الثلاثاء , 27 يونيو 2017
الرئيسية » الخطب » الرحمة والشفقة في الإسلام
الرحمة والشفقة في الإسلام

الرحمة والشفقة في الإسلام

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله – عباد الله – حقَّ التقوى؛ فالتقوى لا يقبلُ ربُّنا غيرَها، ولا يرحمُ إلا أهلَها.
أيها المسلمون:
الدينُ قائمٌ على أداء حقوقِ الله وحقوقِ خلقِه؛ فحقُّ الله أن نعبُده ولا نُشرِك به شيئًا. وحقُّ المخلوقين الإحسانُ إليهم وحُسن الخُلُق معهم.
وخصلةٌ عظيمةٌ جعلَها الله بين خلقِه؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «خلقَ الله مائةَ رحمةٍ، فوضعَ واحدةً بين خلقِه وخبَّأَ عنده مائةً إلا واحدة»؛ رواه مسلم. قدَّمها الله على نعمةِ العلم؛
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: 65].
وهو – سبحانه – يحبُّ من اتَّصفَ بها وأثنَى على عبادِه المُتواصِين بها؛ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: 17].
بها يقومُ أساسُ بُنيان القيام بحقوقِ العباد من الحقوق الواجِبة؛ كالزكاة، أو المُستحبَّة؛ كالعفو والصدقة.
قال شيخُ الإسلام – رحمه الله -: “فعلى الإنسان أن يكون مقصودُه نفعَ الخلق والإحسان إليهم مُطلقًا، وهذه هي الرحمةُ التي بُعِثَ بها محمدٌ – صلى الله عليه وسلم -“.
وهي مِنحةٌ من الله يهَبُها لمن يشاءُ من عبادِه؛ قال – عليه الصلاة والسلام – لأعرابيٍّ جفَا عن رحمةِ أولادِه: «أوَأملِكُ لك أن نزعَ الله من قلبِك الرحمة؟!»؛ رواه البخاري.
ومتى أراد الله بعبدِه خيرًا أنزلَ في قلبِه الرحمة؛ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [الفتح: 4]، قال ابن عباسٍ: “أي: الرحمة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ “.
ونصيبُ كل عبدٍ منها على قدرِ نصيبِه من الهُدى، فأكملُ المُؤمنين إيمانًا أعظمُهم رحمة؛ قال – سبحانه -: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].
والله وصفَ المُؤمنين بأنَّهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة: 54]، قال ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -: “يعني بالذلَّة: الرحمة”.
وامتلاءُ القلبِ بها علامةُ السعادة، وهي سببُ نَيل رحمةِ الله؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «الراحِمون يرحمُهم الرحمن، ارحَموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»؛ رواه أبو داود.
وممن يدخلُ الجنةَ أقوامٌ مُلِئَت قلوبُهم رحمةً ورِقَّةً مع الإيمان؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «وأهلُ الجنةِ ثلاثة: ذو سُلطانٍ مُقسِطٌ مُتصدِّقٌ مُوفَّق، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ لكل ذي قُربَى ومُسلِم، وعفيفٌ مُتعفِّفٌ ذو عِيال»؛ رواه مسلم.
وقسوةُ القلبِ في فراغِه منها؛ ذمَّ الله أقوامًا فقال: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة: 74].
قال البغويُّ – رحمه الله -: “أي: يبِسَت وجفَّت، وجفافُ القلبِ خروجُ الرحمةِ واللِّين منه”.
وذلك هو علامةُ الشقاء؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا من شقِيٍّ»؛ رواه أبو داود.
ومن لا يرحَمُ الخلقَ لا يرحمُه الله؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «لا يرحَمُ اللهُ من لا يرحَمُ الناس»؛ رواه البخاري.
وأنكرَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على من استنكَفَ عن اليسير من آثار الرحمة؛ قبَّل رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – الحسنَ بن عليٍّ – رضي الله عنه -، وعنده الأقرعُ بن حابسٍ التميميُّ جالِسًا. فقال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظرَ إليه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: «من لا يرحَمُ لا يُرحَم»؛ متفق عليه.
قال ابن بطَّال – رحمه الله -: “رحمةُ الولد الصغير ومُعانقتُه وتقبيلُه والرِّفقُ به من الأعمال التي يرضَاها الله ويُجازِي عليها، وتقبيلُ الولد الصغير وحملُه والتخفِّي به مما يستحقُّ به رحمةَ الله”.
