الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » الدكتور صالح المرزوقي: هناك قضايا لا ينبغي للمفتي الإفتاء بها بل يتوجب الرجوع فيها إلى المجامع الفقهية

الدكتور صالح المرزوقي: هناك قضايا لا ينبغي للمفتي الإفتاء بها بل يتوجب الرجوع فيها إلى المجامع الفقهية

قال الشيخ الدكتور صالح بن زابن المرزوقي البقمي الأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي، أن ميثاق الفتوى الصادر عن  مؤتمر «الفتوى وضوابطها»، الذي عقد في مكة المكرمة برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، هدفه توحيد الفتوى بين المسلمين في القضايا المهمة التي يعنى بها جميع أفراد الأمة الإسلامية.

وقال الأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي،: إن الميثاق تضمن «اتفاق المشاركين على العمل به، والأخذ به، والاسترشاد بما فيه، ويعمل هذا البيان وما يرافقه من توصيات على ترشيد الفتوى وتجنيبها المشكلات التي تعرض لها أو الحد منها». مضيفاً أن «هناك قضايا لا ينبغي أن يفتي فيها المفتي، ينبغي أن تعرض على المجامع الفقهية، وينبغي أن تعرض على مؤسسات الفتوى الجماعية، مثل قضايا الأمة بشكل عام أو قضايا الأقليات الإسلامية في البلدان غير الإسلامية أو نحو ذلك من الأمور».

* موضوع الفتوى كان حاضرا في عدد من المؤتمرات السابقة للرابطة، ومنها المؤتمرات الخاصة بالحوار، هل انطلاق مؤتمر خاص بها في هذا الوقت، يفهم منه أن الصورة باتت أوضح لوضعها في إطار عام؟
ـ أود أن أبين أن الرابطة تعنى بالقضايا الإسلامية بشكل عام، وهي قضايا متعددة ومتنوعة، ويلتقي بعضها، وتستقل بعض موضوعاتها في أحيان أخرى، وموضوع الحوار الذي حظي برعاية خاصة من خادم الحرمين الشريفين، كحال باقي المواضيع والشؤون الإسلامية، وبرعاية ولي عهده الأمير سلطان بن عبد العزيز أيضاً.

إلا أن موضوع الفتوى أمر مختلف عن موضوع الحوار، الذي هو إقرار لمبدأ التقاء بين العلماء بعضهم مع بعض أو مع آخرين من بلدان غير إسلامية، لمناقشة بعض القضايا المشتركة بين الأمم، دون أن تمس الثوابت الشرعية الإسلامية.

وموضوع الحوار له أثر بالغ في فك الحواجز بين الأمم والشعوب، لإيجاد أرضية مشتركة ليسمع البعض من الآخر، ويستفيد منه، ولنقل الصورة الصحيحة المشرقة للإسلام، وتغيير الصورة المموهة والمشوهة عن الإسلام والمسلمين. أما موضوع الفتوى فهو أمر له بالغ الأهمية، وله كبير الأثر في الأمة الإسلامية، والمسلمون في أشد الحاجة للفتوى والمفتي. ومسألة الفتوى مسألة قديمة، ولكنها في نفس الوقت قد يطرأ عليها من وقت لآخر أمور تحتاج فيها إلى إعادة النظر، فتصبح، وإن كانت قديمة، تصبح لها قضايا جديدة تستدعي النظر والإجابة.

ونظراً لأن الفتوى ضرورية للأمة الإسلامية من جهة، وهي بالغة النفع، ومن يتقلدها يؤدي خدمة جليلة، ويؤجر أجرا عظيماً، إلا أنه في بعض الأحيان يتصدى لها من ليس أهلا لها، أو مِمَن يتأثرون بضغوط اجتماعية أو سياسية أو غيرها، فتنحرف بعض فتاواهم عن المسار الصحيح. لا سيما مع انتشار وسائل الإعلام التي أعطت الفرصة للمؤهلين وغير المؤهلين، وبالتالي فإن وجود بعض الفتاوى المخالفة للضوابط الشرعية يقع لها آثار سيئة كبيرة جداً على المفتي، وعلى المستفتي، وعلى الأمة الإسلامية، ومن هذا المنطلق رأت الأمانة العامة للمجمع الفقهي الإسلامي في الرابطة أهمية طرح هذه القضية للبحث والمناقشة على المفتين والعلماء والباحثين لينظروا فيها، وليصدروا رأيهم حولها، وليضعوا الضوابط التي تؤدي إلى الفتوى الراشدة، بإذن الله تعالى.

