الخميس , 24 يوليو 2014
جديد الموقع
الرئيسية » محاضرات علمية » مفهوم الجهاد في الإسلام وشروطه وضوابطه

مفهوم الجهاد في الإسلام وشروطه وضوابطه

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدَ الله ورسوله، المبعوث بالرحمة والهدى، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن الحديث عن الجهاد حديث مهم، لأنه دخله ما دخله من اللَّبس وسوء الفهم، نتيجة لقلة العلم والبعد عن التحقيق، وللبعد عن التواصل مع أهل العلم الأثبات المحققين، ومن هنا حصل ما حصل من انحراف في فهم المراد من الجهاد، وأعقب هذا الفهم المنحرف سلوكا منحرفًا، لذا سوف يكون الحديث والنظر في كلام أهل العلم، وفي حديثهم عن الجهاد من حيث: تعريفه، وشروطه، وضوابطه، ومواكبة أهل العلم -رحمهم الله- لتاريخ الأمة كلها، ومعرفتهم بأحوالها وظروفها، ومواطن قوتها وضعفها، كل ذلك بَيَّنًهُ ديننا، فديننا أكمله ربنا -عز وجل- وما أكمله فلا ينقص أبدًا.

ولهذا سوف يكون الحديث عن تعريف الجهاد، وأقسامه، وأحكامه، ومراتبه، وفضله، والحكمة من مشروعيته، وشروطه، وموانعه، والمخالفات والشُّبَهِ التي وردت، ومراحل التشريع.

تعريف الجهاد

الجهاد لغة مأخوذ من الْجَهْد أو الْجُهْد ( 1)، وهو بذل الوسع، والعمل ببذل الطاقة. 

أما تعريفه الاصطلاحي: إذا أطلق في الغالب ينصرف إلى جهاد الكفار وقتالهم، من المعاندين ، والمحاربين، والمرتدين، والبغاة، ونحوهم، ومقصوده إعلاء كلمة الله -عز وجل-، وهذا هو المعنى الخاص للجهاد.

أما المعنى العام فكما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “هُوَ بَذْلُ الْوُسْعِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ فِي حُصُولِ مَحْبُوبِ الْحَقِّ”( 2). 

يقول ابن القيم -رحمه الله-: “وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ إِمَّا بِالْقَلْبِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالْمَالِ، وَإِمَّا بِالْيَدِ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ”( 3).

 فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، بالقلب، باللسان، بالمال، باليد، ونقول في عصرنا الحاضر: وبالقلم أيضا.

أقسام الجهاد

أنواع الجهاد: 

أولا: جهاد الكفار، وهو نوعان: جهاد الطلب، وجهاد الدفع.

ثانيا: جهاد المنافقين والمرتدين.

ثالثا: جهاد البغاة، وهم الذين يخرجون على الإمام إمام المسلمين الحق.

مراتب الجهاد

قال العلماء: إن الجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين، وأصحاب الظلم والبدع والمنكرات.

المرتبة الأولى: جهاد النفس:

إن جهاد النفس له أربعة أنواع: 

النوع الأول: جهاد في بذل العلم وتعلم أمور الدين والْهَدْى والذي لا فلاح للنفس ولا سعادة لا في المعاش ولا في المعاد إلا بتحصيله، لا نريد أن تكون الأمة كلها عالمة، إنما المفروض على كل مسلم نوع من العلم فرض عين ، فعليه أن يبذل جهده لتحصيل العلم الذي هو فرض عين في حقه، وهو: أصول الدين وقواعده كالصلاة وأحكامها، والوضوء وأحكامه، حقوق الوالدين، يعرف المعاملات التي يمارسها في حياته.

النوع الثاني: جهاد العمل، بمعنى بذل الجهد في الأعمال الصالحة، ولهذا سميت أحكام الشرع تكاليف شرعية لأنها لا تكون إلا ببذل جهد وكلفة، والله -سبحانه وتعالى- قال لنا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة : الآية 286]، فالله يكلفنا لكنه لم يكلفنا إلا قدر طاقتنا، وقال تعالى :﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن : الآية 16] ﴿لَا تُكَلَّفُ نُفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة : الآية 233]، فبذل الجهد للعمل جهاد، ولهذا قال أهل العلم : جهادها -أي النفس- على العمل به بعد العلم. فلا يكون العمل صحيحًا إلا بعلم، لذا بوب البخاري باب “العلم قبل القول والعمل”.

النوع الثالث: جهاد الدعوة إلى الله على بصيرة، والدعوة بابها واسع ليست تختص ببعض المؤهلين من طلبة العلم، ولكن أنت عليك دعوة، ولا سيما في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»( 4)، فالمسلم مكلف بدعوة أهل بيته، والقيام على أولاده، والقيام على من تحت يده، ولا سيما إذا كنت مسئولا على من تحت يدك من العمال أو الموظفين، كمدير مدرسة، ومدير عمل، مدير مصنع، فلابد أن تجاهد في دعوتهم وإصلاحهم بقدر ما عندك من علم وصلاحيات، وما عليك من مسئوليات.

النوع الرابع: الصبر على مشاق الدعوة، والكلام على الصبر باب واسع جدًا. 