وأولَى الناسِ بالرحمةِ الوالِدان؛ قال – سبحانه -: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: 24].
وخيرُ الأولاد من كان أقربَ إلى رحمةِ والدَيه؛ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: 81].
ورحمةُ المؤمنين فيما بينهم تجعلُهم كجسدٍ واحدٍ؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «ترى المُؤمنين في تراحُمهم وتوادِّهم وتعاطُفهم كمثَلِ الجسَد إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ جسَدِه بالسهَر والحُمَّى»؛ متفق عليه.
والبهائِمُ حضَّ الشرعُ أيضًا على رحمتِها؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «والشاةُ إن رحِمتَها رحِمَك الله»؛ رواه أحمد.
والمُؤمنُ يرحمُ الكافِرَ لفقدِه الهِداية، ويُبغِضُه لعدمِ إيمانِه.
ومن زلَّت قدمُه في المعاصِي يستحقُّ الرحمةَ بالنُّصح والدُّعاءِ له بالهداية؛ أُتِيَ إلى النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – برجُلٍ قد شرِبَ الخمرَ، فقال: «اضرِبُوه». قال أبو هريرة – رضي الله عنه -: فمنَّا الضارِبُ بيدِه، ومنَّا الضارِبُ بنعلِه، والضارِبُ بثوبِه، فلما انصرَفَ قال بعضُ القوم: أخزاكَ الله! قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تقولوا هكذا، لا تُعينُوا عليه الشيطان، ولكن قُولوا: رحِمَك الله»؛ رواه أحمد.
وأشدُّ الخلقِ رحمةً هم رُسُلُ الله؛ سعَوا لهدايةِ الخلق، ودعَوا قومَهم بكل سبيلٍ لإنقاذِهم من الهلَكَة، وصبَرُوا على أذاهم، ولم يستعجِلُوا بطلبِ عذابِهم.
آدمُ – عليه السلام – إذا رأى أهلَ النار من ذريَّته يبكِي؛ قال – عليه الصلاة والسلام – في قصَّة المِعرَاج: «قلتُ لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسوِدةُ عن يمينِه وشِمالِه نسَمُ بنِيه، فأهلُ اليمين منهم أهلُ الجنة، والأسوِدةُ التي عن شِمالِه أهلُ النار، فإذا نظرَ عن يمينِه ضحِك، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِه بكَى»؛ متفق عليه.
وإبراهيمُ – عليه السلام – كان رؤوفًا بقومِه؛ قال لربِّه: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: 36].
ولرِقَّة قلبِه جادَلَ الملائكةَ ألا يُهلِكُوا قومَ لُوطٍ لعلَّهم يُؤمِنون.
ومُوسَى – عليه السلام – رحِمَ امرأتَين فسقَى لهما، وهو من أُولِي العزم. وامتدَّت رحمتُه – عليه السلام – إلى هذه الأمة؛ فحثَّ نبيَّنا محمدًا – صلى الله عليه وسلم – أن يُراجِعَ ربَّه في تخفيفِ الصلاة عن أمَّته، فخفَّفها الربُّ – عز وجل – من خمسين صلاةً إلى خمسِ صلوات.
ويحيَى – عليه السلام – جعلَه الله ذا حَنان؛ قال – سبحانه -: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا [مريم: 13].
قال ابن كثيرٍ – رحمه الله -: “ومعنى الآية: وآتيناهُ رحمةً من عندنا وتحنُّنًا على العبادِ؛ ليدعُوهم إلى طاعة ربِّهم ويعملَ عملاً صالِحًا في إخلاص”.
وعيسَى – عليه السلام – جعلَه الله بارًّا بوالدَتِه ولم يكُن جبَّارًا عديمَ الرحمة؛ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم: 32].
ونبيٌّ من الأنبياء ضربَه قومُه فأدمَوه، فهو يمسحُ الدمَ عن وجهِه ويقول: «ربِّ اغفِر لقومِي فإنهم لا يعلَمون»؛ متفق عليه.
ونبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – أرحمُ خلقِ الله، ومن أسمائِه: «نبيُّ الرحمة»؛ رواه النسائي.
ولما قيلَ له: ادعُ على المُشرِكين، قال: «إني لم أُبعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثتُ رحمة»؛ رواه مسلم.
