السبت , 21 أكتوبر 2017
الرئيسية » الخطب » حذارِ من المُرجِفين
حذارِ من المُرجِفين

حذارِ من المُرجِفين

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، نحمدُه – سبحانه – أَولانَا مِنَنًا دِفاقًا أعطافًا، سبحانه وبحمدِه هو أهلُ المجدِ والثناء، والحمد والشُّكر والرجاء.
لك الحمدُ حمدًا أنت وفَّقتَنا له ***وعلَّمتَنا من حمدِك النَّظمَ والنَّثْرًا
لك الحمدُ كم قلَّدتَنا من صَنيعَةٍ ***وأبدَلتَنا بالعُسْر يا ربَّنا يُسْرًا
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له توعَّد بالخَسارِ أهلَ الأهواء زَيغًا وإرجافًا، وأشهدُ أن نبيَّنا وسيِّدَنا مُحمدًا عبدُ الله ورسولُه أفضلُ الخَليقةِ محتِدًا وأشرافًا، صلَّى الله وبارَك عليه، وعلى آله وصحبِه خِيارِ هذه الأمة خلَفًا وأسلافًا، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ يرجُو من اللهِ قُربًا وازدِلافًا، وسلَّم تسليمًا كثيرًا يتضاعَفُ إلى يوم الدين أضعافًا ويَطيبُ أكنافًا.
أما بعد .. فيا عباد الله:
اتَّقُوا الله حقَّ تُقاتِه؛ فإن خيرَ الوصايَا وصيَّةُ ربِّ البرَايَا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].
وكُنْ مُخبِتًا لله بالتقوَى التي ***هِيَ الزادُ للأُخرى ودَعْ كلَّ مَنْ أَلْوَى
فحَسبُكَ وانزِلْ حيثُمَا نزلَ الهُدَى ***وكُنْ حيثُما كان التورُّعُ والتقوَى
معاشِر المسلمين:
تماسُكُ المُجتمع واستِقرارُه، وتلاحُمُ أفراده وأطيافِه أمامَ الأزماتِ والتحديات، والتصدُّعات والانقِسامات مطلَبُ أُولِي النُّهى والطُّمُوحات.
ومَن استَكنَهَ ثَمَدَ التأريخ ودروسَه، وسَبَرَ أغوارَه وطُرُوسَه أَلْفَى بين جماهِرِ الأقوال ومضارِبِ الأمثال حقيقةً شاخِصة، مُكتمِلةً غيرَ ناقِصة، وهي أنه لا تخلُو أمةٌ من الأُمم من فِئامٍ يتلوَّنُون تلوُّنَ الحِرباء، ويسعَون بين الناس كالحيَّةِ الرَّقْطَاء، يُوهِمُون طاعةً ويُضمِرُون خِلافَها، ويتربَّصُون فتنةً ويستدِرُّون أخلافَها، في قلوبِهم مرضٌ، وأعراضُ الخلقِ لسِهام ألسِنتهم غرَضٌ، يُحِيلُون الأمنَ والأمانَ مِحَنًا مُطوِّحة، وصُروفًا دُهمًا مُصوِّحة. إنهم أهلُ الضلال والإرجاف، والزَّيغ والتخذيل والانحِراف.
معاشِر المُؤمنين:
لقد عانَى أهلُ كل زمانٍ من المُرجِفين، ولم يسلَم من غُلوائِهم أحدٌ من الأنبياء والمُرسَلين، والعلماء والدعاة والمُصلِحين؛ فهم لا يترُكون حادِثةً أو واقِعةً إلا كانوا أولَ من يركَبُ ثبَجَها، ويستغلُّوا حدَثَها.
جلَبُوا على الأمة من المخازِي والمفاسِد ما يسُرُّ العدوَّ الحاقِد، والمُرتبِّصَ الحاسِد، قال فيهم ربُّ العالمين في مُحكَم التنزيل: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60].
قال ابنُ عباسٍ – رضي الله عنهما -: “المُرجِفُون مُلتمِسُو الفتَن”.
وقال قتادةُ: “الذين يُؤذُون قلوبَ المُؤمنين بإيهام القتل والهزيمة”.
وقال بعضُ أهل العلم: “الأوصافُ الثلاثةُ لشيءٍ واحدٍ، لكنه نصَّ على هذَين الوصفَين من المُنافقِين؛ لشدَّة ضررِهما على المُؤمنين”.