المرتبة الثانية: جهاد الشيطان:

قال العلماء: إن له مرتبتين: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان، فالمسلم إذا كان في ديار الإسلام وعند أهل العلم يكون سليم القلب بإذن الله، إلا إذا أقحم نفسه في أمور علمية لم يبلغها فإنه قد يقع في شُبَهٍ، لكن عامة المسلمين والذين هم قريبون من العلم إن شاء الله يسلمون من مداخل الشيطان.

وجهاد الشيطان على دفع ما يلقي من الشبهات والشكوك تكون للذين يقتحمون أنواع بعض العلوم والمعارف وهم لم يحصلوا الآلة الكافية.

المرتبة الثانية: جهاد الشهوات، والشهوات مدخل للشيطان عريض، ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير﴾ [سورة فاطر : الآية 6]، ولا شك أن الشهوات كثيرة وجاذبة، قال تعالى : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآب﴾ [سورة آل عمران : الآية 14]، فالشهوات سواء في المأكولات، في المشروبات، في النساء، زينة الأموال، زينة المراكب، متاع الدنيا بكل أنواعه، لا شك أن للشيطان فيه على النفس مدخلا عظيما، ومن أعظم ما يجاهد به الإنسان نفسه هو جهاد الشهوات.

المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين:

قال الله تعالى:﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [سورة التوبة : الآية 73] وقد لا يكون جهاد المنافقين بالقتال بقدر ما يكون باللسان، والقلب، والمال، واليد.

هذا في الجملة فيما يتعلق بمراتب الجهاد وأقسامه.

جهاد الطلب:

جهاد الطلب هو: تطلب الكفار في عقر دارهم، بمعنى أن المسلمين يقاتلون الكفار ليس لإجبارهم على الدخول في الدين فالله -عز وجل- يقول: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ [سورة البقرة : الآية 256]، وإنما من أجل أن تفتح الأبواب أمام الدعوة، وليسمع الناس دين الله -عز وجل-، ولهذا قال سبحانه في جهاد الطلب كما يسميه العلماء: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [سورة التوبة : الآية 5]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة﴾ [سورة التوبة : الآية 36]، وقال: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [سورة التوبة : الآية 41 ]، وقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُم﴾ [سورة التوبة : الآية 39] وقال: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه ﴾ [سورة الأنفال : الآية 39] ومرة قال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ [سورة البقرة : الآية 193] وقال سبحانه: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾ [سورة النساء : الآية 95].

جهاد الدفع: 

جهاد الدفع يكون فرض عين، بينما جهاد الطلب فرض كفاية، على ما سوف يأتي إن شاء الله من تفصيل بما يتعلق بالإمام ومسئوليته في ذلك، فجهاد الدفع هو حين يقتحم الكفار ديار المسلمين، أو شيء من ديار المسلمين، فيكون حينئذ المدافعة والمقاومة، وتكون فرض عين متدرجة على من كانوا متلصقين بالكفار، ثم من يليهم، وهكذا ، ومن ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [سورة البقرة : الآية 190] وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِياًّ وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [سورة النساء : الآية 75].

الجهاد يكون فرض عين إذا حضر المسلم المكلف القتال، والتقى الزحفان، وتقابل الصفان، وإذا حضر العدو بلدًا من بلدان المسلمين تَعَيَّنَ على أهل البلد قتاله وطرده، وهو جهاد الدفع ، واستَنْفَرَ إمام المسلمين الناس وطلب منهم ذلك، لأنه سبحانه قال: ﴿انفِرُوا خِفَافًا﴾ [سورة التوبة : الآية 41 ]، يعني إذا استنفركم الإمام، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:«وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا»( 5) ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [سورة التوبة : الآية 41 ] وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُم﴾ [سورة التوبة : الآية 38] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْض﴾ [سورة التوبة : الآية 38].

هذان هما نوعا جهاد الكفار: جهاد الدفع، وجهاد الطلب .

المرتبة الرابعة: جهاد البدع والمنكرات:

هذا النوع من الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، حسب المراتب التي بينها النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»( 6) ، وحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عند مسلم «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»( 7) هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه. 

مسئولية المسلم في هذا متدرجة ، فأهل الحسبة لهم دورهم في منكرات الأسواق، والمنكرات العامة، والمنكرات الظاهرة، والمسلم له مسئوليته في المنكرات في بيته ومع أهل بيته، وكذلك المسئول في دائرته، قد يزيل المنكر بيده في بيته، أو كان من أهل الحسبة، أو يزيل بلسانه إذا كان يستطيع، وإذا خاف على نفسه فينكر بقلبه، وإنكار القلب لا يُعذر فيه مسلم، بمعنى: بغض المنكرات وكره وقوعها من المسلم، فلابد للمسلم أن يتمعر وجهه حينما يرى حرمات الله تُنْتَهك، ولهذا قال -النبي صلى الله عليه وسلم- في الإنكار بالقلب: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».