ولما آذاهُ قومُه ناداه ملَكُ الجِبال فسلَّم عليه، وقال: يا مُحمَّد! إن شِئتَ أن أُطبِقُ عليهم الأخشَبَين، فقال – عليه الصلاة والسلام -: «بل أرجُو أن يُخرِجَ الله من أصلابِهم من يعبُدُ اللهَ وحدَه لا يُشرِكُ به شيئًا»؛ متفق عليه.
بعثَه الله رحمةً للخلقِ عامَّةً، فقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].
فمن قبِلَ هذه الرحمة وشكَرَ هذه النعمة سعِدَ في الدنيا والآخرة، ومن ردَّها وجحَدَها خسِرَ الدارَين.
وبعثَه الله رحمةً للمُؤمنين خاصَّة؛ قال – سبحانه -: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [التوبة: 61].
كان شفيقًا على أمَّته؛ تلا النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – قولَ الله – عز وجل – في إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: 36]، وقال عيسى – عليه السلام -: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 118]، فرفعَ يدَيه وقال: «اللهم أمَّتي أمَّتي»، وبكَى، فقال الله – عز وجل -: «يا جبريلُ! اذهَب إلى محمد – وربُّك أعلم – فسَلْه: ما يُبكِيك؟ فأتاه جبريلُ – عليه الصلاة والسلام – فسألَه، فأخبرَه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – بما قال – وهو أعلمُ -، فقال الله: يا جبريلُ! اذهَب إلى محمدٍ، فقل: إنا سنُرضِيك في أمَّتك ولا نسوؤُك»؛ رواه مسلم.
قال النوويُّ – رحمه الله -: “وهذا من أرجَى الأحاديث لهذه الأمة، أو أرجَاها”.
كان رحيمًا بأصحابِه؛ “اشتكَى سعدُ بن عُبادة – رضي الله عنه – شكوَى له، فأتاه النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يعُودُه مع بعضِ أصحابِه، فلما دخلَ عليه وجدَه في غاشِيَة أهلِه، فقال: «قد قضَى؟» أي: مات، فقالوا: لا يا رسول الله، فبكَى النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -، فلما رأى القومُ بُكاءَ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – بكَوا”؛ متفق عليه.
ورُفِع إلى رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – صبِيٌّ ونفسُه تتقَعقَعُ ففاضَت عيناه، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله! ما هذا؟ فقال: «هذه رحمةٌ جعلَها الله في قلوبِ عبادِه»؛ متفق عليه.
وكان – عليه الصلاة والسلام – رحيمًا بالشَّبابِ؛ قال مالِكُ بن الحُويرِث – رضي الله عنه -: أتينا النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – ونحن شَبَبَةٌ مُتقارِبُون، فأقَمنا عنده عشرين ليلةٍ، فظنَّ أنَّا قد اشتَقنَا أهلَنا، وسألَنا عمَّن ترَكنا في أهلِنا، فأخبَرناه – وكان رفيقًا رحيمًا -، فقال: «ارجِعوا إلى أهلِيكم فعلِّمُوهم ومُروهم، وصلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي، وإذا حضَرَت الصلاةُ فليُؤذِّن لكم أحدُكم، ثم ليؤُمَّكم أكبرُكم»؛ متفق عليه.
وكان رحيمًا بالنساء، يُخفِّفَ الصلاةَ لئلا يشُقَّ على الأم وولدِها؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «إني لأدخُلُ في الصلاةِ وأنا أُريدُ إطالَتَها، فأسمعُ بُكاءَ الصبيِّ،فأتجوَّزُ في صلاتي مما أعلمُ من شِدَّة وَجدِ أمِّه من بُكائِه»؛ رواه البخاري.
وكان رحيمًا بالصِّبيان؛ قال أنسٌ – رضي الله عنه -: “ما رأيتُ أحدًا كان أرحمَ بالعِيال من رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -“.
كان – عليه الصلاة والسلام – يخطُبُ، فجاء الحسنُ والحُسينُ يمشِيان ويعثُران، فنزلَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – من المِنبَر فحملَهما فوضعَهما بين يدَيه، ثم قال: «صدقَ الله ورسولُه: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن: 15]، نظرتُ إلى هذين الصبِيَّين يمشِيَان ويعثُران، فلم أصبِر حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما»؛ أخرجه أحمد.