ضلالٌ وإرجافٌ وطَيشٌ وفتنةٌ ***وزَيغٌ وفهمٌ كالِحُ الوجهِ أغبَرُ
أفاعِيلُ طَيشٍ تَحتَسِي الأرضُ سُمَّها ***ودَربُ الهُدى منها كئِيبٌ مُعثَّرُ
لقد أرجَفَ المُرجِفون في غزوة أُحُد بأن الرسولَ – صلى الله عليه وسلم – قد قُتِل، وأرجَفُوا أن المُسلمين لن يعُودوا من تبُوك سالِمين، وأن الروم سيأخُذونهم أسْرَى، ولما تمَّ تحويلُ القِبلَة أخذَ المُرجِفون يقُولُون: ما حالُ المُسلمين الذين ماتُوا قبلَ التحويل؟ وكيف نحكُمُ على صلاتِهم وإيمانِهم؟
كانوا يتحدَّثُون عن سرايَا المُسلمين فيقُولُون: هُزِمُوا، أو أسرعَ فيهم القتل، أو نحو ذلك؛ لإيقاع الشكِّ والخوفِ والذُّعرِ في نفوسِ الناس.
أرادَ بعضُهم أن يُثبِّطَ بعضَ الصحابةِ – رضي الله عنهم – ويُدخِلَ اليأسَ إلى قلوبِهم، فقالُوا لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173].
وقال بعضُهم: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: 81]، ومنهم، ومنهم، ومنهم من أشاعَ في المُسلمين مقالَةَ السوء، واتَّهمُوا أمَّ المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – إفكًا وزُورًا، وهي:
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ برِيبَةٍ ***وتُصبِحُ غَرثَى من لُحومِ الغوافِلِ
إخوة الإسلام:
وها هو التأريخُ يُعيدُ نفسَه، فما أشبَهَ الليلَةَ بالبارِحة، فكما لم تسلَم خيرُ القُرون من نَزَغات المُرجِفين، فإن فِئامًا من الخوالِفِ سارُوا على دربِ أسلافِهم؛ فقلوبُهم نغِلَة، وصُدورُهم دغِلَة، وعقيدتُهم مدخُولَة، وطوِيَّتُهم معلُولة. قد نعَى الشيطانُ في آذانهم فاستجابُوا لدُعائِه، وحسَّنَ لهم إسخاطَ سُلطانهم فأسرَعُوا إلى ندائِه.
إذا حدَثَت حادِثة أسرَعُوا إلى الشبَكات العنكبوتية ومواقِع التواصُل التي تُضرِمُ نارَ الأراجِيف، وتتولَّى كِبرَها، وتُشعِلُ أُوارَها، وكم من حدَثَ لو حصلَ لدُفِنَ وماتَ في مَهدِه، لولا استِغلالُ المُرجِفين لهذه المواقِع في أسوَأ ما وُجِدَت له، في صُورٍ من التهويلِ والمُبالَغاتِ الممقُوتة، ينشُرون مقالاتٍ عورَاء طائِشة يسُوقُون بها الدَّهمَاءَ إلى مجهَلَة، ومهلَكَةٍ ومفسَدَة، هَمُّهُم إيقاظُ الشرِّ وإيقاظُ الفتَن، وإيقاعُ الخُصُومة بين الناسِ.
ينشُرون الأخبارَ الكاذِبة، ويُروِّجُون الإشاعاتِ المُغرِضة دون تمحيصٍ أو روِيَّة، كحالِ أسلافِهم إذا ﴿جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83].
إن يسمَعُوا هَفْوَةً طارُوا بها فرَحًا ***وما علِمُوا من صالِحٍ كتَمُوا
لم يعتَبِرُوا بقولِ المَولَى – جلَّ وعلا -: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
فكم تجنَّوا على أبرِياء، وأشعَلُوا نارَ الفتنة بين الأصفِياء، وكم نالُوا من رُموزٍ وعلماء وعظماء، وكم هدَمَت الأراجِيفُ من وشائِج، وتسبَّبَت في جرائِم، وفكَّكَت من أواصِرَ وعلاقات، وحطَّمَت من أمجادٍ وحضاراتٍ، وكم دمَّرَت من أُسرٍ وبيُوتات، وأهلَكَت من حواضِرَ ومُجتمعات!