شروط الجهاد 

ذكر العلماء -رحمهم الله- شروطا ينبغي أن تتوفر فيمن يجاهد في سبيل الله منها: الإسلام، و البلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، فالمرأة الأصل أنه لا جهاد عليها، لكنها قد تحضر المعارك لحاجة، إما لمداواة الجرحى أو ما إلى ذلك كما هو معروف في الإسلام، وقد تُقَاتِل، وقد تُدَافِعُ ، وهذا حسب الضرورة، لكن الأصل في الوجوب أنه على الذكور، وكذلك السلامة من العاهات المانعة من القتال، أي أن يكون قادرًا ليس أعمى ولا أعرج، ولا مريضا، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى المَرِيضِ حَرَج﴾ [سورة النور : الآية 61]، والشرط السابع الاستطاعة والطاقة.

الاستطاعة والطاقة

 الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية واضحة وظاهرة، وليس فيها ما يحتاج إلى مزيد بسط، أما الاستطاعة فهي التي تحتاج إلى مزيد تحرير وتحقيق، وهي التي تفسر حال الأمة في الجهاد طوال تاريخها، بما في ذلك عهد النبوة في عهد نبينا -محمد صلى الله عليه وسلم-، وعهد الخلفاء الراشدين الذي قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»( 8).

 فإذا لم يتمكن المسلمون من الجهاد، فإن هناك أحكامًا أخرى يجب أن يلتزموا بها من الصبر وترك القتال، لأنهم غير قادرين فيُكتَفى بجهاد الدفع ورد العدوان بقدر الإمكان، بل أحيانا قد يُصَالِحُ إمامُ المسلمين وإن كان في ذلك ضعف، سواء بمقابل، أو بغير مقابل.

صلح الحديبية وما فيه من دروس:

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاتل قريشا تارة وصالحهم تارة أخرى، كما في صلح الحديبية المشهور. ففي صلح الحديبية من الفقه والحكم والعجائب ما يجعل الأمة على بصيرة من دينها، وبصيرة من أمرها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رؤيا أنه سوف يعتمر، وأخبر أصحابه، وأمر أصحابه أن يتوجهوا إلى البيت من المدينة فتوجهوا حوالي ألف وخمسمائة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن وصلوا الحديبية، فعلمت قريش، فأرسلوا سهيل بن عمرو ليصالحوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ألا يدخل هذا العام ويدخل العام القادم، فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لاَ نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ، وَلاَ قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ» ، فَقَالَ سُهَيْلٌ [ص:196]: وَاللَّهِ لاَ تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، قَالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ» ، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَأَجِزْهُ لِي» ، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، قَالَ: «بَلَى فَافْعَلْ» ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا، قَالَ: «بَلَى» ، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ، قَالَ: «بَلَى» ، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» ، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ» ، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ» ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ. (9 ) 

ففي هذا الحديث دليل على عظم إيمان أبي بكر -رضي الله عنه-.

سماه الله -عز وجل- فتحا وهو صلح الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾[سورة الفتح : الآيتان 1،2] لاشك أن الشروط التي وافق عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمر من الله وبوحي من الله، قال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [سورة الفتح : الآية 27] هو صلح الحديبية، وقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [سورة الفتح : الآية 20] ما هذه مغانم المغانم؟ كانت في خيبر بعدها. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِم﴾ [سورة الفتح : الآية 18].

حينما رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- ووقع الصلح ورجع في هذه السنة أو سنة ونصف الذين أسلموا أكثر من الذين أسلموا طوال سبع عشرة سنة، لأنه صارت هدنة، وأصبح المسلمون يتحدثون بحرية، ويعبدون الله بحرية، بدليل لما جاء فتح مكة بعدها بسنة أو سنة ونصف كان الذين مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتح مكة عشرة آلاف، وكانوا في صلح الحديبية ألفًا وخمسمائة فقط، فالمقصود أن القتال والحرب يكون مع الاستطاعة.

وفيه صلح الحديبية من الأحكام: جواز تقديم مصلحة المهادنة في السلم والصلح على القتال، إذا كان فيها مصلحة.

إذن ولي الأمر

القتال والدعوة إليه مسئولية الإمام وولي الأمر، لا يجوز لأحد من المسلمين أن يدعو إلى الجهاد وقتال الكفار إلا بإذن ولي الأمر، الذي جعله الله وقاية وسِتْرًا بين المسلمين وبين عدوهم، للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ» (10 )، يعلق الإمام النووي على هذا الحديث فيقول: “الْإِمَامُ جُنَّةٌ: أَيْ: كَالسِّتْرِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ، وَيَتَّقِيهِ النَّاسُ، وَيَخَافُونَ سَطْوَتَهُ، وَمَعْنَى يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ: أَيْ: يُقَاتَلُ مَعَهُ الْكُفَّارُ، وَالْبُغَاةُ، وَالْخَوَارِجُ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ مُطْلَقًا”. اهـ. ( 11) 

وكما هو معلوم فإن الأئمة لا يتخذون رأي من عند أنفسهم، بل عندهم مستشارون ، من يعرفون ظروف السلم الحرب، وظروف القوة، وظروف القوة للطرف الآخر. 

