيه هؤلاء حين قال:

وأحياناً على بكرٍ أخينا إن لم نجد إلا أخانا

ووقفة خامسة: نشير من خلالها إلى أن ما وقع فيه أصحاب الفكر الضال المنحرف من اغتيالاتٍ غادرة ليعد من أعظم المنكرات؛ إذ لم يكن ذلك من هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا أصحابه ولا سلف الأمة، بل إن من المؤسف جداً أن يستدل بعض أولئك بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر باغتيال بعض المشركين..

فيالله العجب.. إن هذا لمن أفسد الأقيسة؛ فأين المشرك من المسلم؟ وأين منظروا الفكر الضال من النبي – صلى الله عليه وسلم –؟!

والله وتالله وبالله لو أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن نقتل أحد أولادنا لفعلنا استجابةً لأمره بآبائنا وأمهاتنا – صلوات الله وسلامه عليه – لكنه لم يأمر بالظلم واستباحة الدماء.. سبحانك هذا بهتان عظيم.

ووقفة أخيرة عباد الله: كيف يبيح المرء لنفسه أن يقتل نفسه؟ وأي شريعةٍ أخذ منها هذا المبدأ والله – جل وعلا – يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29].

إنه لا أحد من البشر أغير على دين الله من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم صحابته الكرام ثم السلف الصالح والخلف الكريم، فمن منهم قتل نفسه أو حض عليه أو أفتى به حتى وإن كان لأجل أن يطال الانتحار قتل مشركاً بالله.. إنهم جميعاً يدركون قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “من تردى من جبلٍ فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً” رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية: “والذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار”، وفي السنن: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أُتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه، فكيف إذا اجتمع قتل النفس مع الغدر والخيانة.

وقد روى البخاري في صحيحه عن نافع قال: “لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم يقول: “ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة”، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه “.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة..

قد قلت ما قلت إن صواباً فمن الله وإن خطئاً فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد:
فاتقوا الله – عباد الله – واغتنموا هذا الشهر المبارك للتوبة والرجوع إلى الله؛ فإن الله – سبحانه – يدعو عباده المقصرين بقوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

إن هذا الشهر المبارك لهو أعظم فرصة ليتوب عاص ويؤوب قاتل ويهتدي ضال، ألا فاعلم أيها الباحث عن التوبة أن ثمة بشرى بشر بها النبي – صلى الله عليه وسلم – كل تائب بقوله: “ما من رجلٍ يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور ثم يستغفر الله – عز وجل – إلا غفر الله له، ثم تلا: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

ألا إن الوقوع في الزلل عيبٌ ظاهر غير أنه ليس هوكل العيب.. وإنما العيب كل العيب والشين كل الشين في منادمة الخطأ والإصرار عليه والاستنكاف عن الرجوع إلى الحق..

ولقد ضرب لنا السلف الصالح أفضل الأمثلة في الشجاعة حينما أعلنوا رجوعهم إلى الحق رغم أن الواحد منهم قبل تراجعه يرى أنه قد تناهى اجتهاده إلى غاية ما بعدها له مذهب وقد كان من أشهر هؤلاء ابن قتيبة وأبو الحسن الأشعري وأبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي وابن عقيل وابن القيم وغيرهم كثير.

كلهم لم يمنعوا أنفسهم الاعتراف بالزلل والرجوع إلى الحق عند ظهوره بل رجعوا بالتهمة على أنفسهم لأن كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – لا يهديان إلا إلى الحق.

ألا فليتق الله أولئك المتهورون المجازفون بأنفسهم ومجتمعهم إلى ما لا تحمد عقباه، وليعلموا أن حالهم يصدق عليها قول ابن القيم بأنهم: كمثل عميانٍ خلوا في ظلمة لا يهتدون سبيلاً فتصادموا بالأكف والعصي؛ فلا ترى منهم إلا مشجوجاً أو مفجوجاً أو مقتولاً، وقد يتسامع عميان أمثالهم فيلجون الظلمة كسابقيهم فلا يزداد الصياح إلا عويلاً.

ولقد أحسن أبو الزناد – رحمه الله – حين وصف أمثال هؤلاء بقوله: “ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا الجدال لقطعوا عنهم الشك وأخذوا بالأمر الذي حضهم عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورضيه لهم، ولكنهم تكلفوا ما قد كُفوا مئونته وحملوا على عقولهم من النظر في دين الله ما قصرت عنه عقولهم، وحُق لها أن تقصر عنه وتحسر دونه فهنالك تورطوا”. انتهى كلامه.

ألا فليتق الله كل من تورط في مثل هذه الأفكار الغالية المتنطعة، وليجعلوا من هذا الشهر المبارك منطلقاً للتصحيح والأوبة إلى الجادة والسمع والطاعة واتباع سبيل الأئمة وأهل العلم واستغلال الأبواب المشرعة من قبل ولاة الأمر لمن تاب ورجع إلى الصواب: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94].

فالبدار البدار في اللحاق بركب الموعودين بالصفح في الدنيا والآخرة كما وعد الرحمن عباده بقوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 34].

هذا وصلوا – رحمكم الله – على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه وأيه بكم أيها المؤمنون، فقال – جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56]..

اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة – أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – وعن سائر صحابة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك ياأرحم الأرحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين..

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفث كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ائمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال ياحي ياقيوم، اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-- الشيخ سعود الشريم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*