ينفُخُون في الهِنَات، ويُضخِّمُون الهيِّنَات.
وإن بُلِيتَ بقَومٍ لا خَلاقَ لهم ****إلى مُداراتِهم تدعُو الضَّروراتُ
فقُل: يا ربِّ لُطفَك قد حالَ الزمانُ بنَا***مِن كُلِّ وَجهٍ وأبْلَتْنا البلِيَّاتُ
يرتَكِسُون في حَمأةِ الجهلِ الوَبِيل، وتَستَهوِيهم عباراتُ التوهِيمِ والتهوِيل، فيجعَلُون من الحَبَّة قُبَّة، ومن الذَّرَّة جَبَلاً، ومن النَّملَة فِيلاً، ومن البِئر المُعطَّلَة قَصرًا مَشِيدًا. يُخطِئُون في قراءة الأحداث، فيُلبِّسُون على الخلقِ والناس؛ إذايَةً ونِكايةً.
قال الإمامُ القُرطبيُّ – رحمه الله -: “الإرجافُ حرامٌ؛ لأن فيه إذايَة، ودلَّت الآياتُ على تحريمِ الإيذاء بالإرجاف”.
فلبِئسَ هَديُ الصالِحين هدَيتُمُوا***ولبِئسَ فِعلُ الجاهِلِ المُتعمِّدِ
أمة الإسلام:
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]، نعم؛ فالمُرجِفُون وحدَهم لا يُحرِّكون ساكِنًا ما لم جِدُوا بين الصُّفوفِ لهم أعوانًا، وبين المُسلمين من أهل السَّذاجَة من ينقُلُ كلامَهم ويُروِّجُ أفكارَهم.
وقد أخرج الإمام مُسلمٌ في “صحيحه” من حديث أبي هُريرةَ – رضي الله عنه -، أنه قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «كفَى بالمرءِ كذِبًا أن يُحدِّثَ بكُلِّ ما سمِعَ».
وروَى أبو داود في “سننه” بسندٍ صحيحٍ: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «بِئسَ مطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا».
وفي “الصحيحين” من حديث أبي هُريرةَ – رضي الله عنه -، أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إيَّاكُم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذَبُ الحديثِ».
مع ما ثبَتَ بما لا يدَعُ مجالاً للشكِّ، وما يومُ حليمَةَ بسِرٍّ: أن الإرجافَ والمُرجِفين صنائِعُ استِخباراتيَّة، وأغرارٌ وأدواتٌ شيطانيَّة، يقِفُ وراءَها أجِنداتٌ مشبُوهة، وأيديولوجيَّاتٍ تخدِمُ أعداءَ الإسلام، وتنضَوِي تحت تنظيماتٍ إرهابيَّة، وميليشيَّاتٍ طائفِيَّة بدَعوَى الخلافة المزعُومة، والجِهاد الموهُوم، تسعَى إلى تفكِيكِ الأوطان، والتشكيكِ في الأديَان، وتمَسُّ الثوابِتَ والمبادِئَ والأُصولَ، وتُفرِزُ مُسُوخًا من الهوِيَّة والفِكرِ والثقافةِ الأصيلَةِ، تعملُ على زعزَعَةِ الأمن، وخَلخَلَة النَّسيجِ الاجتماعيِّ المُتميِّز.
لا لَنْ نُعِيرَ السَّمعَ أيَّ مُخَذِّلٍ***والسَّيرَ في دَربِ الضلالِ المُعتِمِ
فنَهْجُنا نَهجُ الرسولِ وصَحبِهِ***نبْغِي النجاةَ من الطريقِ المُظلِمِ
أمةَ الإيمان:
إن عشرات الوسائِلِ الإعلاميَّة، والقنوات الفضائيَّة، والشبكَات المعلُوماتيَّة تتولَّى كِبْرَ نشر الأخبار الكاذِبة، والأراجِيفِ المُغرِضَة، والحمَلات الإعلاميَّة المحمُومة، في صُورٍ من صُور الإهرابِ النفسيِّ، والتحطيمِ المعنَوِيِّ، له دوافِعُه الشائِنَة، وأغراضُه المشبُوهة ضدَّ عقيدة الأمة ومُثُلها وثوابِتِها وقِيَمها.