فلابد أن يكون الجهاد تحت راية ينظمها ولي الأمر، ويرتب أحكامها الشرعية، كما هو ثابت في سنته -صلى الله عليه وسلم-، وسنة الخلفاء الراشدين، وهذا معلوم مشهور، والتاريخ معلوم في ذلك.

وننقل كلام أهل العلم والفقهاء -رحمهم الله- في ذلك، يقول ابن قدامة -رحمه الله-: “وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ “.(12 ) 

ويقول البهوتي الحنبلي معلقا على كلام ابن قدامة وشارحًا : وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ وَبِحَالِ الْعَدُوِّ وَنِكَايَتِهِمْ، وَقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ. وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم﴾ [سورة النساء : الآية 59] وقوله: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه﴾ [سورة النور : الآية 62].اهـ. ( 13)

والإمام الكاساني الحنفي يقول: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُنْدَبُ إلَيْهِ الْإِمَامُ عِنْدَ بَعْثِ الْجَيْشِ أَوْ السَّرِيَّةِ إلَى الْجِهَادِ، فَنَقُولُ – وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّهُ يُنْدَبُ إلَى أَشْيَاءَ، مِنْهَا أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، لِأَنَّ النَّبِيَّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – مَا بَعَثَ جَيْشًا إلَّا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْأَمِيرِ مَاسَةٌ، لِأَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ، وَلَا يَقُومُ ذَلِكَ إلَّا بِالْأَمِيرِ لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ إلَى الْإِمَامِ. ( 14)

فالانحرافات والأخطاء التي حصلت في وقتنا بسبب ترك العمل بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإهمال شروط الجهاد الصحيح، وأخلاقياته وآدابه.

فعلى سبيل المثال الخوارج خرجوا على الأئمة ولم ينفعوا الإسلام، ولم ينشروه ، مجرد قتال وسفك دماء ولم يسلم منهم أحد، وكذلك الفئات الضالة المنتشرة في العالم الإسلامي لم يزدد الإسلام بها إلا بلاء وتشويشا، فليس هذا طريق الدعوة، ولا طريق نصر الإسلام، ولا طريق عزة الإسلام والمسلمين.

أيضا مما يستتبع ذلك أنه يجوز للإمام عقد الذمة مع من يرى، كأهل الكتاب، والمجوس، وعقد الهدنة مع الكفار، حتى قال العلماء: يجوز عقدها من غير جزية، يعني من غير مقابل لمصلحة معينة، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، فإنه عقد معهم هدنة بدون مقابل، بل حتى فيها شروط بدا في ظاهر الأمر أنها مجحفة في حق المسلمين.

كما يجوز إعطاء الكافر المفرد الأمان من كل مسلم، ليدخل الكافر بلاد المسلمين.

وهذه كلها أمور تدل على أنه ليست حالة المسلمين دائما مع الكفار هي حالة قتال بل قتال ، ومهادنات، وصلح، ومصالحات .

موانع الجهاد 

أي الموانع التي تمنع وجوبه على آحاد المسلمين، وتمنع الإمام من حقه في إقامة الجهاد.

الأول : عدم قدرة المسلمين واستطاعتهم على القتال، لضعف قوتهم، أو قلة عددهم، إذا رأوا ضعفا ما استطاعوا لا يلزمهم الجهاد، لكن هذا لا يعني أنهم لا يبذلون الجهد في تحسين أوضاعهم والاستعداد إلى آخره، لكنه لا يلزمهم القتال والبدء بالقتال. 

الثاني: إذا كان هناك عقد ومعاهدة مع الكفار لا يجوز أن ننقضه، إلا إذا وجد ما يستدعي من إخلال بالشروط، أو انتهاء مدة إلى آخره، كما حدث في فتح مكة فإن سبب الفتح نقض قريش لشروط صلح الحديبية.

الثالث: أن تكون هناك مصلحة ظاهرة في عدم القتال، كما في صلح الحديبية، وإن كان المسلمون معهم قدرة ورأوا أن المصلحة في عدم القتال لهم ذلك.

فالموانع: إما عدم القدرة، أو وجود معاهدة، أو رأوا أن المصلحة ألا نقاتل لأن مصلحة الأمة أو لأن الدعوة تنتشر أكثر، إلى آخره هذه كلها أمور يقدرها الإمام، أو أن تكون المفاسد أكبر فحينئذ لا يجوز لأن درء المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح، وهذه المصالح والمفاسد يقدرها الإمام، ومن خلفه من أهل العلم والرأي، وأصحاب الخبرات القتالية، والخبرات العلمية. 

المخالفات في باب الجهاد

منها: البدء بالقتال من أفراد والشروط لم تتحقق مثل: القدرة، والاستطاعة، وبر الوالدين، أو إذن ولي الأمر، فهذه مخالفات ولا يجوز لمسلم أو لفئة أن تتجاوز هذه الشروط، أو تتجاوز الإمام ، لأنها توقع نفسها في التهلكة، وتوقع الإسلام والمسلمين في حرج .

