الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » العلاقة بين الدم والتكفير بقلم : عبد الله بن محمد السعوي

العلاقة بين الدم والتكفير بقلم : عبد الله بن محمد السعوي

ثمة حالة من التلازم العميق بين فلسفة التكفير كفلسفة تحريضية تشتغل على تجييش البسطاء خلف أفكارها الطوطمية التي تمور بزخم عنفي, والدم كسائل كيماوي يشكل الحالة النهائية من تمظهرات الامتدادات المتتالية لخطاب التكفير الذي لا تعتبر حالة الايروسية الدموية إلا واحدة من أبرز الآيات الفارقة الثابتة التي تتلبسه ويتلبس بها وتسم كنهه، بل ويتعاطى معها بحسبها شرط تموضعه الموضوعي!

هذا الخطاب ذو النفَس العنفي بتجلياته التصعيدية المتباينة الثرة بمضمونها الدمائي لا ينفصل عن الدمائية بل لا يتصور وجوده – كخطاب يتقن فن الكراهية – إلا في سياقها بالفعل, فهي التي تمنحه الشعور بوجوده, بل – وهنا تكمن المأساة – لا يؤكد استثنائيته إلا من خلالها. الفلسفة التكفيرية التي حققت نجاحا باهرا في تغييب العقل, بل وصلبته على مقصلة الذبح الأيديولوجي, ليست إلا انعكاسا لبرمجة ذهنية تخال أنها لا تخلد ذاتها إلا عن طريق الفعل التضحوي المجرد من مبلورات منطقته, ولتركيبة سيكولوجية مفعمة – وبأقصى درجة – بالمنحى البربري, فهي مناوئة أشد ما تكون المناوئة للإنسانية وتاريخها حافل بذلك إلى حد التخمة؛ أما الحياة فهي العدو الأول الذي تنفق من أجل الانفكاك منه كل ما في جعبتها من مشاريع تضحوية تتمكن على إثرها من توسيع نطاق التموقع الدموي، الحياة في خطاب التكفير لا تصور بحسبها ميدانا فسيحا للتنمية والبناء، وإنما تقدم بحسبها حزمة من الإشكاليات التي لا يرى حلاّلها إلا بالانقلاب عليها ومطاردة بواعث تمددها، إن التضحية بالحياة سلوك مُرْضٍ ما لم يتوفر على عوامل تسويغية مستقاة من دوال النص الديني, وبواعث تبريرية يتجسد عبرها – على سبيل الرؤية اليقينية لا الظنية – الأفق المقاصدي المستوحى من إملاءات البعد الشرعي المعتبر الذي يستحيل هذا الفعل بفعل تَخلفه إلى فرَق غير طبيعي من الموت, ورفض مجرد لا واقعي للواقع, هذا فضلا عن أنه فعل مناهض لمقتضيات التصور الموضوعي النهائي للوجود الكينوني للإنسان. الحكم بالتكفير يجري تفعيله واقعيا من خلال تصفية الشخص الذي اجترح الانفعال به، فتصفية الفكر ليس إلا إرهاصا لتصفية المتلبس به بوصفه الوعاء الحامل له، إن النفس الإنسانية هي قالب حفظ الدين ووعائه الأول ويكفي أن موجدها أقسم بها في البيان القرآني (ونفس وما سواها) وبحسب (ابن تيمية) ف (أمر الدماء أخطر وأعظم من أمر الأموال) التشريع الأبلج احتفى بهذه النفس وضنّ بها أن يراق دمها دون توفر حيثيات مسوغة، فالحياة قرار إلهي خارج إرادة الإنسان وبالتالي فأي تدشين لوضع حد لنهاية الحياة هو اعتراض على الإرادة الإلهية، إذ إن الأصل في الدماء العصمة والقول بشرعنة إراقتها من باب الطارئ العَرضي الاستثنائي، فسفك الدم خروج عن الطابع الإنساني, وفي البيان النبوي ثمة تأكيد في سياق إعلاء شأن الدم على أن (من حمل علينا السلاح فليس منا) التشريع أحاط هذه النفس بخطوط حمراء وبسياج قوي لحمايتها مما يهدد كينونتها واستقرارها الدمائي ليس في عالم الحياة فحسب بل حتى في عالم الرحم حيث حظرت الإجهاض ورتبت عليه متتاليات ردعية وحظرت الانتحار الذاتي وقننت له عقابا صارما يتمثل في الخلود الأبدي في النار وفي البيان النبوي الكريم (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) يقول (الحافظ ابن حجر) في معرض تعليقه على هذا الحديث: (وفي الحديث عظم أمر الدم فإن البداءة إنما تكون بالأهم والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة).