إنها ألغامٌ معنويَّى، وقنابِلُ موقُوتة، وخناجِرُ مسمُومة، ورصاصاتٌ طائِشة، وأسلِحةُ دمارٍ نفسيَّة؛ ليُثبِّطُوا العزائِم، وينشُرُوا اليأسَ والقُنوطَ بين أبناء هذه الأمة.

فعلى علماء الأمة ودعاتِها بيانُ ضلالِ هذه الفِئاتِ الجانِحة عن الرُّشدِ وشناعَةِ فعلِهم، وهذا دَيدَنُ أهلِ العلمِ على مَرِّ الزمانِ.
إن الجميعَ مُطالَبٌ بالقضاءِ على هذه الظاهِرة – كلٌّ في مجالِه – التي لها آثارُها المُدمِّرة ضدَّ أمن الأمة، واستِقرار الأوطان والمُجتمعات.
قال الإمامُ ابنُ بطَّة – رحمه الله – في سببِ بيانِه لضلالِ بعضِ الفِرَق: “وإنما ذكَرتُ هذه الأقوالَ من مذاهبِهم؛ ليعلَمَ إخوانُنا ما قد اشتَمَلَت عليه مذاهِبُهم المقبُوحة المنبُوحة من ألوان الضلالِ، وصُنُوفِ الشِّرك، وقبائِح الأقوال، ليجتَنِبَ الحَدَثُ ممن لا علمَ له مُجالسَتَهم وصُحبَتَهم وأُلفَتَهم، ولا يُصغِي إلى شيءٍ من أقوالِهم وكلامِهم”.
أما المُستهدَفُ الأول: شبابُ الأمة، فعليهم أن يُدرِكُوا أبعادَ هذه المُؤامرَة، وأن يُحصِّنُوا أفكارَهم ضدَّ المُؤثِّرات العقديَّة والفِكريَّة والسلُوكيَّة، وألا يكونُوا مَيدانًا خَصبًا لها، أو سببًا في انتِشارِها، وأن يحرِصُوا على التثبُّت والتبيُّن والتروِّي، ويحذَرُوا مسالِكَ التأويلِ والتهويلِ، وأن يقِفُوا في الأحداثِ عن علمٍ وبصيرةٍ، مُعتصِمين بالكتاب والسنَّة على منهَجِ سلَف الأمة – رحمهم الله -، وأن يرجِعُوا إلى أهل العلم الموثُوقين في دقيقِ الأمور وجلِيلِها.
وللقائِمين على وسائلِ الإعلام ومواقِع التواصُل: اتَّقُوا اللهَ في أنفسِكم وأمَّتِكم، ولا تكونُوا بُوقًا للمُرجِفين المُخذِّلين، المُثبِّطين للعزائِم، ولتحرِصُوا على وَأد الفتَن في مَهدِها، واجتِثاثِها من أصُولِها، وتجفيفِ منابِعِها، لاسيَّما في أوقات الأزمات، وعدم التهوِيلِ والإثارَةِ، والمُبالَغَة في التعليقات والتحليلات، وإيجاد صِيغةٍ علميَّة، وآليَّة عمليَّة للحوار الحضاريِّ، والتسامُحِ الإنسانيِّ، ونشر الأخلاقِ القَوِيمَة، والفضِيلَة المُؤتَلِقَة.
أمة الإسلام:
وأمام تلك الصَّيحاتِ الناعِبات، فإن الواجِبَ الوقوفُ صفًّا واحدًا في وجهِ كلِّ مَن يُحاوِلُ شقَّ الصفِّ وإحداثَ الفُرقة والخلَل، فإننا نرَى العالَمَ من حولِنا إلى أين وصلَ به الحالُ؛ حيث تغمُرُه أمواجُ الفتَن، ويُعانِي إخوانُنا في بِقاعٍ شتَّى صُنوفًا من الصِّراعات والقتلِ والتشريدِ.
وما حالُ إخوانِنا في فلسطين وبلاد الشام عنَّا ببعيدٍ، وكذا إخوانُنا في العراقِ واليمَنِ وبُورما وأراكان، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
أعوذُ بالله من الشيطانِ الرجيم: ﴿{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173، 174].
بارَكَ الله لي ولكم في الوحيَين، ونفعَني وإياكم بهَديِ سيِّد الثَّقَلَين، أقولُ قولِي هذا، وأستغفِرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافَّة المُسلمين والمسلمات من كلِّ الذنوبِ والخطيئَاتِ؛ فاستغفِرُوه وتوبُوا إليه، إنه كان حليمًا غفورًا.