* إذن عقد المؤتمر جاء وفق ضرورة سياسية؟
ـ نحن لا نتناول في هذا المؤتمر موضوعات معينة، المواضيع المعينة نعرضها من خلال دورات المجمع، سواء كان في قضية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو طبية أو عقدية أو فلكية أو فقهية. تحت كل هذه الأمور، يتم بحثها في دورات المجمع، ويحضرها أعضاء المجمع، ويصدرون قرارات. وبالمناسبة قد صدر في هذا الشأن أكثر من 120 قراراً في موضوعات متنوعة أشبعها المجتمع بحثاً ودراسة، وأصدر لها قرارات لاقت قبولاً لدى المسلمين عامة في الشرق والغرب.

* خلال كم، صدر 120 قرارا عن المجمع الفقهي الإسلامي؟
ـ 120 قراراً وبياناً صدر خلال 19 دورة، وهي مجموعة دورات المجمع التي عقدت منذ عام 1978 وحتى الآن، وموضوع مؤتمر الفتوى لا يتناول قضية الفتوى السياسية أو غيرها، وإنما ينظر إلى موضوع الفتوى بشكل عام، ما هي أهميتها، وما هي آثارها، وما هي المشكلات التي تعترضها، وما هي الحلول والضوابط التي يمكن أن توضع لها.

* كيف من الممكن أن تنعكس نتائج مؤتمر كهذا على أرض الواقع، خاصة أن من يحضرونها ليسوا بحاجة لمعرفة ضوابط الفتوى كونهم علماء للأمة؟
ـ المشاركون في المؤتمر من علماء هم من المفتين الرسميين، وأيضاً ممن يتصدون للفتوى من غير الرسميين، ولمن يتصدون للفتوى عبر وسائل الإعلام كذلك.

وموضوع الفتوى إذا اطلعت على عناصره الثمانية رأيت أنها متعددة، وهذا التعدد وهذا التنوع، إن كان يعرفه معظم الحاضرين، إلا أن الأفكار التي تعرض يكمل بعضها بعضاً. والهدف من دعوة العلماء والباحثين المشاركين، ليس هو أن نعلمهم أو يتلقوا درساً، ليس هذا المراد، وإنما لإصدار بيان يتضمن ميثاقاً يتفقون على العمل به، والأخذ به، والاسترشاد بما فيه، ويعمل هذا البيان وما يرافقه من توصيات على ترشيد الفتوى وتجنيبها المشكلات التي تعرض لها أو الحد منها، لهذا دعي المؤتمرون، ولا شك أن هذه المؤتمرات فيها خير كثير، فكل شخص من الحاضرين يطرح أفكارا تكمل أفكار من سبقه، أو لمن يلحقه من علماء يضيفون أفكارا جديدة.

* بخصوص الميثاق، هل صدوره ينهي عصر استفتاء أئمة المساجد من قبل الناس؟
ـ أولاً، الذي يفقه شيئا من العلم الشرعي، ويسأل وليس هناك من هو أعلم منه في منطقته، فلا بأس أن يجيب الناس لحاجة الناس إلى الجواب، لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «بلغوا عني ولو آية».. لكن فرقا بين من يعطي جوابا في مسألة خفيفة، وفي مجتمع ليس فيه علماء كبار أو ليس فيه مفتون وبين من يتصدى ويكون مقصودا للإفتاء ويسألونه عن قضايا متنوعة ومتعددة، فهناك قضايا لا ينبغي أن يفتي فيها المفتي، ينبغي أن تعرض على المجامع الفقهية، وينبغي أن تعرض على مؤسسات الفتوى الجماعية، مثل قضايا الأمة بشكل عام أو قضايا الأقليات الإسلامية في البلدان غير الإسلامية، أو نحو ذلك من الأمور.