إن أدبيات التشريع نددت وبمنتهى زُبى التفظيع بمن يريق دما معصوما بدون مبررات شرعية بل وأكدت أنه جريمة موجهة للإنسانية بأسرها وأن (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا). إن الإشكالية الخطيرة في الفكر التكفيري أنه لا يكتفي بالتكفير على مستوى اللغة المجردة إذ لو كان كذلك, أي لو أن التكفير لا يتجاوز مسألة الانطباعات الذهنية لأمكن التعايش معه ولو في أدنى حدود التعايش؛ التكفير اللغوي المجرد, في نظر هذا الفكر, توسيع للفجوة بين المبدأ والتطبيق, إنه في تصور هذا الخطاب ليس إلا هروبا من التجسيد العملي الذي هو بزعمهم تنفيذ لمقتضى الإرادة الألوهية، التكفيريون لا يكتفون بالتكفير القولي فالاستغناء بمجرد الحكم الوصفي يفقده قيمته بزعمهم إذا لم يكن له امتداد فعلي على أرض الواقع؛ ومن هنا فعندما يُقدم شخص مّا بوصفه الشر المحض, فهذا يعني أن دمه مهدور سلفا, ومطلوب سفكه, وخنق الروح التي تخفق بين جنبيه, كإجراء قمعي يتمظهر في أقصى حالاته فإزهاق دمه فرع عن إسقاط النعت بموبق الكفر عليه.