ومنها: التسوية بين قتال الحربي، وقتال المسالم، والمعاهد، فإن الفئة الضالة عندهم فقه عجيب، وفقه -إن صح التعبير- ضال، حيث إنهم يتجاوزون في التعدي على من له عهد، أو له ذمة، وهذا معلوم أنه مخالف لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه كان يفرق بين المسالم، والمحارب، وابن عباس -رضي الله عنه- يقول: كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُؤْمِنِينَ: كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ، يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ، لاَ يُقَاتِلُهُمْ وَلاَ يُقَاتِلُونَهُ. ( 15) 

فرق الفقهاء بين علة القتال وعلة القتل والمقاتلة، فغير الحربي المقاتل لا يجوز قتله.

ومنها: قتل المسلمين، وتخريب الممتلكات بالتدمير والتفجير باسم الجهاد، هذا ليس جهادًا بل هو إجرام، وليس من الدين، وفاعله آثم، تخريب الممتلكات، وتفجير وقتل المسلمين، وقتل الأبرياء وتدمير أموال المسلمين، هذه الأمور من البدع المغلظة.

ومنها: قصر الجهاد على جهاد الدفع، وهذه من أخطاء بعض المثقفين، وإنكار جهاد الطلب، أعوذ بالله، فجهاد الطلب حق، فمن يقول ليس هناك جهاد طلب هذا غير صحيح، وهو من الأخطاء التي يجب التنبه لها، وجهاد الطلب هو الذي قامت به الفتوحات الإسلامية، ولكنه لا يمكن تحقيقه في هذا الوقت نظرًا للظروف، ولضعف المسلمين، لكنه موجود وحق، ولكن يجب تحقق الشروط السابقة فيه .

ومنها: أن الجهاد لا مكان له في هذا العصر، وهي دعوة علمانية استشراقية، وهذا غير صحيح، فإنه كما قلنا المسلمون عليهم أن يستعدوا ويُعِدُّوا العدة، فإذا جاءت الظروف موافقة لما عنهم من القوة جاهدوا.

ومنها: اعتقاد أن التعامل مع الكفار لا يكون إلا بقتال، هذا خطأ فاحش، أو أن العلاقة بين بين المسلمين والكفار هي علاقة توتر، أو علاقة قتل، أو لا توجد علاقات فيها مصالح، وفيها تبادل يقول الله -عز وجل- في آيتي سورة الممتحنة: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِين إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُم﴾ [سورة الممتحنة : الآيتان 8،9]، بل آيات سورة الممتحنة العجيبة يقول الله -عز وجل- في مفتتحها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [سورة الممتحنة : الآيتان 1، 2]، إلى آخر الآيات، قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّة﴾ [سورة الممتحنة : الآية 1] ثم قال بعدها: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى﴾ [سورة الممتحنة : الآية 4] إلى أخره، صراحة وصرامة في بيان العداوة، والمفاصلة، والبراءة في ظروفها، ومع هذا قال الله تعالى بعدها: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [سورة الممتحنة : الآية 6] ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّة ﴾ [سورة الممتحنة : الآية 7] كيف تأتي هذه الأية بهذه الرقة؟ وهذه المخاطبة للمسلمين، هي تخاطب النفس البشرية، لأنه لو تصورنا هذا الحديث القوي في مفاصلة المشركين والبراءة منهم، بينما لو نظرنا في حال محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه نرى أن لهم أقارب، هذا أب، وهذا ابن، وهذا أخ، وهذه زوجة، وهذه أم، وهذه أخت، هذا كافر، وهذا مؤمن فيوجد نوع من التواصل، فقال الله -عز وجل-: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّة﴾ [سورة الممتحنة : الآية 7] كلمات فيها رجاء، بمعنى أن المسلم لا يتطلع إلى العدوانية، بل يتطلع إلى أن تنقلب العداوة إلى مودة، هو يحب أن يصالح الكفار ولكن بالضوابط الإسلامية: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّة﴾ [سورة الممتحنة : الآية 7] ما أرق هذا الخطاب، فاعتقاد أن التعامل مع الكفار لا يكون إلا بقتال، هذا اعتقاد خاطئ، ناهيك أن كثيرًا من المناطق دخلت في الإسلام بدون قتال، سواء في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كاليمن وغيره، أو في العهد الحاضر ، كم دخلت أقطار في الإسلام، ومئات، وقبائل تدخل في الإسلام بغير قتال، فليس القتال وحده هو السبيل لنشر الإسلام، أو للموقف مع الكفار ، ولهذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: ” وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى دِينِهِ قَطُّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَاتَلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَأَمَّا مَنْ هَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ كما قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِين﴾ [سورة التوبة : الآية 7]” ( 16).

وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه، نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.

كلمة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ 

مفتي عام المملكة 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائما إلى يوم الدين، وعلى آله، وصحابته أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

الجهاد ذروة سنام الإسلام

لا شك أن الجهاد كما قال -النبي صلى الله عليه وسلم-: «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ»( 17) وآيات القرآن مليئة بذكر الجهاد، والحث عليه، والثناء على المجاهدين، وبيان منزلتهم في الدنيا والآخرة، وكذلك سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكان فيمن قبلنا الجهاد لمجرد الدفاع فقط، أما أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فشرع الجهاد في حقهم، وأَكَدَّ عليه، وجعله من شعائر دينهم، ومن الأعمال الصالحة التي يتقربون بها إلى الله.