الخطبة الثانية
الحمدُ لله حمدًا يعمُرُ القلبَ تفاؤُلاً وإشراقًا، وآمالاً غِداقًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وصحبِه، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد .. فيا عباد الله:
اتَّقُوا الله حقَّ التقوَى؛ فإن تقوَاه – سبحانه -، أوثَقُ الوثائِق، وبها الخروجُ من الأراجِيفِ والمضائِق، وبها تُكشَفُ وجوهُ الحقائِق.
معاشِر المُؤمنين:
ليس أمضَى للتصدِّي للإرجافِ والمُرجِفين، ومُثبِّطِي الهِمَم والعزائِم والمُعوِّقِين من إعمالِ سَيف الحَزم البتَّار؛ حتى لا يقضُوا على البقِيَّة الباقِية من المنظُومة الفِكريَّة والاجتماعيَّة في الأمة، وأن يتوارَدَ الجميعُ على مواثِيقِ شرفٍ مُلزِمةٍ للحِفاظِ على الدين والقِيَم، والأوطان ومُقدَّراتها ومُكتسَبَاتها، والوقوف بحَزمٍ وعَزمٍ أمامَ الأدعِياء والمُرجِفين، واستِئصالِ شأَفَتهم، واجتِثاث جُذُورهم، حتى لا يُنالَ من المُحكَمات المُسلَّمات، ولا يُسخَرَ من الثوابِتِ القطعِيَّات، ولا تُهزَّ الثِّقةُ بالرموز والقُدوات، ولا تحصُلُ مُحاولات إسقاط ذوِي الطُّمُوحات والنجاحات.
ومِن ثَمَّ الادِّراعُ بالأمل والتفاؤُل والاستِبشار؛ فبالتفاؤُل والأمل تتدفَّقُ رُوح العزيمة، وتتألَّقُ نسَمَاتُ النبُوغ، وتتأنَّقُ بواعِثُ الثِّقة الإيجابيَّة.
وهذه القوَّةُ الأخَّاذة، والكُوَّة النورَانيَّة هي من أزاهِير الشريعةِ الربَّانيَّة، والسيرة المُحمديَّة لرسولِ الهُدى – صلى الله عليه وسلم – القائِل: «بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا»؛ رواه مسلم.
وعن أُبَيِّ بن كعبٍ – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «بشِّر هذه الأمةَ بالسَّناء والرِّفعَة، والنصر والتمكينِ في الأرض»؛ أخرجه الإمامُ أحمد في “مسنده” بسندٍ صحيحٍ.
نبِيٌّ أتانَا بعد يأْسٍ وفَترةٍ ****مِنَ الرُّسْلِ والأوثَانُ في الأرضِ تُعبَدُ
فأمسَى سِراجًا مُستنِيرًا وهادِيًا ***وعلَّمَنا الإسلامَ فاللهَ نحمَدُ
أمة الحقِّ والهُدى:
وجِماعُ الخير كلِّه، وأقوَمُ سبيلٍ وأهدَى طريقٍ للنجاةِ من الإرجافِ والفتنِ الحوالِك، والمُرجِفين والكُرَبِ الهوالِك، هو الحذَرُ من الفتَن ودُعاتها، ولُزُومُ الجماعة، وحُسنُ السمع للإمام والطاعة، وتركُ التفرُّق والتحزُّب والطائفيَّة والتعصُّب، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقد أرَّقَ أمنُ هذه البلاد المُبارَكة ولُحمتُها الدينية والوطنيَّة، وأقَضَّ مضاجِعَ أعدائِها وحاسِدِيها المُغرِضِين، وأدواتِهم المُزايِدين من السُّذَّج والبُسَطاء، والدَّهمَاء والغَوغَاء، فشَرِقُوا ولم يجِدُوا إلا الإرجافَ بخَيلِهم ورجِلِهم ضدَّ وُلاتِها ورُموزِها وعلمائِها وأبنائِها، ولكن ستتحطَّمُ – بإذن الله – سِهامُهم أمام صخرة تماسُكِها ووحدتها.
فليكُن أبناؤُها وشبابُها على مُستَوى الوعي والثِّقة، وهم كذلك بحمدِ الله.