فالميثاق الذي سيصدر، إن شاء الله، أولاً سيخرجه لنا المؤتمرون، و أود أن أبين أن هذا الميثاق سيعرض للمشكلات التي تعترض الفتوى، وأسباب هذه المشكلات وآثارها، ومن ثم إيجاد الحلول والضوابط لهذه المشكلات، فإذا تبين العلماء هذا الميثاق بشكل مدون ومرتب، ويكون عاملا من العوامل المعينة لطالب العلم ولمن يتولى أو يتصدى أو يضطر إلى الفتوى.

*ميثاق بهذه الأهمية، هل تكفي ثلاثة أيام من المناقشات للخروج به من العلماء الذين يختلفون في نظرتهم لبعض القضايا، كما شاهدنا خلال وقت قصير، الفترة الماضية، من مناقشات توصف بالحادة، فكيف من الممكن الخروج بميثاق يوحد 1.200 مليار مسلم؟
ـ على كل حال، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «لا يزال الخير في أمتي إلى يوم القيامة»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر».. والخير لا يزال في المسلمين إن شاء الله، وهذا المؤتمر من عوامل الخير والبركة، ومثلما ذكرت لك الكثير من الجوانب التي أتوقع (كررها مرتين) أن يصدر الميثاق بها، وهي عرض المشكلات والأسباب والآثار والحلول والتوصيات وما إلى ذلك، فإن الميثاق سينطلق ويخرج من المؤتمرين.

* لفهم الميثاق بصورة أكبر، لو ضربنا مثالا بما يحدث من جرائم إسرائيلية في حق الفلسطينيين في غزة حاليا، وما يصاحبها من صدور فتاوى متفاوتة بين علماء الأمة، هل الميثاق سيكون من مهامه توحيد الفتوى في مثل هذه القضايا بعد صدوره؟
ـ الميثاق، هو لا يتناول قضية بذاتها، وإنما يتناول قواعد عامة، فمثلا، قضية غزة أو غيرها من القضايا، هذه قضية عامة وليست خاصة بالفرد، فالقضايا العامة سيكون النظر فيها من قبل المجامع الفقهية ومؤسسات الفتوى العامة، وليست من قبل المفتين الأفراد، هذه قضايا عامة.

* في رأيك كأمين للمجمع الفقهي الإسلامي، منذ متى ترى أن المسلمين باتت لديهم مشكلة في الفتوى؟
ـ أولاً: لا توجد مشكلة وقعت بشكل مفاجئ ولها تاريخ معين، وإنما هي يلحق بعضها بعضا. أما من متى بدأنا نفكر ونعمل على إعداد مؤتمر، فمنذ ثلاث سنوات.

* هل نستطيع أن نحدد تاريخا زمنيا لهذه التراكمات التي يعتبرها البعض ساهمت في وجود مناخ جامد في المجتمعات الإسلامية؟
ـ أولاً، لا يوجد تجمد في التفكير أو الفكر، ومن فضل الله سبحانه وتعالى، العلم منتشر ومتطور، ولكن يحصل أن تصدر فتاوى عن بعض المفتين لا يراعون النتائج التي تؤول إليها، فينتج عنها أضرار لعموم الأمة.

* هل من رسالة تحب توجيهها إلى العلماء والباحثين المشاركين في أعمال المؤتمر، المنتظر انطلاقه من مكة المكرمة خلال الأيام القليلة القادمة؟
ـ أسال الله سبحانه وتعالى، أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يجلي الغمة عن إخواننا في فلسطين، وأن يوحد صفوفهم، وأن ينصرهم على عدوهم وعدونا، وأن يعلي كلمة المسلمين، وأن يردهم إلى دينهم ردا جميلا. كما أسأله سبحانه أن يوفق المؤتمرين في هذا المؤتمر إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وإلى ما ينفع الأمة في عاجلها وآجلها، كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لعنايته التامة ورعايته الوافرة لكل عمل خير مبرور بصفة عامة، وللقضايا الإسلامية بصفة خاصة، والشكر موصول إلى الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد الأمين حفظه الله.

 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*