بدء تشريع الجهاد

كما نعلم أن الجهاد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وقع على حالين حالة دفاع، وحالة بادئة، والنبي بمكة أمره الله بالصفح والصبر على الكفار، لأن المسلمين إذ ذاك بمكة قلة مستضعفون، فلو وقع الجهاد لقضي على الدعوة في مهدها، وتفرقت الكلمة، وذهب الإسلام ، فكان عدم الأمر بالجهاد لمصلحة الأمة في الحاضر والمستقبل.

ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- للمدينة واستقر بها، وابتدأت دولة الإسلام، وصار المسلمون أحرارًا في المدينة يُصَلُّون، ويصومون، ويُظْهِرُونَ شعائر دينهم في حرية وطمأنينة واستقرار، عند ذلك جاء ذكر الجهاد والأمر به.

هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد 

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبعث السرايا لقتال المشركين الذين أخرجوه من بلاده، وأخرجوا أصحابه، يرسل السرايا تلو السرايا، وكان أول الغزوات التي وقع فيها القتال غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة، وهي يوم الفرقان، ثم أُحُد في العام الثالث غَزَى المشركون النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى نزلوا قرب المدينة عند جبل أحد، فقاتلهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجرى ما جرى، ثم كانت غزوة الأحزاب عام خمس من الهجرة، تَحَزَّبَ الأحزاب، وتكالب المنافقون واليهود والمشركون على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم غزى النبي خيبر، ثم غزى مكة عام ثمان من الهجرة.

صلح الحديبية

 خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة عام ست يريد العمرة، فلما علم به المشركون صدوه عن دخول البيت، ومنعوا دخوله والله -جل وعلا- قادر أن ينصر نبيه، وأن يخلصه من كيدهم، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْض﴾ [سورة محمد : الآية 4]، فأقام النبي -صلى الله عليه وسلم- الهدنة بينه وبين المشركين، قالوا له: لا نرضى أن تتحدث العرب أن تأتي بلادنا وتعتمر ونحن وإياك في خصام ونزاع، فاتفقوا على الهدنة عشر سنوات.

كان من بنود الصلح: أن يرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا العام، ويأتي العام القادم في مثل هذا الشهر.

وكان من بنوده: أن من فَرَّ من المشركين مسلمًا يعيده النبي – صلى الله عليه وسلم- إليهم، ومن فر من المسلمين إلى المشركين لا يرجع إليهم، وكان بعض الصحابة متوقفين حتى قال عمر -رضي الله عنه- : “أنعطي الدنية في ديننا” فأنزل الله -جل وعلا- قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [سورة الفتح : الآية 1]، فجعل الله صلح الحديبية فتحًا، ولم يكن قتال، لكن هذه المدة التي بين فتح مكة وبين صلح الحديبية سنتان إلا أشهر بحوالي شهرين دخل فيها من الناس في الإسلام ما الله به عليم، بل كبار قادة قريش، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وأمثالهم، هاجروا عام سبع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ودخلوا في الإسلام قال -جل وعلا-: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [سورة الفتح : الآية 27]، فالحديبية فتح وإن رجع النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه فتح في الغاية.

 قال الله -جل وعلا-: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوَهُمْ أَن تَطَؤُوَهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْم﴾ [سورة الفتح : الآية 25] لأن في مكة مسلمين مُسْتَخْفِينَ بإسلامهم مستضعفين، فلو جاء القتال لربما قُتِلَ مسلم خطأ، فمن رحمة الله بهؤلاء الضعفاء أَنْ أَخَّرَ القتال، وجعل فتح مكة بعد ذلك حتى يمهد السبيل لهم، فغزى النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة ومعه مجموعة من الصحابة وكبار قريش، كل ذلك تمهيد وتيسير من الله، دخلت مكة في العنوة، ثم أُحِلَّ القتال فيها ساعة.

أنواع الجهاد

الجهاد في الإسلام نوعان: جهاد دفاع، من قتل دون ماله فهو شهيد، من قتل دون دينه فهو شهيد. 

وجهاد الطلب: لإزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين سماع الحق، ليس الهدف سفك الدماء، إنما الهدف منه إزالة العقبات، تحطيم الحواجز، وشق الطريق إلى أن يصل الإسلام إلى قلوب البشرية، فتطمأن به وترضاه.

الصحابة خرجوا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- يقاتلون، فكانوا يَدْعُون إلى الله، ويراسلون الآخرين، ويبينوا لهم أن هدفهم إقامة شرع الله، وإقامة العدل في الأرض، وتطهير الأرض من ظلم الظالمين، وعدوان المعتدين، وطغيان الطاغين، هذا هدفهم لم يكن هدفهم سفك الدماء، ولا الغنائم، والتوسع في الأرض، إنما غايتهم هو الدعوة إلى دين الله، فمن قَبِلَ قُبِلُوا منه، ومن امتنع قاتلوه ، فكان الجهاد مَطْلَبًا، وكان دفاعًا، كل ذلك حق والله -جل وعلا- يقول: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَي﴾ [سورة البقرة : الآية 256].