واللهَ نسألُ في عُلاه أن يحفظَ على بلادِنا بلادِ الحرمَين الشريفَين عقيدتَها وقيادتَها، وأمنَها وأمانَها، ووحدتَها واستِقرارَها ورخاءَها، وأن يحفظَها وسائِرَ بلاد المُسلمين من كل من أرادَ بنا سُوءًا أو مكروهًا، وأن يرُدَّ عنَّا كيدَ الكائِدِين، وشرَّ المُعتَدين، وإرجافَ المُرجِفين.
هذا وصلُّوا وسلِّمُوا – رحِمَكم الله – على نبيِّ الرحمةِ والهُدى، كما أمرَكم بذلك المولَى الكريمُ الجَليلُ، فقال تعالى في مُحكَم التنزِيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
صلَّى عليه اللهُ ما أومَضَ برقٌ وأضاء، وما عانَقَت كبِدَ السماء الثُّريَّا والجَوزَاء.
وارضَ اللهم عن الأربعة الأئمة الخُلفاء الحُنَفاء: أبي بكرٍ الصدِّيق، وعُمر الفارُوق، وعُثمان ذِي النُّورَين، وعليٍّ أبي السِّبطَين، وعن الستة الباقِين من العشرة المُفضَّلِين، وعن الطاهرات أمهات المُؤمنين، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمَتِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واكفِهم شرَّ الإرجافِ والمُرجِفين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا ووُلاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضَى، وخُذ بناصِيته للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ التي تدُلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّقه ونائِبَيْه وإخوانَهم وأعوانَهم إلى ما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين، وإلى ما فيه الخيرُ للبلادِ والعبادِ.
اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المُسلمين، واجعَلهم رحمةً على عبادِك المُؤمنين يا رب العالمين.
اللهم ادفَع عنَّا الغلا والوبَا، والرِّبا والزِّنا، والزلازِلَ والمِحَن، وسُوءَ الفتن ما ظهَرَ منها وما بطَن عن بلدِنا وسائِرِ بلاد المُسلمين.
اللهم فرِّج همَّ المهمُومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكرُوبين، واقضِ الدَّين عن المَدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين، وفُكَّ أسرَ المأسُورين يا ربَّ العالمين، يا مُجيبَ دعوة المُضطرِّين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
اللهم كُن لإخواننا المُضطهَدين في دينِهم في كل مكانٍ، اللهم كُن لهم في فلسطين، وفي العراق، وفي بلاد الشام، وفي أراكان، وفي كل مكانٍ يا ربَّ العالمين، اللهم أصلِح حالَ إخواننا في اليمَن، واجمَعهم على كتابِك وسُنَّة رسولِك – صلى الله عليه وسلم -، واحفَظهم من أعداء الكتابِ والسنَّة يا قويُّ يا عزيزُ.

اللهم عليك بأعدائِك أعداءِ الدين فإنهم لا يُعجِزونَك، اللهم عليك بالصهايِنة المُعتَدين المُحتَلِّين، اللهم أنقِذ المسجِد الأقصَى من براثِن اليهود الغاصِبِين المُعتَدين المُحتَلِّين، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعَلهم عِبرةً للمُعتبِرين، واحفَظ بيتَك الأقصَى، واحفَظ المسجِدَ الأقصَى عزيزًا شامِخًا إلى يوم الدين، وسائِرَ بلاد المُسلمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقَراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدَقًا سحًّا طبَقًا مُجلِّلاً، عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، عاجِلاً غيرَ آجِل، اللهم لتُسقِي به البلاد، وتُحيِي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضِر والبادِ.
اللهم إنا خلقٌ من خلقِك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم إنا نسألُك ألا تحرِمَنا خيرَ ما عندك بسُوءِ ما عندنا، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِلِ السماءَ علينا مِدرارًا.
ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
اللهم كُن لإخوانِنا رِجالِ أمنِنا المُرابِطِين على ثُغور حُدودِنا وبلادِنا، اللهم اجمَع كلمتَهم، ووحِّد صفوفَهم، اللهم سدِّد رميَهم، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على أعدائِك أعداء الدين، اللهم رُدَّهم إلى أهلِهم وذوِيهم سالِمين غانِمِين منصُورين مُؤزَّرِين يا ربَّ العالمين.
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.
——————————–
فضيلة الشيخ الدكتور / عبد الرحمن بن عبدالعزيز السديس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*