 إدخاله في دائرة الكفر هو التدشين المبدئي للإجهاز عليه ووضع حد لدنياه, التي أبى الفقيه التكفيري إلا إسدال الستار عليها وإحالتها إلى التاريخ، أن يُنعت شخص ما بالكفر فهذا يعني أن حياته قاب قوسين أو أدنى من الأفول, بل ثمة سفك قد يطال حتى من توقف أو لم يصرح بتكفيره! إخراج شخص ما من إطار الملة يعني أن شمسه ستلملم أشعتها مؤذنة بالتواري خلف جدار الأفق الحياتي الذي يستعد لاكتساء ألوان الغروب. ثمة حيوات كثيرة تعز على الحصر جرت مصادرتها عبر هذه الآلية, ثمة أرواح بريئة حكم عليها بمفارقة مأواها المادي بفعل أحكام تكفيرية طائشة مفتقرة لما يبرر إطلاقها. هذه الحقيقة الدمائية تتموضع في كينونة هذا الخطاب, تتجذر فيه بعمق فهي العنصر التكويني الحاسم في صياغة معاينته إلى العالم, إنها وجهه الآخر الذي يُعمل على التعتيم عليه والتكتم على الحضور الكبير له أحيانا إذا كانت الظروف غير مواتية أما في بعض السياقات فثمة مجاهرة بشرعنة هدر دم الآخرين بل أحيانا ثمة رغبة دفينة لدى الفاعل التكفيري في التخلص من دمه هو! إنه يضيق ذرعا بما ينطوي عليه بدنه من ثروة دمائية فيسعى إلى التخلص منها, عملية التخلص هنا لا يقوم بها لوحده إذ لو كان كذلك لتضاءلت الخطورة إلى حد كبير ولكن الإشكالية أنه يروم إزهاق أرواح أخرى – عبر عملية في اعتقاده أنها استشهادية!! – ويبت صلتها بالحياة. إننا نؤمن جميعا بأن ثمة دم يعتبر هو قمة العطاء في خط المبادئ والقيم يتمثل في دم الشهيد الذي يجب أن يبقى في الذاكرة, وأن يستحيل إلى فكر يغذي وعي الأجيال, هذا الدم هو الذي يحظى بحضور تبجيلي في أدبيات الشريعة, فهو دم يستحق الاحتفاء به باعتباره صرخة في وجه الظلم ورسالة متفاعلة وصراع قيم ضد طموحات الذين يستهدفون تهميش قيمة الإنسان والحد من حريته. أما دم العنف فهو دم يستهجنه العقل فضلا عن الشرع لأنه يعد المنحدر الأسحق لمبادئ العبث وقيم الانحدار؛ فهو دم يوظف من أجل مسخ كل ما في الحياة من معاني الحب ودلالات السلام. هذا الصنف الذي لديه معين لا ينضب من القدرة التدميرية لا يعرف إلا لغة الدم ولا يطرب إلا لصوت الرصاص ولا يعشق إلا رؤية الأشلاء المتطايرة ولا يتلذذ إلا بسحق الرؤوس وسقوط الجماجم؛ إنه لا يسعى إلى توسيع أطر الإنجازات الإبداعية – بل حتى لو أراد, لا يملك أدوات ذلك – بقدر ما يتفانى في سبيل مضاعفة أعداد المقابر ورفع النسبة الرقمية للموتى والانضمام إلى قافلة الانتحاريين قبله والذين لهم فضل سبق حازوا جراءه علوا في تراتبية السلم الجهادي! هذه الممارسات التي تبلغ حد الهمجية يتعاطى معها بحسبها فعل أخلاقي سيقبض ثمنه الجنة! وهكذا تتجلى الدمائية كقيمة ثقافية محركة للذاكرة التكفيرية وموجهة لمجمل تصوراتها بل وحقائقها اليقينية التي تعتبرها دامغة ومطلقة. الدم المسفوك له حضور تقديسي في تلك الذاكرة التي لا يعجبها من الألوان إلا اللون الأحمر فهو يذكرها بالدم ويحثها على إراقته. إن المعهود أن الإنسان حينما تتدفق فيه الإنسانية يكره رؤية الدم من أخيه فمجرد نزيف محدود أو سيلان دم قليل قد يفزعه بالفعل فضلا عن النقص الكبير في كمية الدم والذي يعني تهديد الأمن الحياتي؛ أما الذهنية التي انحبست في الإطار التكفيري وفي قالبه الفكري المغلق فهي لا تنتشي جذلا إلا برؤية شلالات الدماء, شهوة الدم كامنة في تنشئته الثقافية وقبل ذلك هي متجذرة في كيميائه البيولوجية ثمة هواية عنفية لا تعبر عن ذاتها إلا بسحق البشر وبتّ انتشار الإنسان والعمل على انقراض نوعه! ليس ثمة لديها لغة أرقى وأسمى من لغة الدم فهي اللغة الوحيدة التي يعمل على الاحتفاء بها, الدم هنا يتجاوز مفهومه المادي البيولوجي إلى تنوع رمزي دلالي, تنوع يفصح عن حيوية الثقافة الدموية المحرضة على أن ينفق الإنسان من دمه كلون من الكرم الدمائي! لكي يحظى بما يتعذر نيله بغير بذل الزخم الدموي. ثمة طلب متزايد على الدم من قبل أرباب الثقافة التكفيرية الذين ما إن يعاين أحدهم أن ثمة من لا يتماشى مع رؤيته الفكرية حتى ولو كان ذلك في مسألة ثانوية قابلة للتغاير إلا ويرتفع لديه ضغط الدم معلنا عن فورته فيبرز كقوة تعبوية تدشن لاقتراف السلوك الإجرامي. التكفيري قد يكون الأكثر قدرة على توظيف دمه لتحقيق ما يتوخاه, فهو لكي يبلغ مبتغاه لديه البراعة الكافية في اختزال الطريق بزعمه إلى العالم الآخر عن طريق مجانية البذل الدمائي. الدم هنا في تصور باذله – وهو تصور تكفيري متداول في العمق – مجرد ضريبة تضمن لصاحبها لونا من الأمان على مستقبله الأخروي ولذلك كلما تضاعفت نسبة الدم في مجزرة دموية ما ? وخصوصا تلك التي تحصل في عمق المجتمعات الإسلامية والمبررة على أكثر من صعيد!! – كلما كان دليلا على رفعة المنزلة واستثنائية المصير! تأصل هذا المعتقد في بنية الوعي التكفيري تجعله يتعطش للدماء ويعتقد أن إسالة ولو بضع نقاط دم من جسد الآخر – وغالبا هو مسلم – فضلا عن تمزيق بنيته وبتّ أحشائه فهو بمثابة قربان دموي يرجو به وجه الله!! هذه الإيديولوجيا التي تتوسل لغة دموية محضة لم تنتج سوى وحوش بشرية كاسرة لا ديدن لها سوى التكفير ولا هوية لها سوى الوحشية التي أيموا إثرها نساء وأثكلوا أمهات ويتموا أطفالا في أعمار الزهور, ولأنها في منتهى الوحشية فهي لا تجد ذاتها بفعل ذلك النهم الدمائي إلا في وسط المشاهد الدموية. تلك العقيدة التكفيرية عندما تتأصل يستحيل بموجبها السلوك الهمجي الذي في غاية الانحطاط والباعث على التقزز والقشعريرة إلى فعل حضاري بل وتمظهر للنبل الأخلاقي في أسمى صوره! ثمة نفسية مغرقة في الكراهية دفاقة بالعنف على نحو جرى فيه تشويه لجماليات هذا الدين وتكدير لصفاء إشراقاته!

ثمة عملية استصحاب لثقافة الدم فهي كفاعلية عنفية تتغيا تحسير تموقع الإنسان – تتمتع بحضور محوري في هذا الخطاب فهو ليس مجرد أطروحة لها طابعها الفكري الخاص بل هو في أصل تمأسسه خطاب مترع بالدم وإن توسل في بعض سياقاته ما قد يشي بضد ذلك فهو ليس إلا من باب مباشرة السلوك الوسائلي الذي يُعمل على استدعائه كضرب من التغطية التمويهية التي تؤكد التغلغل العنفي أكثر مما تنفيه. تمجيد الدم والترويج للاحتفاء به وتأصيله في وجدان مريديه هو ما يعكف عليه رواد هذا الفكر وبمتباين الآليات بحسبه أفق غائي يتحتم الصيرورة إلى معانقته!.

-- عبد الله بن محمد السعوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*