إن الصحابة لما فتحوا البلاد لم يضعوا السيوف على رقاب الناس أَسْلِمْ وإلا قتلتك، بل أقاموا عدل الله وحكمه في الأرض، ووضعوا الجزية على من خالفهم من اليهود النصارى والمجوس، فالناس بعد هذا لما رأوا الفاتحين أهل عدل وإنصاف وصدق وإيمان، وأنهم زهاد في الدنيا، حريصون على هداية البشر، دخل الناس في الإسلام طائعين مختارين راغبين محبين، لأن هذا هو العدل، ولهذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: “لما فتح المسلمون الشام، وحكموه، وساسوا أهله بالعدل والإنصاف والتقوى، قال النصارى: لو كان هؤلاء الصحابة زمن عيسى كانوا حواريه وأنصاره، شهدوا لهم بالعدل”. 

أما الذين يُنَادُون بأن الجهاد ظلم فهؤلاء: إما جاهل، وإما شاكٌّ في دين الله، الجهاد مبدأ وعمل صالح، لكن متى يكون؟ لابد له من شروط، لابد من ظروف مناسبة له، فالنبي أقام في مكة أكثر من عشر سنين بعد البعثة، بعد أن أمر بنشر الدعوة، وما شرع الجهاد له، لأن الجهاد في مكة لا يمكن، لأنه لو جاهد لانْقَضَّ المشركون على تلك العصابة واجتثوها من الأرض، لكن الله حكيم عليم أَخَّرَّهُ حتى يَقْوَى الإيمان في النفوس والقلوب، وينطلق الناس عن كمال إيمان ويقين وصدق، وبذل لِلْمُهَجِ والأموال في سبيل إعزاز دين الله، وإعلاء شأنه، هكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 قال ابن القيم: ” إِنَّمَا قَاتَلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَأَمَّا مَنْ هَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ”( 18).

إذا كان الدين كله لله، والحكم لله، والتحاكم لشرع الله، لا يضر المسلمين أن يعيش بينهم من خالفهم تحت ظل الإسلام ويؤدي الجزية، وأنه معاهد مستأمن، وذمي يعيش تحت عدالة الإسلام يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»( 19)، لأن الإسلام عدل، ما جاء بالظلم أبدًا ولا بالطغيان أبدًا، الصلح أحب إليه من القتال، والهدنة أحب إليه من القتال، لأن المقصود هو إيصال كلمة الحق لنفوس البشر، لتنوير بصائرهم، وهدايتهم للطريق المستقيم، المقصود إصلاح البلاد والعباد.

المهم أن الإسلام حرص على الدعوة إلى الله، وتبيين الحق، والجهاد باللسان والمال لإصلاح البشر وتعليمهم دين الله، إذا تهيأت الظروف والأحوال في زمان ما فالجهاد لا يزال حيا مشروعا. ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

الأسئلة

سماحة الشيخ، يقول السائل: كيف نفهم حديث «أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»( 20)؟ 

لأن الجهاد باللسان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»( 21)، فالجهاد باللسان ببيان الحق، والتحذير من الباطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر ظالم، لكن ليس معناه أن أخاطب الظالم بالغلظة والشدة والقسوة، لا، لكن خير الجهاد أن أوضح كلمة الحق له، والله -عز وجل- قال لموسى وهارون -عليهما السلام- : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه : الآية 44].

 فهذا الجائر آتيه، وأقولُ الحق له، لكن بضوابط شرعية، أما أن آتيه وألعنه وأَسُبُّه لن يقبل مِنِّي، لكن إذا أوضحت الحق له بالأسلوب الحكيم، فإن أراد الله هدايته وتوفيقه قَبِلَ الحق والحمد لله، وإلا بَرَأْتِ الذِّمة وأديت الواجب، لكن لابد من أدب الشرع في الإلقاء والمخاطبة، فإن أي خطاب ضابطه قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُواًّ مُّبيِنًا﴾ [سورة الإسراء : الآية 53].

 لو قلت للكافر: يا كافر، يا ظالم، يا وثني، يا مخالف ما قُبِلَ منك، وليس هذا من أخلاق المسلمين، فالمؤمن ليس بالسباب، ولا باللعان، ولا بالفاحش، إنما يُوَضِّحُ الحق، ويبينه، وينشره بأسلوب الحكمة والموعظة قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ [سورة يوسف : الآية 108] وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [سورة النحل : الآية 125].

لما قدم عمرو بن سعيد أيام ابن زياد لحصار الزبير جاءه الصحابي أبو شُرَيح -رضي الله عنه-، فقَالَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ، وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ. (22 )فالصحابي جاء بالأسلوب الحكيم، وهذا تصديقا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «عند سلطان جائر»، لأنه رجل قوي قادر على الانتقام والقتال، وقتال من يرى أنه يقاتله حقا، فهذا الصحابي يبين له حرمة بيت الله الحرام ، فقد أدى الذي عليه، ما جاء للجاج وخصام، إنما جاء ليوضح حقًّا، ويدعو إلى حق، ويقيم الدليل، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

سماحة الشيخ، سائل يقول: ما هو جهاد الدفع، وهل يلزم فيه إذن الإمام؟

جهاد الدفع إذا دهم المشركون المسلمين في ديارهم، ونزلوا بهم لم تكن هناك حاجة للاستئذان، هنا دفاع ضروري، إذا استأذنوا الإمام في الجهاد الطلبي، أما الدفاع لو انتظروا لهلكوا «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»( 23) فإن أمكن فالحمد لله فإذا  بلغ الأمر أشده فلا يمكن، نسأل الله العفو والعافية. 