قال ابن القيم – رحمه الله -: “وهذا من كمال رحمتِه ولُطفِه بالصِّغار وشفَقَته عليهم، وهو تعليمٌ منه للأمة الرحمةَ والشَّفَقَةَ واللُّطفَ بالصِّغار”.
وأشدُّ هذه الأمة رحمةً صحابةُ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؛ قال – سبحانه – في الثناءِ عليهم: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].
وأرحَمُهم أبو بكرٍ الصدِّيق – رضي الله عنه -؛ جمعَ الله له بين سعَة العلمِ والرحمة.
قال ابن القيم – رحمه الله -: “وهكذا الرجلُ كلما اتَّسعَ علمُه اتَّسَعَت رحمتُه”.
وأهلُ العلم والصلاح ذوو رحمةٍ يسعَون بالخير والهُدى للناس، ولا يظلِمُون من خالفَهم ولا يبغُون عليه.
وبعدُ، أيها المسلمون:
فالشريعةُ وسِعَت برحمتِها وعدلِها العدوَّ والصديق،والجزاءُ من جنسِ العمل؛ فمن طمِعَ في رحمةِ الله فليرحَم خلقَه؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «إنما يرحَمُ اللهُ من عبادِه الرُّحماء»؛ متفق عليه.
ومن رحِمَه الله غمَرَته السعادةُ، ونالَ حُسن العاقِبة في الدنيا والآخرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: 60].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم ولجميع المُسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
يصفُو القلبُ من الكِبر واحتِقار الناس بتحقيق الرحمة، وهي وسطٌ بين القسوة والجفاء، وبين الضَّعفِ والخَوَر. والرأفة والرحمة يُحبُّهما الله ما لم تكُن مُضيِّعةً لدينِ الله؛ كدعوَى ترك الحُدود رحمةً بالعباد.
وإذا سلِمَ العبدُ من فتنةَ الشُّبُهات والشهوات حصلَ له الهُدى والرحمة؛ قال الله إخبارًا عن أصحابِ الكهف: فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف: 10].
ومن أسبابِ نوالِ الرحمة: برُّ الوالدَين، وصِلَةُ الرحِم، والصدقة، والإحسانُ للمكرُوبين والمرضَى، وزيارةُ الرِّجال للمقابِر، والإكثارُ من تلاوةِ القرآن العظيم وذِكر الله.
ثم اعلَموا أن الله أمرَكم بالصلاةِ والسلام على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الراشِدين، الذين قضَوا بالحقِّ وبه كانُوا يعدِلُون: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
الله أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل اللهم هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلادِ المُسلمين.
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم اجعل ديارَهم ديارَ أمنٍ وأمانٍ يا قويُّ يا عزيز.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23].
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.
اللهم وفِّق إمامَنا لهُداك، واجعَل عملَه في رِضاك، ووفِّق جميع ولاةِ أمور المسلمين للعمل بكتابِك وتحكيم شرعِك يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكرُوه على آلائِه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم – حفظه الله –
إمام وخطيب المسجد النبوي

التعليقات

  1. من أعضاء الدعوة في داخل المملكة

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد :
    فشكر الله لفضيلة الشيخ عبدالمحسن القاسم وجزاه الله خيرا على ما أورده في هذه الخطبة القيمة من بيان علمي شرعي بليغ وجليل القدر لفضائل الرحمة ومحاسنها وثمراتها الطيبة دنيا وآخرة ومكانتها في الإسلام وصلتها بكمال الإيمان وبمكارم الأخلاق واتصاف أنبياء الله ورسله بها وأعظمهم رحمة خاتمهم وأشرفهم رسولنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم عباد الله الصالحين وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أجاد وأفاد فأسأل الله أن يجزل له الأجر والثواب وأن ينفع بعلمه وعمله الإسلام والمسلمين إن الله سميع مجيب ونعم فإن الإسلام هو دين الرحمة والشفقة والمواساة ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو نبي الرحمة والهدى وبعثه الله على فترة من الرسل رحمة للعالمين جميعا إلى يوم الدين فألان الله بهديه قلوب العباد بعد قسوتها وأعاد برسالته وهدايته الإنسانية إلى إنسانيتها ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وهو حسبنا ونعم الوكيل .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*