سماحة الشيخ، سائل يقول: إن أهم الجهاد جهاد الدعوة، فما الواجب تجاه إخواننا في فلسطين؟ 

إن جهاد الدعوة في هذا الزمن من أهم الأمور، لأنه في هذا الزمن ضعف المسلمين، وتقدم أعداؤهم عليهم بكل الإمكانيات، وأن الأمر قد تغير، والوضع قد تغير، ولكل ظرف أحواله.

 الدعوة إلى الله يقوم بها ذو علم، وفضل، وبصيرة، وصبر، وإخلاص، وأهل بصيرة بالأمر يضعون الأمور مواضعها، يكتبون ويدخلون وسائل الإعلام بالسبل الشرعية، ليس المهم أن ألعن وأسب، المهم إذا كنت في قناة، أو صحيفة، أو إذاعة لابد أن أقرر حقًّا، وأبين حقًّا، وأدحض باطلًا بضوابطه الشرعية، لا أكون سبابا ولا لعانا، إنما أقول الحق، وأوضح السبيل، وأكشف الشُّبَهَ، وأناقش ناقشًا عِلْمِيًّا.

 أَفتح المدارس، وأُنشئ دور رياض الأطفال وما فوقها، أَفتح مستشفيات، أُساهم في المشاريع النافعة، حتى يعلم الناس أن حركتي حركة خير، لا طمع ولا استيلاء واستفادة منها. 

سماحة الشيخ يقول السائل: هل قتل النفس جهاد في سبيل الله؟ 

لا والله، قتل النفس ضلال وعدوان قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ [سورة النساء : الآية 29] «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»(24 ).

وأما ما يسمى بالاستشهاد، والعمليات الاستشهادية والانتحارية، كل هذا من تضليل الشيطان، لا يجوز هذا الشيء، هذا أمر محرم شرعا، ليس في الشريعة قتل النفس أبدًا، هذه كلها ضرر، بل المسلم مأمور بالصبر والاحتساب، في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- شاهد المسلمون رجلًا فَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَلَائِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . قُلْنَا: فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَجَرَحَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ بِهِ الْجِرَاحُ وَضَعَ ذُبَابَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ، قَدْ رَأَيْتُهُ يَتَضَرَّبُ وَالسَّيْفُ بَيْنَ أَضْعَافِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُوَ لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّهُ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»( 25)، فقتل النفس لا يجوز، وما يسمى بالعمليات الاستشهادية والانتحارية كل هذا من تضليل الشيطان لبني آدم.

********************************************************************************************************************

( 1) اللسان : جهد.

( 2) مجموع الفتاوى (10/192).

( 3) زاد المعاد (3/64).

( 4) أخرجه البخاري (3/1275، رقم 3274).

( 5) أخرجه البخاري (2/651، رقم 1737)، ومسلم (2/986، رقم 1353).

( 6) أخرجه مسلم (1/69، رقم 49).

( 7) أخرجه مسلم (1/69، رقم 50).

( 8) أخرجه الترمذي (5/44، رقم 2676) ، ابن ماجه (1/15 ، رقم 42).

( 9) أخرجه البخاري (3/193، رقم 2731).

( 10) أخرجه البخاري (3/1080، رقم 2797) ، ومسلم (3/1466، رقم 1835).

( 11) شرح مسلم (12/230).

( 12) المغني (9/202).

( 13) كشف القناع (3/41).

( 14) بدائع الصنائع (7/99).

( 15) أخرجه البخاري (7/48، رقم 5286).

( 16) هداية الحيارى (ص 238).

( 17) أخرجه أحمد (5/231، رقم 22069) ، والترمذي (5/11، رقم 2616) ، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (2/1314، رقم 3973).

( 18) هداية الحيارى (ص 238).

( 19) أخرجه البخاري (3/1155، رقم 2995).

( 20) أخرجه أبو داود (4/124، رقم 4344) ، وابن ماجه (2/1329، رقم 4011) من حديث أبي سعيد الخدري.

( 21) أخرجه أحمد (3/124، رقم 12268) ، وأبو داود (3/10، رقم 2504) ، والنسائي (6/7، رقم 3096).

( 22) أخرجه البخاري (1/51، رقم 104) ، ومسلم (2/987، رقم 1354).

( 23) أخرجه أحمد (1/190، رقم 1652) ، وأبو داود (4/246، رقم 4772) ، والترمذي (4/30، رقم 1421) وقال: حسن صحيح. والنسائي (7/116، رقم 4095).

( 24) أخرجه البخاري (5/2179، رقم 5442) ، ومسلم (1/103، رقم 109).

( 25) أخرجه أحمد (37/470 برقم 22813).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>